رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
مقالات
عالم ما بعد 2 يناير 2026
6-1-2026
|
02:44
مهدى مصطفى
الخوف عدوى، يتسلل إلى الجماعات، يتحول إلى سلاح قاتل، هكذا كان الخوف أول ما امتلكه الغزاة، وأول ما أصاب الأمم البائدة.
تمكن الخوف من الهنود الحمر حين رأوا السفن الأوروبية العملاقة تقترب من شواطئهم فى أواخر القرن الخامس عشر، وحين واجهوا أسلحة نارية لا تشبه أقواسهم الخشبية ولا حرابهم البسيطة، أولئك الذين صارعوا الطبيعة القاسية، وواجهوا الوحوش المفترسة، وصاغوا حضارة متصالحة مع الأرض والسماء، سقطوا حين خافوا.
الأوروبيون القادمون من القارة العجوز هاجموهم بغتة، بأسلحة أحدثت صدمة نفسية قبل أن تحدث القتل، اصطادوهم كفرائس، فانهزموا قبل أن تبدأ المعركة، الخوف سبق الرصاص، وكان أقوى من السلاح ذاته.
رأى الهنود الحمر فى السلاح النارى تدنيسا لمعتقداتهم، فتمسكوا بأقواسهم وحرابهم، وظلوا أوفياء لعالمهم حتى خرجوا من التاريخ. الخوف كان معيار الهلاك، والبوابة التى عبر منها الغزاة إلى الأرض والذاكرة معا.
فى الثانى من يناير 2026، وجد العالم نفسه فى مشهد يعيد تلك اللحظة، الخوف ضرب الجميع دفعة واحدة، الولايات المتحدة نفذت عملية عسكرية شاملة ضد فنزويلا، استخدمت فيها أكثر من مائة وخمسين طائرة قتالية حديثة، وصواريخ فرط صوتية، ومدمرات بحرية، وطائرات مسيرة، وقدرات سيبرانية، فى عملية مخططة منذ أشهر.
الهدف المعلن كان نيكولاس مادورو، العملية نفذت برا وجوا وبحرا، مع وجود عناصر بشرية على الأرض، وأسفرت عن مقتل أفراد من حراسته القريبة، ساعتان ونصف الساعة فقط كانت كافية ليقف العالم على أطراف أصابعه.
الخوف شل الجميع، حلفاء فنزويلا ابتلعوا ألسنتهم، واكتفوا ببيانات قلق وصياغات غضب خافتة، أوروبا بررت الهجوم بنقص الديمقراطية، دول أخرى رأت فى المشهد فرصة، أو سابقة قابلة للاستنساخ فى محيطها الجغرافى، الصين وتايوان، روسيا وأوكرانيا، خرائط قابلة لإعادة القراءة، هذا الخوف لم يولد فجأة، كتب أولا فى وثيقة الأمن القومى الأمريكى الصادرة عام 2025، وهى وثيقة استثنائية فى تاريخ الإستراتيجيات الأمريكية، تستعيد أفكار جورج واشنطن، ومبدأ مونرو، ونزعة أندرو جاكسون التوسعية، الوثيقة تتعامل مع نصف الكرة الغربى، بما فيه جرينلاند، باعتباره مجالا حيويا أمريكيا، مساحة تقارب اثنين وأربعين مليون كيلومتر مربع، محظور على أى قوة دولية الاقتراب منه.
الصدمة والرعب كانا دائما جزءا من التجربة الأمريكية منذ اكتشاف القارة على يد كولومبوس عام 1492، صناعة الخوف، وتكييف العقائد، وتطويع القوة أدوات تأسيس لا استثناء فيها، ما حدث فى يناير 2026، أعاد بث هذا الرعب فى العالم، فانكمشت الأمم، كل أمة داخل حدودها، مترقبة لعبة كبرى لا تعرف قواعدها.
حين ظهر دونالد ترامب على المسرح السياسى، القادم من تليفزيون الواقع وعالم العقارات، اعتقد كثيرون أنه عابر، مجرد ديكور انتخابى فى مواجهة هيلارى كلينتون، تم تقديمه باعتباره خارج المؤسسة.
الحقيقة أنه جاء من قلب تيار مختلف عن العولمة، تيار القلعة فى مواجهة الغابة، القلعة الأمريكية المسلحة حتى الأسنان، التى تؤمن بالحشد المفرط، وبزرع الخوف قبل أى اشتباك.
منذ فترته الأولى، كتب كثيرون عنه باعتباره ظاهرة مؤقتة، بعد خروجه عاد بقوة نادرة فى التاريخ السياسى الأمريكي، عادة ما تكون الولاية الثانية للرؤساء أكثر حدة، سعيا لترك بصمة تاريخية، ترامب لم يخف رغبته فى كسر القواعد التى نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
هو لا يعترف بصلح ويستفاليا، ولا باتفاقيات فيينا الدبلوماسية، ولا بالنظام الدولي، يؤمن بحيازة الأرض، بتغيير القواعد، وبسلام القوة، الضرب سريع، والانسحاب أسرع، ثم يترك العالم ليتكيف.
فنزويلا كانت الترجمة الحرفية لهذه الرؤية، دولة غنية بالنفط والغاز والمعادن النادرة والذهب، تركت ضعيفة عسكريا، رهينة تحالفات لم تحمها، الخوف دفع شركاءها إلى الفرار بمصالحهم، وترك شعبها أمام قوة لا تعترف بالقوانين.
رسالة فنزويلا وصلت مغلقة بمفهوم الصدمة والرعب، العالم أمام خيارين: الخضوع، أو التعلم، التاريخ القريب مليء بالشواهد، العراق تم تركه وحيدا عام 1991، الصومال تم نسيانه ليتفكك، ليبيا فتحت للناتو، تم التخلى عن سوريا فى لحظة فاصلة، جميعها راهنت على مظلات خارجية.
تتسارع ملامح صراع عالمى مفتوح، فكر يرى الثروات ملكية خاصة، وشركات عابرة للقارات فى قلب القرار العسكري، خرائط تعاد إلى ما قبل ويستفاليا، استلهام فج من جنكيز خان، والإسكندر، وروما، ونابليون، وهتلر، مع فارق جوهري: لا جيوش جرارة، ولا خطوط إمداد طويلة، بل سرعة، مفاجأة، وانسحاب.
الترسانة المرعبة جعلت السياسة نفسها جزءا من ساحة القتال.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
إستراتيجية «السيادة المناخية»: خارطة الطريق المصرية للعبور نحو القوة الخضراء
السودان.. ألف ليلة وليلة تعيسة (1-2)
مصر .. أصل الحضارة (4/1)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام