نحن والعالم



حرب السودان.. الواقع والسيناريوهات

4-1-2026 | 20:30
⢴ ساجدة السيد

مصر تعاملت مع الأزمة السودانية باعتبارها امتدادا للأمن القومى المصرى

منذ اندلاع الحرب فى السودان فى إبريل 2023 بين القوات المسلحة، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتى)، دخلت الدولة السودانية مرحلة من الاضطراب السياسى والأمنى ألقت بظلالها على عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وفى مقدمتها أزمة سد النهضة وأمن البحر الأحمر، هذا التطور لم يقتصر أثره على الداخل السودانى فحسب، بل فرض تحديات مباشرة على منظومة الأمن المائى والأمن البحرى فى شرق إفريقيا، فى ظل موقع السودان المحورى بين حوض النيل والبحر الأحمر.

فى مواجهة هذه التداعيات، برز الدور المصرى، باعتباره أحد أهم عوامل الاحتواء والاستقرار فى الإقليم، انطلاقًا من إدراك القاهرة لخطورة تحول الصراع السودانى إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي. فقد تعاملت مصر مع الأزمة السودانية باعتبارها امتدادًا لأمنها القومى، وليس مجرد نزاع داخلى لدولة مجاورة، وهو ما انعكس فى تحركات دبلوماسية وسياسية، هدفت إلى منع تفاقم تداعيات الحرب على ملفات المياه وأمن الملاحة الدولية.

وعلى صعيد أزمة سد النهضة، حافظت مصر على زخم الحضور الدبلوماسى والفنى فى المحافل الإقليمية والدولية، بما ساهم فى إبقاء القضية حاضرة على جدول الاهتمام الدولى، فى وقت تراجعت فيه قدرة السودان على القيام بدوره التفاوضى، نتيجة انشغاله بالصراع الداخلي. كما عملت القاهرة على تنسيق المواقف مع الخرطوم كلما أمكن، لتفادى حدوث فراغ كامل فى معادلة التفاوض، وللحد من تأثير التحركات الأحادية التى قد تُغيّر قواعد إدارة مياه النيل الأزرق.

أما فى ملف البحر الأحمر، فقد اضطلعت مصر بدور محورى فى دعم استقرار الممر الملاحى، سواء عبر تعزيز التنسيق الأمنى مع الدول المشاطئة، أم من خلال الانخراط فى ترتيبات إقليمية ودولية، تهدف إلى حماية الملاحة التجارية وخطوط إمداد الطاقة. ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة فى ظل امتلاك السودان لساحل طويل وموانئ إستراتيجية تأثرت بشكل مباشر بالحرب، ما جعل من الدور المصرى عنصر توازن يمنع انتقال الاضطراب من الداخل السودانى إلى قلب أحد أهم الممرات البحرية فى العالم. 
> أزمات مؤسسات الدولة السودانية، كمدخل لتعاظم التحركات الأحادية الإثيوبية: قبل اندلاع الحرب، كان السودان يُعد طرفًا أساسيًا فى مفاوضات سد النهضة، نظرًا لموقعه على النيل الأزرق وارتباطه المباشر بسدوده الحيوية، مثل الروصيرص وسنار ومروي.

> تعطُل السدود السودانية وتأثيرها على إدارة النيل: شهدت السدود السودانية الرئيسية -مروى، الروصيرص، وسنار- اضطرابًا متزايدًا فى عملها نتيجة الهجمات المتكررة، وتراجع الصيانة، ونقص الكوادر الفنية المتخصصة، هذه السدود تمثل خط الدفاع الأساسى للسودان، لمواجهة أى اختلال محتمل فى تدفقات المياه القادمة من إثيوبيا، ومع تعطلها يصبح السودان أكثر هشاشة أمام الخطوات الأحادية التى قد تتخذها أديس أبابا، سواء فيما يتعلق بعمليات الملء أم تشغيل التوربينات، ما يزيد من ضغوط إدارة ملف النيل، ويحد من قدرة الخرطوم على حماية مصالحها المائية والإستراتيجية.

> حدوث فراغ أمنى فى البحر الأحمر يهدد الاستقرار والملاحة الدولية: حذّر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من أن الحرب فى السودان تهدد استقرار البحر الأحمر شرقًا، وهو تحذير يعكس واقعًا عمليًا أكثر من كونه سياسيًا، خصوصا أن السودان يمتلك ساحلًا بطول 720 كم يشمل نقاطًا إستراتيجية، مثل ميناء بورتسودان الشريان الاقتصادى الوحيد المتبقى للدولة، وميناء سواكن القديم المرشح سابقًا لامتيازات تركية. وقد أدّى الصراع الداخلى إلى تفكك الرقابة الحدودية وتراجع مراقبة الشحن، مع اتساع عمليات تهريب البشر والأسلحة، وتزايد نفوذ شبكات إقليمية تستغل الوضع عبر الساحل، ما يضاعف المخاطر على أمن الملاحة والإقليم بأسره.

> تأثير الحرب على الموانئ السودانية وممر التجارة العالمى: أصبح ميناء بورتسودان، الذى يضم مقر الحكومة السودانية المؤقت، نقطة اختناق اقتصادية حادة بسبب الحرب، إذ تأثرت عمليات الشحن نتيجة تراجع العمالة، وأصبح تأمين الميناء أكثر صعوبة، فيما تعطلت حركة التجارة من وإلى إثيوبيا ودول الساحل، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع فى المنطقة وحركة ناقلات النفط، وزاد من تعقيد تحالفات الأمن البحرى الإقليمى والدولى، ليبرز الميناء كمحور حيوى، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والإستراتيجية، مع تداعيات النزاع الداخلي.

> تفاقُم المخاطر البيئية واللوجستية: إضافة إلى الفراغ الأمنى الناتج عن الحرب، تبرز تهديدات جديدة، تتعلق بالقدرة السودانية على إدارة المخاطر البيئية واللوجستية فى البحر الأحمر. فضعف الدولة وانشغالها بالصراع الداخلى، أدى إلى تراجع الرقابة البحرية والمينائية، ما يزيد من احتمالية وقوع حوادث الملاحة مثل التصادم بين السفن أو التسرب النفطى، وهو ما قد يتسبب بأضرار بيئية جسيمة، تؤثر على مصائد الأسماك والموارد البحرية الحيوية. كما أن نقص الكوادر الفنية المؤهلة وتراجع القدرة على الصيانة والإمداد اللوجستى للموانئ، يرفع من احتمالية تأخير حركة السفن أو تعطّل خطوط التزويد، ما ينعكس على حركة التجارة الدولية وأسعار النفط والسلع الأساسية. هذا الواقع يخلق بيئة معقدة تتداخل فيها المخاطر الأمنية مع المخاطر البيئية والاقتصادية، ويزيد من اعتماد المجتمع الدولى على المبادرات والتحالفات البحرية لضمان استمرار حركة الملاحة، مثل عمليات "حارس الازدهار" والتحالفات الإقليمية، ما يحول البحر الأحمر إلى بؤرة صراع متعددة الأبعاد، تتطلب استجابة دولية عاجلة ومنسقة.

تظل السيناريوهات المستقبلية مرتبطة بشكل وثيق بمسار الحرب فى السودان ومدى قدرة الأطراف الداخلية على التوصل إلى تسوية سياسية أو استمرار الصراع، فنجد:
السيناريو الأول: استمرار الصراع مع إدارة إقليمية للأزمة (السيناريو الأرجح على المدى القصير)

يفترض هذا السيناريو استمرار حالة عدم الحسم العسكرى فى السودان، مع بقاء مؤسسات الدولة فى وضع هش، ما يحد من قدرة الخرطوم على استعادة دورها الكامل فى ملف سد النهضة، أو فى تأمين ساحل البحر الأحمر. وفى هذا الإطار، تواصل إثيوبيا خطواتها الأحادية المرتبطة بالسد، مستفيدة من انشغال السودان بأزمته الداخلية. إلا أن هذا الوضع لا يعنى غياب آليات الاحتواء، حيث تواصل مصر لعب دور محورى فى إدارة تداعيات الأزمة، عبر الحفاظ على زخم التحرك الدبلوماسى فى ملف المياه، ومنع تهميش قضية سد النهضة دوليًا، إلى جانب استمرار التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لتقليص آثار غياب الدور السوداني. وعلى مستوى البحر الأحمر، تسهم الجهود المصرية، بالتعاون مع الدول المشاطئة، فى الحد من مخاطر الفراغ الأمنى، عبر دعم ترتيبات حماية الملاحة وتأمين الممرات الحيوية، بما يحافظ على الاستقرار النسبى برغم استمرار التوترات.
السيناريو الثاني: تهدئة سياسية جزئية واستعادة تدريجية للدور السودانى 

يقوم هذا السيناريو على نجاح المساعى الإقليمية والدولية فى الدفع نحو تهدئة سياسية أو وقف إطلاق نار جزئى، يسمح بإعادة تشغيل بعض مؤسسات الدولة السودانية، واستعادة قدر محدود من القدرة على إدارة الملفات الإستراتيجية. وفى هذه الحالة، تضطلع مصر بدور داعم لعودة السودان إلى مسار التفاوض حول سد النهضة، من خلال تنسيق المواقف وتقديم الدعم الفنى والسياسى، بما يعزز فرص الوصول إلى ترتيبات أكثر توازنًا فى إدارة مياه النيل الأزرق. وعلى صعيد البحر الأحمر، ينعكس تحسن الوضع الأمنى نسبيًا فى تعزيز حماية الموانئ السودانية، مع استمرار الاعتماد على الأطر الإقليمية، التى تسهم فيها القاهرة لضمان أمن الملاحة، وتقليص المخاطر دون القضاء عليها بالكامل. ويمثل هذا السيناريو مرحلة انتقالية، تُعيد للسودان جزءًا من حضوره الإقليمى، وتخفف من حدة الضغوط على ملفات المياه والأمن البحرى، دون أن تعنى استقرارًا كاملًا أو نهاية للتحديات القائمة.
السيناريو الثالث: تسوية سياسية شاملة وتكامل إقليمى (السيناريو الأكثر إيجابية والأقل ترجيحًا)

يفترض هذا السيناريو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، تُعيد بناء مؤسسات الدولة السودانية، وتُعيد دمج السودان فى منظومة الاستقرار الإقليمى، بما يسمح له باستعادة دوره الكامل فى ملف سد النهضة وأمن البحر الأحمر. فى هذا السياق، تتحول مصر من دور الاحتواء إلى دور الشريك فى إعادة بناء التوازن الإقليمى، عبر دعم مسارات التعاون الثلاثى بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، والسعى إلى بلورة ترتيبات فنية وقانونية أكثر استدامة لإدارة مياه النيل. وعلى مستوى البحر الأحمر، يؤدى استقرار السودان إلى تعزيز الشراكات الأمنية الإقليمية التى تقودها الدول المشاطئة، وفى مقدمتها مصر، بما يقلل الحاجة إلى التدخلات الدولية المباشرة، ويحوّل البحر الأحمر من ساحة توتر إلى مجال للتنسيق والتعاون. ويمثل هذا السيناريو مخرجًا إستراتيجيًا للأزمة، حيث يُسهِم فى تخفيف حدة التنافس الإقليمى والدولى، ويعزز أمن الملاحة العالمية، ويعيد للسودان موقعه، كحلقة وصل أساسية بين حوض النيل والبحر الأحمر.

ختامًا، تُظهر الحرب فى السودان أن الأزمات الداخلية، مهما بدت محصورة داخل حدود الدولة، تحمل فى طياتها تداعيات إقليمية تتجاوز الجغرافيا السياسية المباشرة، خصوصا فى مناطق شديدة الحساسية مثل حوض النيل والبحر الأحمر.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام