مقالات



‫دوافع الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال‬

6-1-2026 | 19:55
د. مبارك أحمد

إسرائيل تهدف لتعزيز علاقاتها بتلك الكيانات الالتفاف على الرفض الشعبى العربى لإقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيونى
صلابة الموقف المصرى والمساندة العربية والدولية لرفض تهجير الفلسطينيين دفعت إسرائيل للاعتراف بأرض الصومال
المواجهة المحتملة بين إسرائيل وإيران خلال عام 2026 أحد دوافع تل أبيب للاستفادة من الموقع الإستراتيجى لأرض الصومال
تعزيز النفوذ والهيمنة فى الشرق الأوسط من خلال توظيف اتفاقات السلام الإبراهيمى لكسب قوى حليفة
 
أثار قرار الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال (صومالى لاند) كدولة مستقلة وذات سيادة، فى 26 ديسمبر 2025، ردود فعل عربية وإسلامية وإفريقية رافضة لذلك التوجه، فى حين أوضح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو أن الإعلان جاء بتوقيع مشترك بين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس جمهورية أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبدالله، وذلك بما يتماشى مع اتفاقات إبراهام التى تم التوصل إليها بمبادرة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وأن إسرائيل ستعمل فورا على توسيع علاقاتها مع أرض الصومال عبر تعاون فى مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد.
 
فيما أعلن وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر، أنه تحدث مع رئيس أرض الصومال، مؤكدا التوقيع على اعتراف متبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة تشمل سفراء وفتح سفارات فى البلدين، فى المقابل رحبت حكومة إقليم أرض الصومال بإعلان إسرائيل اعترافها بأرض الصومال دولة ذات سيادة، معتبرة الاعتراف خطوة مهمة نحو تعزيز شرعيتها الدولية، وأكدت حكومة الإقليم، فى بيان لها أن الاعتراف، سيمهد لعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وأكدت رغبتها فى الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام فى إطار تعزيز السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط وإفريقيا.
البيانات السابقة المتبادلة بين طرفى الاعتراف، ربما تستدعى الذاكرة التاريخية لمآسى العرب والخبرات السلبية فى العقل الجمعى العربى بتنوع الحيل للاستيلاء على أراضيهم وتقسيمها بمساندة من لا يستحق لمن لا يملك، كما قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر -طيب الله ثراه- التى بدأت بوعد بلفور فى عام 1917 بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، وما تبعه من قيام إسرائيل فى مايو 1948، بعد قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وللمفارقة فإن الوعد البريطانى عام 1917 بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، ربما يتكرر بعد ما يزيد على قرن كامل من ذلك الوعد، وفى نهاية 2025 يأتى الوعد الإسرائيلى الجديد على يد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته الأكثر يمينية وتطرفًا فى تاريخ إسرائيل، كما يردد الإعلام الإسرائيلى بمحاولة خلق وطن بديل للفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين فى أرض الصومال (صومالى لاند) المزعومة، فهل هو مكر التاريخ الذى يكرر دوراته؟ أم أن قضية التهجير لا تزال ماثلة فى أذهان نتنياهو وحكومته اليمينية برغم توقيع ترامب لاتفاق إنهاء الحرب فى غزة بشرم الشيخ فى أكتوبر 2025؟ وهو الأمر الذى جعل بيان 21 دولة عربية وإسلامية وإفريقية فى 27 ديسمبر 2025 يرفض هذا الاعتراف الإسرائيلى على ضوء التداعيات الخطيرة لهذا الاجراء غير المسبوق على السلم والأمن فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، وتأثيراته الخطيرة على السلم والأمن الدوليين، والتأكيد على الحفاظ على سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، والتأكيد على الرفض القاطع للربط بين هذا الإجراء، وأى مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطينى خارج أرضها المرفوضة شكلًا وموضوعًا. 
 
الأهمية الإستراتيجية
هناك العديد من المحددات التى دفعت بإسرائيل نحو الاعتراف بأرض الصومال لاسيما ما يتعلق منها بالأهمية الإستراتيجية لأرض الصومال، أول تلك المحددات يرتبط بموقع أرض الصومال على خريطة القرن الإفريقى، وما يشكله هذا الموقع الجيوإستراتيجى الذى يطل على الضفة الجنوبية لخليج عدن، وعند مدخل مضيق باب المندب المؤدى إلى البحر الأحمر وقناة السويس، وما تمر به معظم تجارة العالم، وما يشكله أيضًا كممر دولى لناقلات النفط من الشرق الأوسط إلى الدول الغربية وارتباطه المباشر بأمن الطاقة العالمى، فجغرافيًا تقع أرض الصومال فى الطرف الشمالى الغربى من الصومال، وتبلغ مساحتها 175 ألف كيلو متر مربع، وأعلنت استقلالها من جانب واحد عن الصومال فى عام 1991، بعد انهيار الحكم المركزى فى الصومال عقب الإطاحة بالرئيس الصومالى السابق محمد سياد برى، لكنها لم تحظ باعتراف من المجتمع الدولى، ويتشكل إقليم أرض الصومال من 6 مناطق إدارية هى: ووكويجالبيد وتجدير وسول سناج وأودال والساحل، وعملته الوطنية هى الشلن، ولغاتها هى الصومالية والعربية والإنجليزية، ويقارب عدد سكانها 6 ملايين نسمة. أما التكوين الفئوى فيضم 3 عشائر أساسية هي: إسحاق فى المنطقة الوسطى، وتعد الأكبر، وتمتلك معظم السلطة السياسية، ودير فى المنطقة الغربية، ودارود فى المنطقة الشرقية.
وثانى تلك المحددات يرتبط باستدعاء الخبرة التاريخية لنشأة إسرائيل، وسعيها لتشجيع الكيانات الانفصالية للانفصال عن الوطن الأم، ثم إقامة علاقات دبلوماسية مع تلك الكيانات، وربما يسبقها لقاءات غير معلنة لمساندة ذلك الهدف، وهو ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة حول زيارة رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد أحمد لإسرائيل، ولقائه بمسئولين إسرائيليين فى صيف 2025، فى مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر.
وتهدف إسرائيل لتعزيز علاقاتها بتلك الكيانات محاولة منها للالتفاف على الرفض الشعبى العربى لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، كما تدرك إسرائيل أن اعترافها وترحيبها بانفصال تلك الكيانات فى الدول العربية يجعل من القائمين على أمر تلك الكيان الصهيونى مدينين لها بذلك الاعتراف حتى، وإن كان ذلك الاعتراف لا يشكل إقرارا بسيادة لتلك الكيانات أو اعتبارها دولا ذات سيادة مستقلة، وهو المسار الذى يتطلب إجراءات معقدة على مستوى الداخل من خلال إجراء استفتاءات أو على مستوى الخارج، سواء ما يتعلق بموافقة الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة، أو ما يتعلق بموافقة الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن، وعدم استخدام حق النقض (الفيتو).
 أما المحدد الثالث وربما الأهم فإنه يرتبط بمحاولة إسرائيل محو الخبرات السلبية فى العقل الجمعى الإسرائيلى، والسعى لتحقيق أى نجاح خارجى بعد ما تعرضت له من هجوم مفاجئ لعملية طوفان الأقصى، الذى فشلت مؤسساتها فى التنبؤ به، وهو ما كان له انعكاسه على الداخل الإسرائيلى بعد أن تزايدت معدلات الهجرة من إسرائيل للخارج، وكذلك النزوح الداخلى من المستوطنات المحاذية لغزة أو جنوب لبنان جعل العديد من الخبراء يؤكدون على تراجع المشروع الاستيطانى لإسرائيل وتقلصه.
لذلك جاء رد الفعل الإسرائيلى على عملية طوفان الأقصى أكثر شراسة ومن دون رادع أخلاقى أو قانونى باستهداف قطاع غزة بشرًا وحجرًا، فتحول القطاع إلى ركام وسقط ما يقرب من 100 ألف فلسطينى ما بين شهيد وجريح. كما نفذت إسرائيل عمليات نوعية بتصفية قيادات حزب الله من الصفين الأول والثانى من القيادات وصولًا للأمين العام للحزب حسن نصر. كما نفذت عملية البيجر التى عكست التقدم التكنولوجى لإسرائيل. وهو ما جعل نتنياهو الذى وصف إسرائيل، بأنها تحارب على سبع جبهات، وخلال لقائه بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى البيت الأبيض الذى طرح مشروع ريفيرا غزة قبل أن يتراجع عن ذلك المقترح بفعل الضغط الدولى الرسمى والشعبى الرافض لقضية تهجير الفلسطينيين من وطنهم، بأن يصف ما تقوم به إسرائيل بمثابة تغيير للشرق الأوسط، كل هذا الزخم لم يشعر الإسرائيليين بالأمن أو الاستقرار بما جعلهم يطالبون برحيل حكومة نتنياهو التى يبدو أنها تحاول أن تخلق نوعا من النجاحات الخارجية، حتى إن كانت وهمية، للحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المطلوب للمحاكمة فى قضايا متنوعة، جعلت الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يطلب من الرئيس الإسرائيلى إصدار قرار عفو عنه.  
 
دوافع متنوعة
فى ضوء تنوع الأهمية الإستراتيجية لإقليم أرض الصومال، فثمة دوافع متنوعة تسعى إسرائيل لتحقيقها من ذلك الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة، التى يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
أول تلك الدوافع ما أثاره العديد من الكتابات حول أحد دوافع إسرائيل من ذلك الاعتراف، وهو ما يرتبط بسعيها لتحقيق ما أخفقت فى الوصول إليه على مدار العامين الماضيين منذ عملية طوفان الأقصى فى أكتوبر 2023، وهو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وذلك بسبب صلابة الموقف المصرى والمساندة العربية والدولية لرفض مبدأ تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، الذى جسده استضافة مصر لعقد قمتين الأولى هى قمة القاهرة للسلام فى أكتوبر 2023 بطلب من دولة فلسطين، حيث أجمع المشاركون فى فعاليات القمة على رفض مسألة تهجير الفلسطينيين من أرضهم، والمطالبة بإقرار حل الدولتين، كما جاءت القمة الثانية فى أكتوبر 2025 قمة شرم الشيخ للسلام: اتفاق انهاء الحرب فى غزة، التى تم التوقيع خلالها على المبادرة المقترحة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإحلال السلام فى غزة وبضمان مصر وقطر وتركيا، وهى المبادرة التى تكونت من 20 بندًا، كان من بينها رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم مع إعطاء الحق لمن يريد العودة منهم إلى فلسطين. وهو الأمر الذى اعتبر انتصارًا للإرادة المصرية المدعومة عربيًا ودوليًا للحفاظ على حق الفلسطينيين فى البقاء فى وطنهم، بل تضمنت المبادرة الإشارة إلى إمكانية الوصول لحل الدولتين بعد إجراءات بناء الثقة بين الجانبين من خلال تنفيذ مراحل المبادرة. 
ويأتى الدافع الثانى ليرتبط بالمواجهة المحتملة بين إسرائيل وإيران خلال 2026، وهو ما تعتقده العديد من التحليلات، حيث تسعى إسرائيل من خلال علاقاتها المتشابكة بأرض الصومال إلى الاستفادة من الموقع الإستراتيجى للجمهورية المزعومة لاسيما ميناء بربرة فى مواجهتها مع إيران ووكلائها خصوصا الحوثيين، فأرض الصومال تسيطر على 460 ميلا من الساحل على طول خليج عدن، مما يجعلها البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، الذى يمر من خلاله ما يقرب من ثلث التجارة العالمية سنويًا. ويشكل ميناء بربرة أحد الموانئ الحيوية الذى تم تطويره من قبل شركة موانئ دبى العالمية ليتسع لنحو 500 ألف حاوية سنويًا. كما وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال فى يناير 2024 تمنحها حق الوصول إلى 20 كيلومترا من الساحل على خليج عدن بالقرب من ميناء بربرة مقابل الاعتراف الرسمى الإثيوبى بأرض الصومال كدولة مستقلة.
ويأتى الدافع الثالث وربما الأهم ليرتبط برغبة إسرائيل فى دعم مشروعها الرامى لتعزيز هيمنتها ونفوذها فى إقليم الشرق الأوسط، وذلك من خلال توظيف اتفاقات السلام الإبراهيمى، لكسب قوى حليفة ومساندة لها، فضلًا عن تعزيز علاقاتها الإقليمية بالمناطق الرخوة فى الإقليم فى إطار إستراتيجية شد الأطراف وملء الفراغ على تخوم المنطقة العربية، وبما يعزز من تحالفها الإستراتيجى مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى يروج بداخلها السيناتور الجمهورى، تيد كروز، للاعتراف الأمريكى بأرض الصومال فى إطار الحد من النفوذ الصينى فى منطقة القرن الإفريقى، وهو النفوذ الذى تمثل فى إقامة الصين لأول قاعدة عسكرية لها بالخارج فى جيبوتي.
مجمل القول: تتنوع دافع إسرائيل من الاعتراف بأرض الصومال (صومالى لاند) ما بين سعيها لتعزيز وجودها فى منطقة القرن الإفريقى، وما يشكله البحر الأحمر من أهمية إستراتيجية متنامية بعد تزايد أدوار الموانئ العالمية، ومحاولتها تعزيز علاقاتها مع الكيانات الانفصالية فى المنطقة العربية، وهو ما يتجلى فى دعمها للتوجهات الانفصالية للأكراد فى العراق وسوريا، وكذلك أرض الصومال التى يروج الإعلام الإسرائيلى فى كونها وجهة محتملة لتهجير الفلسطينيين إليها. وهو المبدأ الذى ترفضه كل الدول العربية، وفى مقدمتها مصر وتساندها غالبية القوى الدولية التى تؤكد حق الفلسطينيين فى العيش بوطنهم، وحقهم فى إقامة دولتهم المستقلة، كما تساند مصر أيضًا وحدة الصومال وسلامتها الإقليمية وسيادتها على كامل أرضها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام