نحن والعالم



ميثاق الأمم المتحدة يحظر الاعتراف بالأقاليم الانفصالية.. 3 سيناريوهات تنتظر «أرض الصومال»

2-1-2026 | 00:32
⢴ د. أيمن سمير

الانفتاح العربى على الإقليم وتشجيع الحوار مع جمهورية الصومال خطوات لإجهاض المخطط الإسرائيلى
 
 
“قفزة فى الهواء”، هذا هو التوصيف الدقيق للخطوة الإسرائيلية بالاعتراف رسمياً بجمهورية أرض الصومال، ليس فقط لرد الفعل الرافض لها من كل دول العالم، بما فيها تردد الموقف الأمريكى، بل لأنها خطوة غير قانونية، وتمس الأسس التى قامت عليها الأمم المتحدة، التى تحظر الاعتراف رسمياً بالأقاليم الانفصالية، وتدعو فى المادة الثانية لميثاق الأمم المتحدة، للحفاظ على وحدة وسلامة أراضى الدولة الوطنية. 
 
برغم بزوغ الرغبات الانفصالية لأقاليم أرض الصومال، من عام 1960 باعتباره كان واقعاً تحت الاحتلال الإنجليزي، خلافاً لباقى الصومال الذى كان واقعاً تحت الاحتلال الإيطالى، فإنه قبل طواعية أن يكون ضمن جمهورية الصومال الفيدرالية منذ عام 1960، وتمتع بحكم ذاتى فى إطار الدولة الصومالية، التى انهارت مع سقوط نظام الرئيس سياد برى عام 1991.
وعلى مدار نحو 35 عاما، حاول الإقليم الانفصالى الحصول على اعتراف دولى، لكنه فشل فشلاً كاملاً، وحتى عندما حاول أن يحصل على دعم واعتراف إثيوبيا فى يناير الماضى، مقابل الاعتراف به، نجحت التحركات المصرية والعربية والإفريقية فى إفشال هذا المخطط، ولهذا يحاول إقليم صوماليلاند، الحصول على الاعتراف الدولى من “ البوابة الإسرائيلية “، فالموساد الإسرائيلى يعمل منذ سنوات طويلة على أرض الصومال، وهناك تعاون قائم بالفعل بين أرض الصومال وإسرائيل، وهدف إسرائيل من تلك الخطوة ليس فقط الحصول على موطئ قدم، عند مدخل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بل تقسيم وتقزيم دول المنطقة حتى تصبح إسرائيل هى «النموذج» فى الشرق الأوسط وإفريقيا، ولهذا تدور الدعاية الإسرائيلية حول وصف صوماليا لاند، باعتبارها «إسرائيل إفريقيا» التى تحظى باستقرار ونظام حكم يسوق له بأنه أفضل من جيرانها فى القرن الإفريقي.
لكن كل أهداف إسرائيل من هذا الاعتراف سوف تفشل، لعدد من الأسباب وهى: 
أولاً: الرفض الداخلى
برغم وجود تأييد للخطوة الإسرائيلية من بعض الفئات فى أرض الصومال التى تتكون من نحو 175 كلم يعيش عليها نحو 5 ملايين نسمة، فإن كل التقارير الدولية المحايدة قالت، إن غالبية الشعب فى صوماليا لاند يرفض التطبيع والعلاقات مع إسرائيل برغم الوعود الإسرائيلية بمنح حكومة أرض الصومال مساعدات، تتعلق بالتكنولوجيا والصحة والزراعة وإعادة استغلال المياه العذبة، وفى حال إجراء أى استفتاء على إقامة علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، فإن الغالبية العظمى من الشعب فى صوماليلاند سوف ترفض هذه العلاقة مع إسرائيل، وخير شاهد على هذا الأمر المظاهرات الحاشدة التى اندلعت فى أرض الصومال، دعماً للشعب الفلسطينى ورفضاً للعلاقة مع إسرائيل. 
ثانياً: الرفض الكامل  
لم يأت الرفض فقط من الداخل بل من جمهورية الصومال، وسرعة انعقاد جلسة خاصة لهذا الأمر فى مجلس الأمن، ورفض كل المؤسسات الإقليمية والدولية لهذه الخطوة، ومنها رفض الجامعة العربية والاتحاد الإفريقى ومنظمة «الإيجاد»، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ناهيك عن «حائط الصد» المصرى القوى الرافض لتقسيم وتفتيت الصومال، كل ذلك سوف يؤدى لفشل القرار الإسرائيلى،  واللافت للنظر هنا أن دول الإتحاد الأوربى الـ27 رفضت الخطوة الإسرائيلية، ونظراً لأن انفصال صوماليلاند عن دولة الصومال، يمكن أن يتكرر فى دول أخرى حال التسامح أو التماهى معه فإن مختلف دول القارة الإفريقية، خصوصا فى شرق إفريقيا، مثل تنزانيا وأوغندا والسودان وجيبوتى ترفض بشكل كامل انسلاخ إقليم أرض الصومال عن الصومال. 
ثالثاً: التردد الأمريكى
شكل عدم الدعم الأمريكى الفورى للقرار الإسرائيلى مع صوماليلاند مؤشرا على التردد الأمريكى، برغم أن هناك شخصيات وأعضاء فى مجلس الشيوخ، مثل تيد كروز يدعمون انفصال أرض الصومال عن جمهورية الصومال، لكن لا يزال الرئيس ترامب ووزير خارجيته مارك روبيو مترددين فى السير وراء إسرائيل فى هذه الخطوة، خصوصاً فى ظل إستراتيجية الأمن القومى الأمريكية التى أعلنها ترامب فى 4 ديسمبر 2025 ووضعت كل إفريقيا فى ذيل الاهتمامات الأمريكية بعد أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وأوروبا والشرق الأوسط ، وهذا التردد الأمريكى سوف يضعف أى زخم أو قوة فى القرار الإسرائيلى تجاه أرض الصومال. 
رابعاً: فشل التهجير
إذ كانت مصر نجحت فى إفشال مخطط تهجير سكان قطاع غزة على مدار العامين الماضيين خلال ذروة الحرب، فكيف لمثل هذه الخطوة الإسرائيلية أن تنجح فى تهجير الفلسطينيين، المؤكد أن إسرائيل سوف تفشل فى تهجير الفلسطينيين الى أرض الصومال، كما فشلت من قبل فى تهجيرهم إلى مناطق بعيدة فى جنوب شرق آسيا أو منطقة البلقان، ولا يمكن للشعب الفلسطينى أن يترك غزة ويذهب إلى أرض الصومال، وعندما طرح الأمر على بعض سكان غزة من وسائل الإعلام كان الرد ساخراً وواضحاً، بأنه من المستحيل لفلسطينى واحد أن يترك غزة من أجل جمهورية أرض الصومال المزعومة.
خامساً: التهديدات
تنطوى الخطوة الإسرائيلية مع صوماليلاند على مخاطر على الأمن القومى العربى والإفريقي، وعلى الدولة الوطنية العربية وفى القرن الإفريقي، لكن على الجانب الآخر، سوف تجلب هذه الخطوة تهديدات وعدم استقرار لإقليم صوماليلاند، الذى يتمتع بالحكم الذاتى والاستقرار الأمنى النسبي، لكن الإصرار على الخطوة الإسرائيلية، سوف يخلق نزاعات داخلية فى الإقليم، ويتعرض لهجمات من الحوثيين، وربما من بعض الجماعات الإرهابية الأخرى الموجودة فى باقى أقاليم الصومال، وهو ما يجعل مثل هذا الاعتراف الإسرائيلى وبالاً وتحديا جديدا لحكومة وإقليم أرض الصومال، وفى حال توحد الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر، فلن يختلف مصير القرار الإسرائيلى عن مصير القرار الإثيوبى مع أرض الصومال، وهو الفشل الذريع.
 
روشتة للحل
كان بيان جامعة الدول العربية حول هذه القضية قوياً وواضحاً فى رفضه الكامل للقرار الإسرائيلي، وحشد الرأى العام العربى والإفريقى والدولى ضد الخطوة، لكن فى تقديرى البيان كان خالياً من بعض العناصر والمحفزات، التى تستطيع الدول العربية والإفريقية القيام بها وهى: 
1 - جسر الحوار
باعتبار أرض الصومال جزءا أصيلا من دولة عربية، يمكن للدول العربية أن تكون حلقة وصل، وجسر للحوار بين جمهورية الصومال وصوماليالاند لحل كل الخلافات بينهما، حتى لا يكون أرض الصومال فى حاجة للبحث عن مصالح خارج الدول الصومالية سواء مع إثيوبيا أم إسرائيل، لكن التوقف فقط عند إدانة سلوك إقليم صوماليلاند، قد يدفعه بالكامل إلى الأحضان الإسرائيلية والإثيوبية، خصوصاً أن الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الاحمر تستطيع أن تقدم الكثير لإقليم أرض الصومال. 
2 - زيارة للوزراء العرب
يمكن لوزراء الخارجية العرب عقد “جلسة استثنائية”، فى أرض الصومال لدعم التوجهات الوحدوية للإقليم، على أن تكون هناك وعود واضحة بدعم الإقليم فى الفترة المقبلة، لتحقيق مزيد من الاندماج مع الدولة الصومالية، ويمكن للدول العربية أن تقدم لإقليم أرض الصومال أكثر بكثير مما تقدمه إسرائيل. 
3 - انفتاح عربى
تبحث الكثير من الدول العربية والإسلامية عن فرص استثمارية، ويمكن أن يكون الانفتاح العربى والإسلامى على أرض الصومال، عبر الاستثمارات والمطارات والموانئ حائط صد أمام الأفكار الانفصالية. 
 
3 سيناريوهات
فى ظل الواقع على الأرض، والتفاعلات السياسية والعسكرية التى يمر بها الإقليم العربى، والشرق الأوسط، ومنطقة القرن الإفريقى يمكن رسم 3 سيناريوهات رئيسية وهى:
أولاً: السيناريو الإثيوبى
وهو فشل خطة إسرائيل للاعتراف بإقليم أرض الصومال على غرار فشل إثيوبيا فى الاعتراف بصوماليالاند فى يناير الماضى.
ثانياً: إسرائيل وحسب
ويقوم على عدم توسع دائرة الاعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند، وهوما يعنى أن الخطوة الإسرائيلية، لن تجد لها أى صدى فى العواصم الأخرى سواء فى إفريقيا أم فى العالم. 
الثالث: صراع إقليمى
وهو أن يتحول الصراع حول أرض الصومال، إلى صراع إقليمى فى حال اندلاع صراع بين أرض الصومال وجمهورية الصومال، وحدوث اصطفاف إقليمى ودولى لطرفى الصراع.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام