سوق ومال



‫ثورة الذهب والفضة‬

2-1-2026 | 00:00
د. رشا مصطفى عوض

بيانات مجلس الذهب العالمى تكشف أن البنوك المركزية لا تزال تشترى كميات قياسية من المعدن النفيس
عمليات الشراء تعكس تحولاً إستراتيجياً بسبب ضعف الدولار الأمريكى وعدم اليقين الاقتصادى
ارتفاعات الأسعار  فى أسواق الفضة تعكس تنامى الفجوة بين طلب الشركات ومشروعات البنية التحتية للطاقة المتجددة
صعود الذهب يعكس قلقا وجوديا تعيشه الطبقات الوسطى فى الدول النامية والناشئة
 
«كل العملات الورقية تعود فى النهاية إلى قيمتها الحقيقية: الصفر»،  ذلك القول المأثور للفيلسوف الفرنسى ورائد عصر التنوير «فولتير»، الذى يعكس فكرة أن قيمتها ليست فى المادة المصنوعة منها أو الرقم المالى المُدوَّن عليها، بل فى الثقة والدعم الحكومى والاقتصادى لها، ومن ثم، يُمكن لأحداث مثل التضخم الجامح، أو التراجع الحاد فى الأداء الاقتصادى، أو حتى التحول نحو المدفوعات الرقمية، أن تُفقد العملة الورقية قوتها الشرائية، فتصبح بلا قيمة تذكر.
 هذه المقولة تعود اليوم إلى مشهد الصدارة، فى ظل موجة ارتفاعات غير مسبوقة فى أسعار الذهب والفضة فى السوق العالمية، بيد أن ما يثير الاهتمام حقًا أن هذا التوجه لا يرافقه حديث اقتصادى عن تضخّم جامح جديد، بل عن عودة تدريجية إلى معدلات تضخم «طبيعية» حول 2% - 3% فى أغلب الاقتصادات المتقدمة. هنا تحديدًا يتشكّل سؤال مُربك: لماذا تقفز الملاذات التقليدية ضد التضخم إلى قمم تاريخية، بينما تخبرنا النماذج الرسمية أن التضخم فى طريقه للانحسار خلال عام 2026؟
خبير السياسات العامة، المدير التنفيذى السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى
إذا نظرنا إلى مستويات الأسعار فى السوق العالمية يوم 23 ديسمبر الماضى، سنجد أن الذهب تم تداوله قرب حاجز الـ 4500 دولار أمريكى للأونصة، بارتفاع تجاوز 70% عما كانت عليه فى بداية العام، ما يُمثِّل واحدة من أقوى موجات صعوده السعرية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضى، وتحديدًا عام 1979، فى الوقت نفسه تخطت أونصة الفضة حاجز الـ 70 دولارًا أمريكيًا للمرة الأولى فى تاريخها، بعد أن قفزت مكاسبها السنوية بنحو 130% - 140%، مدفوعة بمزيج من تنامى الطلب الصناعى والاستثماري.
 قد لا تكون هذه الأرقام وحدها كافية لإطلاق رسائل عن «الهروب إلى الذهب والفضة»، لكن ما يجعل المشهد استثنائيًا حقًا كونه يتشكَّل فى بيئة يتوقع فيها صندوق النقد الدولى تراجع معدل التضخم العالمى إلى نحو 3.5% فقط فى عام 2026، بعد أن سجل 6.8% عام 2023، و4.2% فى عام 2025، الأمر الذى يعكس عودة أغلب الاقتصادات المتقدمة لتكون قريبة من أهداف التضخم المُتبناة من قِبل بنوكها المركزية؛ عند مستوى 2%، بعبارة أخرى، يُمكن القول: إن التضخم تحت السيطرة، بينما السلوك الفعلى للأسواق يشير إلى حالة توتر عميقة لا تعكسها المؤشرات التقليدية.
تاريخيًا، كانت العلاقة خطية بسيطة تفيد بأن أسعار الذهب ترتفع عندما ترتفع الأسعار فى المتاجر ومحطات الوقود، وإنه “تحوّط ضد التضخّم”، صيغت هذه الرواية فى ذروة سبعينيات القرن العشرين، عندما تحولت الحقبة إلى ما يشبه الكابوس الاقتصادي: تضخّم مرتفع، نمو ضعيف، وبطالة عنيدة، وهو ما عرف بـ «الركود التضخمى». حينها، قفزت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية بعد فك ارتباطه النهائى بالدولار الأمريكى، لكن السيناريو الذى يشهده العالم اليوم مختلف، فالعالم يخرج - ولو ببطء - من صدمة تضخّم ما بعد الجائحة والحرب، والمؤسسات الدولية تتحدث عن “تراجع كبير” فى متوسطات التضخم العالمية خلال 2025–2026، حتى إن البنك الدولى يتوقع انخفاضًا عامًا فى مؤشر أسعار السلع بنحو 7% خلال الفترة نفسها، ورغم ذلك، تتخذ أسعار المعادن الثمينة الاتجاه المعاكس تمامًا، كأنها تُصوِّت على شيء آخر غير أرقام التضخم.
هنا تظهر المفارقة الأولى غير المألوفة: الذهب والفضة لا يتحركان اليوم فقط كتحوّط من الأسعار، بل كتحوّط من “النظام” نفسه، فبيانات مجلس الذهب العالمى تكشف أن البنوك المركزية لا تزال تشترى كميات قياسية من الذهب، إذ تجاوزت مشترياتها ألف طن سنويًا لثلاثة أعوام متتالية حتى عام 2024، لترفع الطلب الكلى إلى مستوى تاريخى يناهز 4974 طن فى عام واحد. هذا التحول لا يُمثِّل مستثمرين أفراد يخشون فاتورة التضخم، بل يعكس تحوّلاً إستراتيجياً تقوده بنوك مركزية قلقة من عقوبات مالية، وضعف الدولار الأمريكى، وعدم اليقين الاقتصادى، وتسييس أنظمة المدفوعات العالمية. 
وهكذا، يصبح الذهب أشبه بتأمين سيادى ضد الجغرافيا السياسية والديون الحكومية، لا ضد التضخم فقط، ويُعبر ارتفاعه عن أزمة ثقة فى بنية النظام المالى الدولى وليس فى مستويات الأسعار فى 2026 فحسب.
تتعلق المفارقة الثانية بالفضة أكثر من الذهب، حيث تتجاوز القصة سردية «الملاذ الآمن» إلى «معدن المستقبل الأخضر». فالتقارير الفنية عن أسواق السلع تشير إلى أن الفضة دخلت مرحلة إعادة اكشاف الأسعار فوق 70 دولارًا أمريكيًا للأونصة، مدفوعة بخامس عجز سنوى متتالٍ فى المعروض، وبقفزة فى الطلب الصناعى من قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات والسيارات الكهربائية. ففى عالم يتجه نحو الحياد الكربونى، تتحول الفضة إلى عنصر أساسى فى ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات والمكونات الإلكترونية الدقيقة، ما يعنى أن الطلب عليها مرتبط بالتحول الطاقى أكثر من ارتباطه بمستوى التضخم فى أسواق الاستهلاك العائلي.
وبالتالى، لا تعكس ارتفاعات الأسعار فى أسواق الفضة هروب مستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم، بل تنامى الفجوة بين طلب الشركات ومشروعات البنية التحتية للطاقة المتجددة لتأمين احتياجاتها المستقبلية من معدن نادر، ومحدودية العرض منه فى وقت تتراجع فيه الاستثمارات فى المناجم الجديدة وتزداد صعوبة استخراج الخام عالى الجودة.
المفارقة الثالثة تأتى من ظاهرة أقل ظهورًا، وهى ما يمكن تسميته «تضخماً ضعيفاً مع قمع مالى ناعم بقوة»، حيث يعكس الأخير مجموعة من السياسات الحكومية غير المباشرة التى تسعى لتوجيه أموال القطاع الخاص لتمويل الدين العام بتكلفة منخفضة، عبر قيود على أسعار الفائدة وأدوات أخرى، لذا، وحتى إن نجحت البنوك المركزية فى خفض التضخم إلى 2% - 3% فى المتوسط، فإن مستويات الدين العام فى كثير من الاقتصادات الكبرى تجعلها مضطرة للإبقاء على أسعار فائدة حقيقية منخفضة أو سالبة لفترات طويلة، كى لا تشهد المالية العامة اختناقات جوهرية.
الأمر الذى تؤكده تقارير المؤسسات الدولية؛ حيث تتوقع نموا ضعيفا نسبيًا فى الاقتصادات المتقدمة (نحو 1.5% - 1.6% خلال 2025-2026) مع تضخم يتجه إلى أهداف بنوكها المركزية؛ أى مزيج من نمو بطيء وأسعار مستقرة نسبيًا، إلا أن هذا المزيج لا يستبعد استمرار أسعار فائدة أقل من “مستواها الطبيعي” لسنوات، وفى خِضم هذه البيئة الاقتصادية، لا يحتاج الذهب إلى تضخم مرتفع كى يرتفع الطلب عليه وتقفز أسعاره؛ يكفى أن يشعر المستثمرون أن العائد الحقيقى على السندات والودائع - بعد خصم التضخم - سيظل ضعيفًا، وأن الحكومات تميل تدريجيًا إلى ما يشبه “القمع المالى الناعم”؛ أى استخدام التضخم المعتدل وأسعار الفائدة المنخفضة لتآكل القيمة الحقيقية للديون ببطء. هنا يصبح الذهب والفضة أداة لحفظ القوة الشرائية على المدى الطويل فى مواجهة سياسة لا تُعلن نفسها كقمع مالى، لكنها تعمل كتبخر بطيء لقيمة المدخرات.
فى الخلفية، تقدم لنا تجربة أواخر التسعينيات وبداية الألفية مشهدًا تاريخيًا يستحق المقارنة. ففى ديسمبر 2002، تحدّث “آلان جرينسبان”، رئيس مجلس المُحافظين للنظام الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى آنذاك، عن مفارقة أن “استقرار الأسعار وانخفاض التضخم يمكن أن يوفّرا التربة الخصبة لفقاعات الأصول”، مُحذرًا من أن فترات الهدوء الظاهرى قد تخفى تحتها موجات مضاربة كبيرة فى أسواق بعينها.
رغم أن الذهب كان ضعيفًا نسبيًا فى تلك الحقبة، لكن المنطق الذى طرحه “جرينسبان يظل صالحًا اليوم: انخفاض التضخم وهدوء المؤشرات الظاهرية لا يعنيان غياب المخاطر، بل قد يعكس انتقالها إلى أسواق الأصول، سواء كانت أسهمًا أم عقارات أو معادن ثمينة، الفرق الآن أن الذهب والفضة أصبحا ساحة هذه الموجة، فى ظل مزيج من أسعار فائدة حقيقية ضعيفة، وديون مرتفعة، وتوترات جيوسياسية متراكمة، وشعور متزايد بأن «النظام الحالي» هشّ أكثر مما يبدو.
المفارقة الرابعة – وربما الأكثر إنسانية – هى أن هذه الموجة يقودها جزئيًا «مزاج الطبقات الوسطى فى الجنوب العالمي»، وليس فقط مستثمرو كبرى الأسواق المالية وصناديق التحوّط، بيانات مجلس الذهب العالمى تُظهر أن نحو ثلاثة أرباع الطلب العالمى على الذهب لا يزال متركزًا فى آسيا والشرق الأوسط، مع نمو ملحوظ فى الطلب الاستثمارى من هذه المناطق رغم تراجع الطلب على الحُلى بفعل ارتفاع الأسعار. فى هذه المجتمعات، لا يُعد الذهب مجرد أصل مالي؛ إنه جزء من الثقافة والذاكرة الجماعية، و”عملة عاطفية” يتم اللجوء إليها عندما تهتز الثقة فى العملات المحلية أو استقرار العالم.
لذلك يمكن القول: إن صعود الذهب اليوم يعكس أيضًا قلقًا وجوديًا تعيشه الطبقات الوسطى فى دول نامية وناشئة، تخشى من موجات تضخم مستقبلية، أو من هزات فى أسعار الصرف، أو من تحوّل العالم إلى كتل متنافسة تجعل الاحتفاظ بالثروة فى عملة واحدة مخاطرة كبيرة.
وسط كل هذه الخطوط المتقاطعة، تُحاول التقارير الرسمية أن تظل واقعية؛ فالبنك الدولى ما زال يتوقع تراجعًا عامًا فى أسعار السلع خلال 2025 و2026، مع ارتفاع متواضع فقط فى أسعار المعادن الثمينة بنحو 5% إضافية بعد صعود قوى فى 2025،  هكذا نجد أنفسنا أمام تباين واضح بين رؤية «العالم الرسمي» الذى يعوّل على عودة الاستقرار، ورؤية «العالم الحذر» الذى يستعد لانزلاقات محتملة فى السياسة والاقتصاد والجغرافيا السياسية.
ماذا يعنى كل ذلك لعام 2026 وما بعده؟ يمكن تخيل ثلاثة مسارات كبرى على الأقل، من دون الحاجة إلى يقين مطلق، المسار الأول أن يتحقق سيناريو المؤسسات الدولية بالكامل: تهدأ معدلات التضخم إلى مستويات قريبة مستهدفاتها وتنجح البنوك المركزية فى إدارة القمع المالى الناعم، فتبدأ أسعار الذهب والفضة فى فقدان جزء من الزخم، إما بالاستقرار الجانبى لفترة طويلة أو بتصحيح هابط تدريجى يعيد تسعير المعادن وفق أساسيات أكثر هدوءا، وفق هذا السيناريو يصبح عام 2025، أشبه بذروة دورة خوف عالمية التقط فيها الذهب والفضة أقصى درجات التوتر، قبل أن يتراجع المؤشر النفسى ببطء.
المسار الثانى أن يدخل العالم فى حقبة «تضخّم ضعيف، لكن قلق قوي»، حيث تبقى الأرقام الرسمية للتضخم تحت السيطرة نسبيًا، لكن العالم يواجه صدمات متلاحقة: توترات جيوسياسية، اضطرابات فى سلاسل الإمداد، موجات من الرسوم الجمركية المتبادلة، وربما أزمات سيادية فى بعض الاقتصادات ذات المديونية المرتفعة، فى هذه الحالة قد يستمر الذهب والفضة فى الارتفاع أو التماسك عند مستويات تاريخية، لا لأن التضخم منفلت، بل لأن الشعور بعدم اليقين أصبح السردية الحاكمة، وهنا تتحقق بالفعل عبارة «فولتير»، لكن بمعنى أكثر تعقيدًا: المشكلة ليست فى النقود الورقية وحدها، بل فى النظام المالى العالمى الذى يقف خلفها.
أما المسار الثالث - والأقل ترجيحًا حاليًا لكنه لا يمكن استبعاده - فهو أن تؤدى موجة التيسير النقدى المتوقعة وخفض أسعار الفائدة (تحت ضغط تباطؤ معدلات النمو)، إلى إشعال موجة تضخّم جديدة بعد عام 2026، إذا ما ترافقت مع صدمات عرض جديدة أو انفلات فى الإنفاق المالي، فى هذه الحالة لن يكون الذهب والفضة فقط “تحوّطًا مبكرًا” ضد تضخم ضعيف، بل بداية دورة أطول ضد تضخم أعلى مما تتوقعه النماذج الحالية، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان ما شهدته السبعينيات حين تحوّل الارتفاع المؤقت فى الأسعار إلى عقد كامل من الاضطراب.
بين هذه المسارات الثلاثة، ربما تكون الحقيقة الأقرب هى أن صعود الذهب والفضة اليوم يعبّر عن شيء أعمق من سؤال: «هل التضخم ضعيف أم قوي؟»، إنه استفتاء يومى على مقدار ثقة العالم فى وعود الاستقرار، وفى قدرة النظام المالى العالمى على عبور السنوات المقبلة دون صدمة كبرى، ولذلك، فإن السؤال الأهم ربما لا يكون: “كم سيصل سعر الذهب فى عام 2026؟”، بل: “كم بقى من رصيد الثقة فى الأوراق النقدية التى نكتب عليها أرقام تلك الأسعار؟”.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام