رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
عمر الحامدى.. سيرة رجل لم يتقاعد من الحلم (1 من 3)
3-1-2026
|
22:46
إلهامى المليجى
لم ألتقِ عمر الحامدى بوصفه سفيرًا، ولا استوقفنى عند انتباهى الأول فى مطلع الثمانينيات، بصفته ممثل دولة أو نظام. ما شدّنى منذ اللحظة الأولى، هو ذلك التكوين النادر لرجلٍ يسكن الفكرة أكثر مما يسكن المنصب، ويعبر السياسة من دون أن يسمح لها أن تعبره. رجل يعرف دهاليز السلطة، لكنه لا يسمح لها أن تطفئ فى داخله جذوة الحلم.
إلهامى المليجى عمر الحامدى لم يهبط إلى السياسة من أعلى، بل صعد إليها من طبقات بعيدة فى الجغرافيا والتاريخ. وُلد فى غرب ليبيا، فى منطقة الحوامد الممتدة على تخوم الحدود، فى بيئة خبرت معنى التهميش والمقاومة معًا، وتأخّر عنها التعليم طويلًا قبل أن يصلها، وحين وصل، كان عمر من أوائل من دخلوه، كأن المعرفة عنده لم تكن حقًا فقط، بل فعل خروج من الهامش إلى المعنى.
من هناك بدأ مسارا لا يشبه المسارات الجاهزة: من التدريس إلى القانون، ومن القانون إلى الصحافة، ثم إلى الثقافة، قبل أن ينتهى به المطاف إلى الدبلوماسية، لم يكن هذا تنقّل مهنى، بل بحثًا متصلًا عن موقع للفكرة داخل العالم، وعن لغة يمكن أن تُقال بها الحقيقة من دون أن تُبتذل.
فى هذا السياق يمكن فهم موقعه لاحقًا: أحد مؤسسى مؤتمر الشعب العربى فى لحظة انكسار الإجماع، ثم أمينًا عامًا للمجلس القومى للثقافة العربية، وحارسًا لفكرة القومية خارج منطق الدولة الرسمية، وحين جاءت العاصفة التى يسميها هو بإصرار “عدوان الناتو”، لم يتعامل مع القاهرة، كمحطة لجوء، ولا كمكان نجاة مؤقتة، بل كخيارٍ واعٍ ومقصود، انطلاقًا من إدراكه لمكانة القاهرة، بوصفها عاصمةَ الإقليم القاعدة، والمجالَ الأوسع الممكن لارتكاز مشروعٍ قوميٍّ لم يغادره يومًا، ولا يزال يعمل عليه.
لكن كل هذه الطبقات لم تتكشّف لى دفعة واحدة، لم أعرف عمر الحامدى عبر سيرته، بل عبر لحظة بعينها، فى زمن بعينه، حين خرج الرجل من إطار التعريف إلى مجال المعايشة، ومن الصورة الذهنية إلى الحضور الحي.
كان ذلك فى عام 1980، زمن عربى مضطرب، تتكاثر فيه الهزائم أكثر مما تتكاثر الأسئلة، وتبدأ فيه القومية العربية رحلتها القاسية من خطاب السلطة إلى رهان الشعوب. فى ذلك الزمن بدا عمر الحامدى - لمن يراه من بعيد - واقفًا عند التخوم: قريبًا بما يكفى ليؤثر، وبعيدًا بما يكفى ليبقى حرًّا، داخل التاريخ من دون أن يأسره، وفى السياسة من دون أن تبتلعه.
لاحقًا فقط ستتشابك المسارات، ويتحوّل الانتباه إلى معرفة، والمعرفة إلى علاقة، لا كمواعيد عابرة، بل كمشاهد متتابعة من سيرة رجل، لم يتعامل مع القومية كذكرى جميلة، بل كواجب يومى ثقيل ومضيء فى آن.
هذه ليست سيرة سياسية بالمعنى التقليدى، ولا شهادة حنين إلى زمن مضى، إنها محاولة للإمساك برجل ظل وفيًّا لفكرته، حتى حين تغيّر العالم من حولها، ولم يطلب من الزمن أن يعود، بل أصرّ أن يواصل السير، مهما كان الطريق أكثر وعورة.
من هنا نبدأ....
ومن هذه النقطة، نفتح الباب على المشاهد.
المشهد الأول: بيروت 1980… حين كان
عبد الناصر حاضرًا بغيابه
كان اللقاء الأول فى بيروت عام 1980؛ المدينة التى، برغم جراحها المفتوحة، ظلّت قادرة على أن تجمع العرب حول فكرة، هناك انعقد مؤتمر الشعب العربى، الذى شارك عمر الحامدى فى تأسيسه وكان من أبرز قادته، وتولى أمانته العامة فى مراحله الأولى، تحت عنوان بالغ الدلالة: “عشر سنوات بعد عبد الناصر”.
لم يكن المؤتمر وليد مصادفة زمنية، ولا مبادرة ثقافية معزولة، كان قد تأسس فى 5 ديسمبر 1977، فى لحظة انقسام عربى حاد. وضمّ ممثلين عن قوى قومية ووطنية عربية، ونقابات، وشخصيات فكرية وسياسية، رأت فى زيارة القدس كسرًا لإجماع تاريخى، وتفكيكًا لمعنى الصراع قبل أن يكون حلًا له.
لم يكن عنوان المؤتمر تأريخًا لغياب زعيم فحسب، بل محاولة جادة لقراءة أثر الفراغ: ماذا فعل عقد كامل بلا عبد الناصر بمصر؟ وماذا فعل بالأمة التى كانت ترى فيه اختصارًا لحلمها الكبير؟
أذكر من بين الحضور المصريين الأساتذة : ميشيل كامل، محمود أمين العالم، عبد الرحمن الخميسى، فهمى حسين، مصطفى الحسينى، أديب ديمترى، جمال الشرقاوى، إلى جانب أسماء عربية أخرى حضرت بثقلها وأسئلتها المفتوحة.
وسط هذا الحشد، لفتنى عمر الحامدى - لا بمنصبه، بل بسلوكه، شديد التواضع إلى حد يربك الصورة النمطية عن «الأمين العام»، يتحرك بلا كلل، يتابع التفاصيل، يسأل، يستمع، ثم يعود إلى منصة الندوات، وكأنه يستعيد طاقته من الفكرة ذاتها.
لم يكن يدير الجلسات بصفته رئيسًا، وإنما بصفته صاحب قضية، كان يقود النقاش ليبقى فى عمقه الحقيقي: عبد الناصر لم يُغِبه الموت بقدر ما غيّبته السياسات التى تلت، وغيابه لم يكن حدثًا عاطفيًا، بل زلزالًا بنيويًا أصاب مصر والأمة معًا.
فى تلك الأيام، أدركت أننى أمام رجل لا يتعامل مع القومية كخطاب احتفالى، بل كمشروع قلق، مفتوح على الأسئلة، ومشدود إلى المستقبل.
من بيروت… إلى ما بعدها
هكذا خرجت من لقاء بيروت لا أحمل انطباعًا عن مؤتمر ناجح فقط، بل إحساس بأن التعارف مع عمر الحامدى لن يبقى فى حدود تلك القاعة.
الخاتمة
تواصلت علاقتنا بعد ذلك، وانتقل المشهد إلى طرابلس، ثم إلى القاهرة، حيث سيظهر وجه آخر للحامدى: المنفى الذى لم يتصالح مع الهزيمة، ولم يفكّر يومًا فى التقاعد من الحلم.
وهكذا ينتهى هذا الفصل - لا كنهاية، بل كبداية لمسار أطول.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
عمر الحامدى.. بقايا الضوء فى زمن الانطفاء (3-3)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام