رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
سابقة خطيرة تهدد الدولة الوطنية فى إفريقيا
1-1-2026
|
23:53
⢴ د. محمد فؤاد رشوان
الاعتراف الرسمى لا يزال حكرًا على الحكومة الفيدرالية فى مقديشو
لا يمكن فهم التحرك الإسرائيلى نحو القرن الإفريقى بمعزل عن التحولات التى تشهدها المنطقة
الاعتراف الخارجى بإقليم انفصالى يمنح الحركات المماثلة حجة سياسية جديدة
فى خطوة مثيرة للجدل تثير مخاوف جيوسياسية عميقة، تتعامل إسرائيل رسمياً مع إقليم صوماليلاند المنفصل عن الصومال كدولة مستقلة، متجاوزة بذلك الإجماع الدولى الراسخ على وحدة الصومال وسيادته، هذا القرار لا يعد مجرد تطور ثنائى فى العلاقات بين الطرفين، بل يشكل سابقة خطيرة، تهدد بتقويض مبدأ الدولة الوطنية فى القارة الإفريقية الهشة أساساً، خصوصا فى شرق إفريقيا، والقرن الإفريقى، الذى يعانى تاريخياً من صراعات حدودية وإثنية معقدة.
يأتى الاعتراف الإسرائيلى بإقليم صوماليلاند، فى سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة، حيث تسعى إسرائيل إلى توسيع نفوذها فى مناطق إستراتيجية حيوية قرب باب المندب، أحد أهم الممرات المائية العالمية، لكن التداعيات تتجاوز المصالح الآنية، لتلامس أسس النظام الإقليمى القائم على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، التى التزمت بها دول إفريقيا برغم ما تثيره من إشكالات.
هذه الخطوة قد تشجع حركات انفصالية أخرى فى المنطقة - من إقليم أرض الصومال فى إثيوبيا، إلى إقليم كينيا الساحلى، وإقليم دارفور بالسودان - على المطالبة بالانفصال، ما يهدد بفتح ملف الصراعات الإثنية والحدودية، كما تطرح تساؤلات حادة حول مستقبل مشروع الدولة الوطنية، فى دول تسعى للتعافى من حروب أهلية طاحنة، وتثير مخاوف من عودة منطق «الفوضى الخلاقة»، الذى يعيد رسم الخرائط وفق مصالح خارجية على حساب استقرار الشعوب.
أولا: صوماليلاند.. إقليم الأمر الواقع
تمثل قضية إقليم صوماليلاند، إحدى أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة للجدل فى المشهد الإفريقى المعاصر، بوصفها نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بـ«دولة بحكم الأمر الواقع»، التى تمتلك مقومات الكيان السياسى دون أن تحظى بشرعية الاعتراف الدولي، فمنذ إعلان الإقليم انفصاله من جانب واحد عن دولة الصومال عام 1991، عقب انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري، شرع قادته فى مسار مختلف، حيث سعوا إلى تحويل منطقة أنهكتها الحروب والصراعات إلى كيان منظم يتمتع بقدر من الاستقرار والمؤسسية.
ويستند المشروع الانفصالى في صوماليلاند إلى سردية تاريخية مركبة، تجمع بين خصوصية التجربة الاستعمارية السابقة، حين كان الإقليم مستعمرة بريطانية منفصلة عن «الصومال الإيطالي»، وبين شعور متراكم بالتهميش والقمع خلال العقود الأخيرة من الدولة الصومالية الموحدة، خصوصا فى ثمانينيات القرن الماضى، وقد نجحت النخبة الحاكمة فى توظيف هذه السردية لبناء هوية سياسية مغايرة، وتبرير السعى نحو الانفصال الكامل.
وعلى أرض الواقع، تمكن الإقليم من إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية تعمل بقدر ملحوظ من الكفاءة مقارنة ببقية الأراضى الصومالية؛ فهناك حكومة منتخبة، وبرلمان، وعملة محلية، وقوات أمن وجيش، فضلًا عن مستويات من الاستقرار الأمنى والانتظام الإداري، جعلت صوماليلاند تُقدَّم أحيانًا كنموذج «استثناء إيجابي» فى منطقة تعانى من هشاشة الدولة وتآكل السلطة المركزية، ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند مقارنته بحالة الفوضى والانقسامات التى شهدتها الصومال لعقود طويلة.
ورغم هذه المعطيات، ظل جدار الرفض الدولى صلبًا، فالاعتراف الرسمى لا يزال حكرًا على الحكومة الفيدرالية فى مقديشو، فى ظل تمسك الاتحاد الإفريقى بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، باعتباره صمام أمان، يمنع تفكك الدول الإفريقية إلى كيانات أصغر، ويحظى هذا التوجه بدعم واضح من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، اللتين تنظران إلى أى اعتراف صوماليلاند باعتباره سابقة خطيرة تهدد استقرار القارة.
إلا أن صوماليلاند ، باعتبارها كيانًا عمليًا، لم تقف عند حدود هذا الرفض، فقد عملت خلال السنوات الماضية على نسج شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية غير الرسمية مع أطراف إقليمية ودولية، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجى المطل على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، هذا الموقع منح الإقليم وزنًا يفوق حجمه، وجعل منه فاعلًا حاضرًا فى معادلات الأمن والملاحة، وكيانًا يتحدى فى صموده ومعادلته الخاصة ثوابت الدولة الوطنية فى إفريقيا، ويفتح الباب أمام أسئلة مقلقة حول مستقبل الوحدة والسيادة فى القارة.
ثانيًا: الصومال.. إضعاف الدولة فى لحظة مصيرية
يمثل أى اعتراف خارجى بفصل إقليم صوماليلاند ضربة إستراتيجية موجعة لدولة الصومال فى لحظة بالغة الحرج والأهمية، فالحكومة الفيدرالية فى مقديشيو، تخوض معركة وجودية على عدة جبهات منها؛ مواجهة زحف حركة “الشباب” المتطرفة التى تهدد العاصمة نفسها، ومحاولة لم شمل أقاليم البلاد تحت سلطة مركزية ضعيفة، وإدارة تدخلات القوى الإقليمية والدولية التى تتعامل مع الصومال كساحة لمصالحها المتضاربة.
فى هذا السياق الهش، يأتى الاعتراف بالانفصال ليقوّض شرعية الدولة المركزية بشكل مباشر، ويسحب منها أهم أوراقها التفاوضية مع الأقاليم الأخرى، ويرسل رسالة مدمرة مفادها أن الانفصال هو طريق ممكن للبقاء، مما يهدد بتفكيك النسيج الوطنى الذى تجرى إعادة بنائه بصعوبة بالغة.
وبناء على ما سبق، فالخطر لا يقتصر على الجانب السياسى فحسب، بل يمتد إلى الجانب الأمنى الحيوي، حيث إن إضعاف السلطة المركزية فى مقديشو يخلق فراغاً أمنياً وفسحة حيوية لتنظيم “الشباب” والجماعات المتطرفة الأخرى، يمكنها من التمدد وتأمين مواردها التى تضمن استمرار عملياتها ووجودها بقوة، كما يقوض أى تنسيق إقليمى فاعل لمكافحة الإرهاب والقرصنة فى خليج عدن والبحر الأحمر، وهو تنسيق تقوده مقديشو بالشراكة مع دول الجوار والتحالف الدولي.
باختصار، الاعتراف بالانفصال لا يمنح صوماليلاند شرعية فحسب، بل يمنح الفوضى والجماعات الإرهابية فرصة ذهبية للنمو، محولاً الصومال من دولة فى طريق التعافى إلى ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
ثالثأ: إسرائيل والقرن الإفريقى.. عودة قديمة بثوب جديد
لا يمكن فهم التحرك الإسرائيلى المتسارع نحو القرن الإفريقي، وفى القلب منه صوماليلاند، بمعزل عن التحولات الكبرى التى تشهدها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة، وما رافقها من تصريحات وأفكار داخل الدوائر السياسية والإعلامية الإسرائيلية تتحدث صراحة عن «مناطق بديلة» أو مساحات جغرافية خارج فلسطين يمكن توظيفها فى سيناريوهات تهجير سكان غزة أو إعادة توطينهم بصورة غير مباشرة، فى هذا السياق، تتحول صوماليلاند من مجرد إقليم غير معترف به إلى حلقة فى تفكير إستراتيجى أوسع، يبحث عن مخارج ديموغرافية وأمنية، ويعيد رسم خرائط النفوذ فى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
فالعودة الإسرائيلية إلى القرن الإفريقى ليست جديدة فى جوهرها، لكنها اليوم أكثر جرأة ووضوحًا، فمنذ ستينيات القرن الماضي، اعتمدت تل أبيب إستراتيجية اختراق «العمق الإفريقى» لكسر الطوق العربي، عبر علاقات أمنية واستخباراتية مع دول محيطة بالبحر الأحمر، غير أن هذه الإستراتيجية تطورت اليوم لتصبح أداة مركبة تستهدف ثلاثة مسارات متداخلة: تطويق الأمن القومى المصري، دعم النفوذ الإثيوبى المتصاعد، وخلق واقع جيوسياسى جديد عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر.
فى هذا الإطار، يكتسب الاعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند دلالات تتجاوز الجغرافيا، فالإقليم المطل على خليج عدن وباب المندب يوفر لإسرائيل موطئ قدم متقدمًا على واحد من أهم الممرات البحرية المرتبطة مباشرة بأمن قناة السويس، وبالتالى فأى حضور استخباراتى أو أمنى إسرائيلى فى هذه المنطقة يعنى - عمليًا - قدرة أكبر على مراقبة الملاحة، والتأثير فى أمن البحر الأحمر، وهو ما يمثل تهديدًا غير مباشر لكنه عميق للأمن القومى المصري.
الأخطر من ذلك أن هذا التحرك يتزامن مع دعم إسرائيلى متزايد لإثيوبيا، التى تسعى منذ سنوات إلى كسر قيود الجغرافيا والحصول على منفذ مباشر أو غير مباشر على البحر الأحمر لكسر حصارها باعتبارها دول حبيسة ترتبط حركة التجارة والتنمية بها بدول الجوار، فتمكين أديس أبابا من تعزيز نفوذها فى القرن الإفريقي، سواء عبر صوماليلاند أم عبر ترتيبات إقليمية أخرى، يخدم هدفين متلازمين؛ الأول تقويض الدور المصرى الفعال والمتزايد فى هذه المنطقة الحيوية، والثانى توفير غطاء سياسى وأمنى لإثيوبيا فى مواجهة الضغوط المصرية المتصلة بملف سد النهضة ومياه النيل.
بهذا المعنى، تتحول صوماليلاند إلى «كماشة إستراتيجية» فدعم كيان انفصالى فى الصومال يضعف دولة الصومال المركزية التى ترتبط بعلاقات إستراتيجية مع القاهرة، ويخلق بؤرة عدم استقرار مزمنة فى الفناء الخلفى للأمن المصري، ومن جهة أخرى، يمنح إثيوبيا عمقًا سياسيًا وجيوسياسيًا إضافيًا، يعزز قدرتها على المناورة ورفض التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن مياه النيل.
واستنادًا إلى ما سبق، فإن عودة إسرائيل إلى القرن الإفريقى لم تعد مجرد انفتاح دبلوماسى أو اقتصادي، بل تحولت إلى أداة ضغط استراتيجية متعددة الأبعاد، تستهدف إعادة رسم موازين القوة، وتطويق التحركات المصرية، ودعم الطموح الإثيوبى فى البحر الأحمر، بما يهدد استقرار الإقليم، ويضع الأمن القومى المصرى أمام تحديات متراكبة تتطلب قراءة شاملة واستجابة إستراتيجية طويلة النفس.
رابعًا: شرق إفريقيا والقرن الإفريقى.. عدوى التفكك وتهديد الدولة الوطنية
لا يبدو الاعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند، إذا ما استكمل مساره السياسي، مجرد تطور دبلوماسى وحسب، بل يطرح نفسه كشرارة محتملة لانتقال عدوى التفكك عبر واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة وتعقيدًا، فشرق إفريقيا والقرن الإفريقى يضمان دولًا قامت على توازنات دقيقة بين المركز والأقاليم، وبين الهويات الوطنية والانتماءات الإثنية، ما يجعل أى كسر لمبدأ وحدة الدولة بمثابة فتح لباب يصعب إغلاقه.
حيث تكمن الخطورة الأساسية فى الاعتراف الخارجى بإقليم انفصالى يمنح الحركات المماثلة فى الإقليم حجة سياسية جديدة، مفادها أن الانفصال لم يعد خيارًا مستحيلًا، بل مسار قابل للتدويل والتسويق، ففى كينيا، على سبيل المثال، شهدت بعض المناطق الساحلية والشمالية الشرقية تاريخًا من التوترات والشعور بالتهميش، قد يتحول نموذج صوماليلاند إلى مرجعية ضمنية تعيد إحياء مطالب مؤجلة، وتدفعها من إطار التنمية والمشاركة إلى خطاب سياسى أكثر راديكالية، بما يهدد استقرار دولة تمثل ركيزة اقتصادية وأمنية لشرق إفريقيا.
أما السودان، فيبقى الأكثر عرضة لتداعيات هذه العدوى، فالدولة التى لم تلتقط أنفاسها بعد انفصال الجنوب، وتعيش اليوم حالة غير مسبوقة، قد تجد نفسها أمام موجة جديدة من النزعات الانفصالية، سواء فى دارفور أم النيل الأزرق أو جنوب كردفان، خصوصا فى ظل غياب سلطة مركزية قوية، يصبح نموذج “الكيان المنفصل المعترف به” عامل جذب سياسى خطيرا، يسرّع من تفكيك ما تبقى من الدولة الوطنية.
ولا تقف المخاطر عند الدول المنهكة بالصراعات، بل تمتد إلى دول مستقرة نسبيًا مثل جيبوتي، التى يقوم توازنها الداخلى على معادلة حساسة بين مكوناتها الاجتماعية ودورها الجيوسياسى، وانتشار منطق التفكك فى محيطها الإقليمى قد ينعكس ضغوطًا سياسية واقتصادية، ويهدد مكانتها كمركز لوجستى محورى فى القرن الإفريقى.
لذلك فلا تتعلق عدوى التفكك بإعادة رسم الحدود فحسب، بل بتآكل مفهوم الدولة الوطنية الإفريقية ذاته، فتكريس سابقة صوماليلاند يعنى الانتقال من إدارة الأزمات داخل الدول إلى شرعنة تفكيكها، بما يحول القرن الإفريقى إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتدخلات الخارجية، ويضع القارة أمام أخطر اختبار لوحدتها منذ عقود التحرر الوطني.
خامسًا: الاعتراف الدولي: من مبدأ قانونى إلى سلاح جيوسياسى خطير
لا يمكن فهم التلميحات أو الخطوات نحو الاعتراف بإقليم صوماليلاند إلا فى إطار تحويل “الاعتراف” ذاته من إجراء قانونى يحكمه مبدأ الثبات، إلى سلاح سياسى متغير فى حروب النفوذ الإقليمي، ففى المناطق الهشة، يتحول الوعد بالاعتراف إلى محفّز قوي، يشجع النزعات الانفصالية ليس فقط بدافع المطالبة بحقوق، بل طمع فى رعاية خارجية وحماية دولية، وهكذا يغدو الاعتراف عامل “عدوى” سياسية، يحوّل الأزمات الداخلية إلى قضايا دولية، ويُدخل القوى الكبرى كأطراف فاعلة فى نزاعات محلية، مما يعمق الشرخ بدلاً من حث الأطراف على الحوار الوطنى والإصلاح الداخلي.
هذه الديناميكية تفتح باباً خطيراً على ما يُسمّى “تدويل الانفصال”، حيث تُستدعى الحسابات الجيوسياسية الخارجية لتكريس أمر واقع على الأرض، خصوصا فى أقاليم متعددة الإثنيات مثل القرن الإفريقي، والنتيجة هى إعادة إنتاج بؤر توتر جديدة، وتهديد كيانات قائمة، وتشجيع الخطابات المتطرفة محلياً.
ومن الناحية القانونية، يقف القانون الدولى والاتحاد الإفريقى على قاعدة راسخة ترفض الانفصال الأحادي، وتميز بين حق تقرير المصير الداخلى وبين تفكيك الدول، بيد أن الممارسة الدولية تكشف ازدواجية معايير صارخة؛ حيث يتم توظيف الاعتراف أو منعه كأداة مكافأة وعقاب وفقاً لمصالح القوى الفاعلة، لا وفقاً لمبادئ ثابتة، هذه الازدواجية لا تقوض شرعية النظام الدولى فحسب، بل تحوّل “الاستقرار” نفسه إلى عملية تفاوضية، وتجعل الفوضى والتمزق خطراً دائماً يهدد القارة كلما تقاطعت مصالح خارجية مع صراعاتها الداخلية.
سادسًا: إفريقيا على حافة الهاوية
يشكل أى اعتراف دولى بالانفصال فى القرن الإفريقى ناقوس خطر مباشرا، ليس فقط على خريطة الصومال، بل على الأمن القومى العربى والإفريقى بأكمله، فإدخال كيان منفصل خارج الإطار القانونى القارى إلى هذه المنطقة الشديدة الحساسية، المكتظة بالقواعد العسكرية الأجنبية والممزقة بالتنافسات الدولية، سيعمق الاستقطاب ويفتح بؤراً جديدة للتوتّر، وتزداد الخطورة إذا اقترن الاعتراف بتعاون أمنى أو عسكري، مما سيخلخل التوازنات الهشة فى البحر الأحمر وباب المندب، الممر الإستراتيجى الحيوى للتجارة والطاقة العالمية.
فى المحصلة، يمثل الموقف من هذه القضية مفترق طرق تاريخى لإفريقيا، فإما أن تثبت القارة التزامها بالمبادئ التى تأسست عليها الوحدة الإفريقية التى ضمنت استقرارها النسبى لعقود، وعلى رأسها تقديس وحدة الدول وسلامة حدودها، وإما أن تستسلم لمنطق التفكك الانتقائى الذى يخدم مصالح خارجية ويغذى الصراعات، والنتيجة ستكون إشعال موجة عاتية من عدم الاستقرار، ستجعل من القرن الإفريقي، والبحر الأحمر، رهينة للتدخلات الأجنبية، فى مشهد يعيد رسم الخرائط بقوة النفوذ والرصاص.
وختامًا، لا يمثل الاعتراف المحتمل بصوماليلاند مجرد تهديد لنظام السيادة فى إفريقيا، بل هو اعتداء مباشر ومتعمّد على الأمن القومى العربى والإفريقى فى بعديه - الإستراتيجى والمائى - فتمكين كيان انفصالى عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر يخلق حليفاً استخباراتياً وعسكرياً لإسرائيل على مقربة من باب المندب، كما أن هذه الخطوة تدعم النفوذ الإثيوبى المناهض لمصر فى المنطقة، وتقوّض جهود القاهرة للوصول إلى اتفاق ملزم وعادل بشأن مياه النيل، عبر تعزيز موقف أديس أبابا وتشجيعها على المماطلة.
الخطر، إذن، ليس افتراضياً بل وجود، فاستقرار مصر الجنوبى مرهون باستقرار القرن الإفريقي، وأى تفكيك لخريطته يعنى إشعال حرب بالوكالة على حدودها، وخلق ملاذات آمنة للإرهاب، وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة، ومن ثم فالتصدى لهذا المخطط يتطلب من مصر قيادة تحالف إقليمى ودولى فاعل، يستعيد زمام المبادرة ويؤكد أن وحدة الدول الإفريقية وخطوطها الملاحية ليست مساومة جيوسياسية، بل خطوط دفاع أولى عن الأمن القومى العربى والإفريقى المشترك.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
تصريحات ترامب أثارت ردود فعل واسعة.. سيناريوهات الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند
هجرة وطلاق وانتحار داخل المجتمع الإسرائيلى.. حروب نتنياهو
من الهيمنة العابرة للقارات إلى إدارة النفوذ من بوابة الإقليم.. عالم ما بعد العولمة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام