نحن والعالم



150 عاما من الوعى.. وذاكرة أمة كتبت بالحبر والضمير.. «الأهرام» رحلة وطن تنبض على الورق

2-1-2026 | 01:52
⢴ أحمد إسماعيل

تصوير   ــ   ياسر الغول   ــ  محمد ماهر   ــ   أحمد رفعت
 
الشوربجى: الأهرام قاطرة الصحافة.. وأداة من أدوات القوة الناعمة المصرية
فايز فرحات: لم نصنع خبرا فقط.. بل صنعنا فكرا ووعيا وذاكرة وطن
جمال الكشكى:  ستظل الأهرام بيت للفكر والثقافة والتنوير
د. خالد عبد الغفار: الأهرام ذاكرة الأمة الحية ومرآة تاريخ مصر الحديث
د. عوض تاج الدين: أبدأ يومى بالأهرام.. وهى الهرم الرابع لمصر
أسامة سرايا: الأهرام مدرسة الرصانة التى صنعت أجيالا عديدة
أمينة شفيق: بيتى الثانى وشغفى الذى لا ينتهى
 
لم تكن «الأهرام»، يوما مجرد صحيفة تقرأ ثم تطوى، بل كانت - منذ عددها الأول فى أغسطس 1876 ـ فعلا وحضورا فى قلب الزمن، ووعيا يواكب الوطن وهو يتشكل، وينكسر، ويقوم من جديد، مائة وخمسون عاما مرت، لم تكن فيها شاهدة صامتة على التاريخ، بل شريكة فى صناعته، تكتب اللحظة وهى ساخنة، ثم تحفظها للأجيال وهى ناضجة، من بين سطورها خرجت الأفكار، وعلى صفحاتها تشكل الوعى، وفى أرشيفها استقرت ذاكرة أمة كاملة.
فى ليلة بدت فيها القاهرة أكثر انتباها لذاتها، احتفلت مؤسسة «الأهرام» بمرور قرن ونصف القرن على انطلاقها، لا باعتبارها صحيفة عتيقة نجت من الزمن، بل باعتبارها كيانا حيا لا يزال قادرا على التجدد، احتفال لم يكن استدعاء للماضى، بقدر ما كان تأكيدا على استمرارية الرسالة، وعلى أن الصحافة حين تمارس بوصفها مسئولية وطنية، تصبح جزءا من الضمير العام، وركنا من أركان الدولة الحديثة.
ولم تكن ليلة عادية، ولا احتفالا تقليديا يؤدى ثم يطوى، كانت ليلة تشبه الأهرام نفسها مهيبة، هادئة، عميقة، وممتدة فى الزمن، فى قلب القاهرة، حيث لا تنام الحكايات، احتفلت مؤسسة «الأهرام»، بمرور مائة وخمسين عاما على صدور عددها الأول، وكأنها تحتفل بعيد ميلاد وطن كتب على ورق، وسار مع الناس جيلا بعد جيل.
 
 
فى قاعة «نجيب محفوظ»، التى تحمل اسم أديب نوبل وضمير السرد المصرى، التقى الماضى بالحاضر، جدران القاعة بدت وكأنها تحفظ الهمس القديم لمقالات كتبت فى لحظات فارقة، فيما امتلأت المقاعد بوجوه تمثل كل أطياف الوطن: دولة وثقافة وفنا وصحافة وفكرا، لم يكن الحضور مجرد ضيوف، بل شهود على ذاكرة حية، شاركوا «الأهرام»، بعضا من عمرها الطويل.
منذ اللحظات الأولى لوصول المدعوين إلى مبنى «الأهرام»، العريق بوسط البلد، كان الشعور العام أن المكان لا يستضيف احتفالا، بل يستعيد ذاته، هذا المبنى، الذى لا ينام، ظل على مدار عقود شاهدا على تغير الحكومات، وتعاقب العصور، وتقلب المزاج العام، لكنه ظل ثابتا كعنوان للرصانة، ومرجعا لما يكتب ويؤرخ.
كان فى مقدمة الحضور المهندس عبد الصادق الشوربجى، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وكان فى استقباله الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. أقيم الاحتفال برعاية الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، وشارك فيه الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الصحة والسكان، ليس بصفته الوزارية فقط، بل كقارئ وشاهد على دور «الأهرام» التنويرى فى مجال الصحة العامة، وحضره الدكتور عوض تاج الدين، مستشار الرئيس للصحة والوقاية، رمزا للنضال الطبى الذى رصدته الأهرام بكل تفاصيله، والدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، حاملا فى ذاكرته صفحات من الأرشيف الدبلوماسى الغنى، الذى سجلته الأهرام على مدى عقود، كما حضر الدكتور أشرف صبحى، وزير الشباب والرياضة، وشريف فاروق، وزير التموين، وأحمد كجوك، وزير المالية، والمهندس محمد شيمى، وزير قطاع الأعمال العام، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، والكاتب الصحفى أحمد المسلمانى، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وأحمد غنيم، الرئيس التنفيذى لهيئة المتحف المصرى الكبير، بالإضافة إلى عدد كبير من رؤساء تحرير إصدارات الأهرام.
بدأ هذا الحفل المهيب، بعرض فيلم تسجيلى بصوت الفنان خالد النبوى، أعاد سرد حكاية «الأهرام»، باعتبارها ديوان الهوية وديوان الحياة، لم يكن الفيلم استعراضا تاريخيا، بقدر ما كان تأملا فى فكرة الصحافة نفسها: كيف تتحول الجريدة إلى شاهد، ثم إلى شريك، ثم إلى ذاكرة لا تمحى.
وفى كلمته، عبر المهندس عبد الصادق الشوربجى، عن فخره بما تمثله «الأهرام» للصحافة المصرية، معتبرا إياها قاطرة المهنة، وأحد أبرز أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية، التى تجاوز تأثيرها الحدود المحلية إلى الفضاء العربى والدولى، وأكد أن الاحتفال ليس استدعاء للماضى، بقدر ما هو إعلان ثقة فى المستقبل، خصوصا فى ظل التحولات الرقمية والمعلوماتية.
وبلغة الوفاء والاستمرار، تحدث الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس الإدارة، شاكرا دعم الدولة المصرية، وعلى رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسى، مؤكدا أن «الأهرام» لم تكن يوما مجرد مؤسسة نشر، بل صانعة فكر، وحافظة لذاكرة الأمة، وأشار إلى أن مسيرة التطوير مستمرة، سواء فى التحول الرقمى أم فى التوسع التعليمى عبر جامعة الأهرام الكندية، مؤكدا أن الاستدامة ليست شعارا بل ممارسة يومية.
وأكد فرحات أن «الأهرام»، نجحت عبر تاريخها فى بناء شبكة واسعة من الشراكات مع مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادى، وإن قوتها الحقيقية كانت دائما فى انحيازها للمصلحة الوطنية، وقدرتها على التكيف مع التحديات، دون التفريط فى ثوابتها المهنية.
ونيابة عن رئيس مجلس الوزراء، ألقى الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الصحة والسكان، كلمة وصف فيها «الأهرام»، بأنها ذاكرة الأمة الحية، ومرآة صادقة لتاريخ مصر الحديث، وأشار إلى أن عراقتها لم تعق تطورها، بل جعلتها أكثر قدرة على التعامل مع العصر الرقمى، والوصول إلى الشباب، ومواجهة الشائعات بمحتوى موثوق.
وتوالت كلمات الحضور، وكلها التقت عند معنى واحد: أن «الأهرام» لم تكن يوما صحيفة عابرة، حيث تحدث الكاتب الصحفى جمال الكشكى، رئيس تحرير مجلة الأهرام العربى، عن مؤسسة الأهرام بتاريخها الممتد من قرن ونصف القرن، قائلا: نحتفل اليوم بمؤسسة كانت ومازالت أحد أعمدة الوعى الوطنى فى مصر، فمؤسسة الأهرام، لعبت دورا محوريا فى تاريخ الوطن، وكانت رقما صعبا ومؤثرا فى صياغة القرار السياسى، عبر مراحل متعددة، كانت الأهرام قبلة إعلامية كبرى، ووجهة يحرص القادة والزعماء على الظهور من خلالها، لما لها من مكانة وتأثير واحترام، وستظل الأهرام بيت للفكر والثقافة والتنوير، ومدرسة خرجت أجيالا من الرموز الصحفية التى خدمت مصر بإخلاص.
كما استعاد الكاتب الصحفى أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، ذكرياته مع المؤسسة، مؤكدا أن من يعمل فى «الأهرام» يصعب عليه الانفصال عنها، وأنها ستظل قاطرة الصحافة المصرية مهما تغيرت الظروف، وقد أكدت الكاتبة الصحفية سيلفيا النقادى، رئيسة تحرير مجلة البيت السابقة، أن «الأهرام» مدرسة المبادئ والرصانة، ولم تخل الليلة من لحظات إنسانية خالصة، حيث تحدثت الكاتبة الصحفية القديرة، أمينة شفيق عن «الأهرام» باعتبارها بيتها الثانى، ومصدر شغفها، كما شارك  أعضاء مجلس الإدارة والجمعية العمومية ونقابة العاملين.
قبل بدء الكلمات، لم يكن التمهيد بروتوكوليا، بل إنسانيا، جولة داخل متحف الفنون التابع للمؤسسة، حيث تحولت المناسبة من ذكرى إلى مشهد حى، لوحات نادرة، ورسومات أصلية لعمالقة رسامى «الأهرام»، الذين لم يكتفوا يوما بتزيين النص، بل شاركوا فى صناعته، كل لوحة كانت تحكى زمنها، وكل خط يحمل بصمة عصر.
لكن المشهد الذى أوقف الجميع فى صمت مهيب، كان صندوقا زجاجيا صغيرا، يحفظ داخله كنزا لا يقدر بثمن: النسخة الأصلية الأولى من جريدة «الأهرام»، الصادرة فى 5 أغسطس 1876، ورق أصفر، وحروف ثابتة، لكنها ما زالت تنبض، أمام هذه الصفحة، بدا وكأن مائة وخمسين عاما تختصر نفسها فى لحظة واحدة.
 
«الأهرام 150 سنة.. رحلة تنوير وذاكرة أمة»
وقبل بدء الاحتفال قام المهندس عبد الصادق الشوربجى، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، والدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، والكاتب الصحفى ماجد منير، رئيس تحرير جريدة الأهرام، بإطلاق شعار الاحتفال تحت عنوان «الأهرام 150 سنة.. رحلة تنوير وذاكرة أمة»، شعار لم يكن جملة إنشائية، بل توصيف دقيق لمسيرة مؤسسة لم تكتف بأن تنقل الخبر، بل صنعت المعنى، وشاركت فى تشكيل الوعى، فقد وصفها الدكتور عوض تاج الدين– مستشار الرئيس للصحة والوقاية - بأنها موسوعة ثقافية يبدأ بها يومه، واعتبرها «الهرم الرابع»، إلى جوار أهرامات مصر، كما أكد المهندس محمد شيمى، وزير قطاع الأعمال، أنها ضمير الوطن وشاهد أمين على تاريخه.
أما الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، فاعتبر «الأهرام» منبرا للفكر، أسهم فى تشكيل الوعى العام، وكانت دائما حريصة على احترام عقل القارئ، ودعم الهوية الوطنية.
وكان مسك الختام لهذه الكلمات، كلمة الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذى لهيئة المتحف المصرى الكبير، وصف فيها «الأهرام»، بأنها صانعة للهوية، وبيت الكبار، ومنبر الفكر الوطنى، مستحضرا وصف طه حسين لها، ومؤكدا دورها كشريك أساسى فى معارك الثقافة والوعى.
وفى نهاية الحفل، لم يكن الشعور الغالب هو الاحتفال بالماضى، بل الاطمئنان إلى المستقبل، فبين وجوه الشباب الحاضرين، وأصوات الخبرة، وتاريخ لا ينقطع، بدت «الأهرام» كعادتها: كبيرة، هادئة، واثقة، لا ترفع صوتها، لكنها تسمع.
150 عاما مرت، ولم تنته الحكاية.. فالأهرام لا تكتب تاريخها بصيغة الماضى، بل بصيغة الاستمرار.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام