مقالات



‫من بلاد الأساطير (2)‬

1-1-2026 | 23:34
د. إيمان طاهر

لأن معظم العصور الذهبية كالشمس، حينما تشرق وتشع بدفئها يعقبها ظلام، كانت هذه حال ذلك العصر الذى تراكمت فيه الثروات والمظالم وغابت المساواة الإنسانية، وتذبذبت التجارة، فاندلعت الحروب ولم يحسب القصر الإمبراطورى، الذى أسرف أيما إسراف حساب ذلك اليوم، فأفلست الدولة وارتفعت الثقافة، والترف للخاصة بالمقارنة بالقدرة العملية للشعب، وامتلأت المناصب بعاجزين عن الإدارة والعمل، فانتشر الفساد وازدادت الجرائم والفقر واللصوصية، وغاب القانون على إثر انتشار العصابات بالقرى والمدن، وأصبح اللصوص علية القوم يعيشون الرفاهية بقصورهم، فأهمل الناس عاداتهم وتقاليدهم وفضائلهم لإحساسهم بالظلم، وحدث التحول الأخلاقى الكبير ومعه تراخ للنظم العسكرية على إثر الانحلال العام، وبدأت الحروب الأهلية فى عصر ملىء بالفوضى.
 
ولأن الأخلاق جوهر الإنسانية، فإن تجديد الإنسان جذريا وكليا، يحتاج لأكثر من الرفاهية، لهذا التحول نحو واقع يحكمه العمل، والفعل ومجاهدة النفس، وضرورة الفهم بأن الأخلاق، ليست خيارًا أو ترفًا، وهى أيضا ليست قيمة إضافيه زائدة، بل ملزمة للواقع الإنسانى، كما يلزم القانون الأفراد والجماعات أفعالهم، لضمان بقاء الدول. 
ومن هنا انتبهت فئة من العسكرية، لأهمية السيطرة على تلك الأوضاع القائمة، فحجبوا دور الإمبراطور، واعتبروه مجرد ظاهرة مقدسة واخضعوا نفقاته للمحاسبة، وتم الاتفاق مع الفلاحين بأن يدفعوا ضرائبهم للشواجنة «العسكرين القادة»، بدلا من الإمبراطور أو الشرطة، وهنا سنجد التشابه التاريخى بين اليابان وأوروبا فى تطبيق النظام الاقطاعى ومن ثم محاولات تصحيحه. 
 
وتوالت الحروب والنزاعات على عرش اليابان، ومؤامرات الخيانة، وتداخل الهويات الغربية على الثقافة اليابانية، فكان كل إمبراطور يتبنى هوية غربية، عن من يخلفه مثل «تاكاتوكى»، الذى كان يهوى اقتناء الكلاب، وجمع منها ما لا يقل عن خمسة آلاف أعد لها حظائر من الذهب الخالص والفضة وأطعمها الطيور والأسماك، وصنع لها عربات مزخرفة لتحملها للتنزه، ومات منتحرا بعد حصاره وآخرين، ممن أحبوا ذلك الترف.
 
وأهملت البلاد والشعب، وسادت الفوضى والانحلال، حتى ظهر القراصنة الثلاثة، وتحكى معظم كتب التاريخ اليابانى بأن “توبوناجا” و”وهيديوشى”، و “إيياسو”، اتفقوا معا على ضرورة إعادة الوحدة الوطنية لوطنهم وشعبهم، وتطبيق الأمن والعدالة، وبعد عدة محاولات استطاع إيباسوا تأسيس الحكومة العسكرية المعروفة، باسم “توكوجارا”، وكان أول أطول عهود السلام بتاريخ الإنسانية كلها، وليس فقط باليابان. 
 
ولكل من القراصنة الثلاثة، حكاية ومنها “هيدموش”، الذى كان ابنا لفلاح فقير، وأراد والده أن يعلمه البوذية، فأرسله لمدرسة فى دير بوذى، لكنه كان دائم الثورة والسخرية منهم، ومن تعاليمهم فطردوه، وظل يتنقل بين الحرف، ويطرد فلجأ لعصابات الطريق، ووجد أنه يستطيع أن يسلب بالقانون أكثر مما يسلبه وهو خارج عنه، فالتحق بالساموراى “حملة السيف”، وهم مجموعة من المحاربين لديهم ثقافة الدفاع والتضحية والولاء، ولديهم سمعة طيبة حسنة بين الشعب، لتمسكهم بالأخلاق والفضائل القديمة، واستطاع هيدبوشى، أن يتعلم منهم بالفعل الأخلاق وتغيرت طبيعته، والتزم بمبادئهم، واستطاع بشجاعته والتزامه أن يصبح حاكما على نصف الإمبراطورية، لكن عاوده الغرور والطمع فاعتزم على غزو الصين، وكوريا ليضمهما لليابان، وأعد الجيوش وخسر تلك الحرب فاكتفى بحكم نصف الإمبراطورية، حتى دخلت المسيحية اليابان وانتشرت، واعتنقها أكثر من مائة وخمسين ألفاً فطمست البوذية وأصبحت الميناء التجارية مدينة مسيحية كاملة، هنا فزع هيديوشى وأرسل فى طلب نائب رئيس، تلك الطائفة الجديدة وأصدر أمرا بمغادرتهم البلاد، ومن يعترض يعدم فورا.
 
عندما مات هيديوشى، تولى ابنه هيديورى وحاصره صديق أبيه القديم آيياسو، وقتل كل أبناء هيديوشى وانتحر هيديورى، ثم نظم إيياسو صفوفه وحكم اليابان، على الرغم من قسوته
البالغة، وأبناؤه من بعده لثمانية أجيال، فإن الإصلاح والبناء فى عهده فاقا ما قبله عدلا، واتزانا، وله كتاب مازال حتى الآن يعد ميثاق يقبل عليه الكثيرين، سواء من الشعب اليابانى أو غيرهم سماه “التراث “، الحياة شبيهة برحلة طويلة يحمل فيها الراحل حملا ثقيلا فاجعل خطاك وئيدة ثابتة حتى لا تتعثر وأقنع نفسك بأن النقص والتعب، هما نسيج الحياة الطبيعية عند من تفنى حياته، ولن يكون لك فى حياتك ما يمد لك فى سبيل السخط، أو اليأس فإذا ما نزت فى قلبك نزوات الطموح، فتذكر أيام الشقاء البالغ حده الأقصى التى اجتزتها فى ماضى حياتك، فالصبر هو أساس السكينة والطمأنينة إلى الأبد، انظر إلى السخط نظرتك إلى عدوك فإذا اقتصر علمك على كيف تهزم، ولم تعلم كيف تنهزم فالويل لك، ويا سوء سبيلك فى الحياة الدنيا، فاكشف عن الخطأ فى نفسك قبل أن تكشف عنه فى سواك.
 
لكل أمة عهد عقلى، ونظم تتوافق مع طبيعتهم وتحقق الاتزان، وتخلق روابط بوحدة روحية وولاء، ولأن الشعب اليابانى لديه ميل فطرى لالتزام الفضائل واحترام من يدعون لها تبع إيياسو، ويقدمون له فروض الطاعة والولاء، القيمة الحقيقية فى وجود الأخلاق، وهى قانون لم يضعه بشر لكنه ولد مزودا به ينشأ فى باطن النفس من آداب، وضمير يميز بين الصواب والخطأ، وينظم ما يجيش فى الإنسان من شهوات فيخضعها للطريق السوى، وبغير هذا القانون الإنسانى الداخلى تنحل المجتمعات وتسقط فريسة لكل الشرور، لو أن كل إنسان يتبين حقيقة وجوده، سيجد بحثه الدائم عن السعادة، أو مغزى الأشياء، والكون من حوله، لو انتبهنا قليلا سنجدها فى معانى الحق والجمال، والفضيله والعدالة والعطاء.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام