رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
المنطقة العربية «سرة» العالم و«عتبة» القارات.. سباق الممرات الاقتصادية.. نحو «إيلاف لوجستى» عربى
6-1-2026
|
20:08
أحمد دياب
على مدى مئات، وربما آلاف السنين، احتلت منطقة الشرق الأوسط، وفى قلبها المنطقة العربية، مكانة بالغة فى عمليات النقل والمواصلات، البرية والبحرية، وهى كانت - وما زالت - همزة الوصل ونقطة العبور بين قارات العالم القديم (لاسيما آسيا وأوروبا)، فالمنطقة العربية هى "سُرة" العالم و"عتبة" القارات، فأربعة من أهم الممرات البحرية فى العالم تمر عبرها: قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق جبل طارق من الجهة الغربية، إنها رقعة الجغرافيا التى تتحكم فى حركة قرابة 30 % من التجارة البحرية العالمية.
وفى القرن الحادى والعشرين، برزت السيطرة على ممرات التجارة - تلك الشرايين الحيوية التى تحمل البضائع والطاقة والنفوذ عبر القارات - كعامل حاسم فى لعبة الشطرنج الجيو- سياسية. فخلف الابتسامات والقمم الدبلوماسية، تكمن مواجهة متنامية، وحرب خفية تستخدم فيها الدول البنية التحتية والاستثمار والتكنولوجيا كأسلحة فى صراعها على الهيمنة على طرق التجارة العالمية، وفى زمنٍ باتت فيه البضائع والطرق والممرات أهم من الجيوش والأسلحة، تحوّلت اللوجستيات إلى أداة للهيمنة الجيو- سياسية، وصارت الموانئ والمطارات والسكك الحديدية جبهات جديدة فى حرب باردة من نوع آخر.
وفى حين اتسمت العقود السابقة إلى حد كبير بالهيمنة العسكرية والإقليمية، تُعرّف القوة اليوم بشكل متزايد بقدرة الدولة على إدارة الممرات الاقتصادية والبنية التحتية الرئيسية، والتحكم فى طرق النقل، وتدفقات الطاقة، وشبكات التجارة. وقد أصبح الموقع الإستراتيجى، والبنية التحتية الوظيفية، والاستقرار السياسى عوامل حاسمة للتأثير الدولى، مما يُمكّن الدول ليس فقط من تعزيز النمو الاقتصادى، بل أيضاً من ممارسة تأثير مباشر على الاستقرار الإقليمى والعالمى.
وفى هذا الإطار، فإن الدول العربية مطالبة بطرح مبادرات وتصورات جماعية لتحقيق وضمان المكاسب والفرص التى توفرها هذه المنافسة، أو على الاقل المحافظة على المصالح العربية فى ضوء التحديات التى تفرضها هذه المشروعات والممرات الاقتصادية الإقليمية والدولية. وفى الوقت نفسه، تفادى حدوث منافسات بين الدول العربية، قد تجعل تلك المنافسة "مباراة صفرية" تختصم من الجميع فى مقابل المشروعات والمبادرات الدولية والإقليمية الأخرى، وهو ما يرتب عليها مسئولية سياسية وتاريخية تستوجب طرح مبادرة لتشكيل "رابطة" أو "تكتل" عربية تستوحى ملامحها من تجربة عربية تاريخية هى "إيلاف قريش"، الذى شكلته قبائل مكة فى النصف الثانى من القرن الخامس الميلادى.
تاريخ الطرق والممرات الاقتصادية
ويعود مفهوم الممرات الاقتصادية إلى العصور القديمة عندما تم إنشاء طرق التجارة الأولى لربط الحضارات الكبرى وتسهيل تبادل السلع والثقافات. ويعد "طريق الحرير"، الذى امتد من الصين إلى البحر الأبيض المتوسط، والطرق الرومانية التى ربطت أوروبا بالشرق الأدنى، أمثلة مبكرة للممرات الدولية. وخلال العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبى، تطورت الطرق إلى شرايين رئيسية للتجارة، مما سهل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول المختلفة، ومع صعود الدول القومية ونمو التجارة الدولية، أصبحت الحاجة إلى شبكات الطرق المحسنة والمنظمة أكثر حيوية.
وفى القرن العشرين، اتخذ مفهوم ممرات الطرق شكلاً أكثر وضوحًا فى سياق التخطيط الحضرى والتنمية الاقتصادية. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح تطوير شبكات الطرق مهمًا بشكل خاص فى أوروبا والولايات المتحدة، حيث تم إنشاء الطرق السريعة والممرات الرئيسية لدعم التعافى الاقتصادى وتعزيز التكامل الإقليمى والدولى.
واليوم، تعد الممرات الاقتصادية أدوات حاسمة لربط الاقتصاديات وتعزيز الاستقرار السياسى. فهى لا تسهل فقط الحركة السريعة للسلع والأشخاص لكنها تخلق أيضًا الترابط بين البلدان والمناطق. ومن خلال هذه الممرات، ترتبط الاقتصادات المحلية بالأسواق العالمية، مما يعزز القدرة التنافسية للمناطق، ويقلل من العزلة الاقتصادية. وتسمح الاستثمارات فى شبكات الطرق هذه للدول بخلق فرص جديدة للتنمية وتعزيز مواقفها على الساحة الدولية. وبالتالى، تشكل الممرات الاقتصادية ضرورة أساسية للتنمية الاقتصادية والسياسية فى العالم الحديث. ومن خلال شبكاتها الواسعة واتصالاتها الإستراتيجية، تسهم فى الاستقرار الجيو- سياسى وتخلق فرصاً جديدة للدول والمناطق التى تسيطر عليها.
ويؤكد بعض العلماء أنه فى عالم مترابط بشكل متزايد، لم تعد السيطرة على الممرات الاقتصادية مجرد قضية اقتصادية لكنها عنصر أساسى فى تشكيل القوة السياسية العالمية والإقليمية. ويتشكل النظام العالمى الجديد من خلال عولمة البنية التحتية، حيث تعمل ممرات الطرق والسكك الحديدية كأدوات لربط الاقتصاديات المختلفة وخلق علاقات مترابطة.
أهم الممرات الاقتصادية
أسهمت عولمة الاقتصاد، التى تسارعت وتيرتها منذ منتصف القرن العشرين، مصحوبةً بتقدم تكنولوجى مستمر فى مجال النقل، فى التحفيز نحو إنشاء مزيد من الممرات الاقتصادية لتسهيل نقل وتبادل البضائع، ومن ثم توفير الوقت والمال، وتعزيز مكانة الدول الشريكة فى تلك المشاريع اقتصادياً. ويُعرَّف ممر التنمية بذلك بأنه التوسُّع العالمى الحالى والمستمر فى البنية التحتية أو طفرة البنية التحتية العالمية.
وخلال العقد الماضى، أسهمت عدة عوامل فى تحفيز كثير من دول العالم على البحث عن فرص تعاون مشتركة، من أجل إنشاء ممرات اقتصادية، بعضها سياسى والآخر اقتصادى. فقد أثبتت الأزمات التى تعرَّض لها العالم خلال السنوات الأخيرة، الحاجة الملحة لإنشاء ممرات تنموية جديدة، يمكن من خلالها تسهيل سبل الوصول وعدم الاقتصار على ممرات بعينها؛ حتى لا يظل العالم تحت رحمة أى توترات جيو- سياسية جديدة من شأنها أن تؤثر على استقرار سلاسل التوريد؛ وذلك بغية حماية الاقتصاد العالمى من مخاطر الصدمات المفاجئة.
لقد كان للحروب فى أوكرانيا ومنطقة الشرق الأوسط (غزة واليمن وسوريا وإيران) عاقبتان رئيسيتان:
الأولى، هى زيادة الضغط والتأثير السلبى على النقل البحرى والخدمات اللوجستية، وإعادة تعريف طرق التجارة البرية، حيث انخفضت تدفقات الشحن عبر الطرق الأوراسية القديمة بشكل كبير منذ عام 2022، فلطالما كان الممر الشمالى، أو الجسر البرى الأوراسى الجديد، شريان الشحن الرئيسى الذى يربط آسيا بأوروبا. لكن حرب أوكرانيا أدت إلى انخفاض النقل على طول هذا المسار بسبب العقوبات وعدم الاستقرار. ففى عام 2023، انخفضت أحجام الشحن المتجهة غربًا على هذا الطريق بنسبة 51% مقارنة بالعام السابق، وانخفضت أحجام الشحن المتجهة شرقًا إلى الصين بنسبة 44% عن مستويات عام 2022.
والثانية، هى تضرر الملاحة فى البحر الأحمر الذى يمر عبره نحو 30% من حركة الحاويات العالمية، وقد سجلت قناة السويس التى يمر عبرها نحو 12% من حركة الملاحة العالمية، فى 2022 أعلى إيراد بتاريخها عند 8 مليارات دولار، قبل أن تنخفض إلى النصف تقريباً بسبب التوتر فى البحر الأحمر. وفى ذروة هجمات الحوثيين فى 2024 و2025، تراجع نشاطها بنحو 40%، واضطرت نحو 80% من السفن التجارية إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، رافعة تكاليف النقل بنسبة تجاوزت 250% فى بعض المسارات.
ومن ناحية أخرى، ومع تطور البنية التحتية العالمية للنقل، والتغير فى بنية التجارة الدولية، وزيادة أهمية الموانئ البحرية كروابط رئيسية لنظام النقل العالمي، فإن الدول التى تتمتع بمنافذ بحرية وبرية مهمة، تسعى إلى استغلال تلك المزايا الجغرافية المهمة، لتعزيز مكانتها باعتبارها روابط رئيسية فى النقل العالمى، لتصبح بمنزلة حلقات وصل مركزية بين أنظمة النقل الوطنية والدولية، ومن ثم تعزيز مكانتها فى التجارة الدولية، لاسيما أن ذلك يتيح للبلدان الشريكة فى الممرات دخول الأسواق الرئيسية، وتنويع الخيارات للربط مع الأسواق العالمية، وإبراز دورها ومكانتها العالمية عبر تعزيز التعاون الواسع مع عدة دول فى سبيل إنشاء ممرات تنموية، وهو ما ينعكس إجمالاً بصورة رئيسية على تعزيز ثقل الدولة باعتبارها فاعلاً رئيسياً فى العلاقات الدولية.
وقد لاقت فكرة إنشاء ممرات اقتصادية اهتماما متزايداً لدى العديد من دول العالم خلال العقد الماضى، على نحو أسس لتحولات إستراتيجية مهمة فى هذا المجال، وهو ما يتبدَّى جلياً من خلال عدة مشروعات أو ممرات اقتصادية:
1– مبادرة "الحزام والطريق": التى أطلقتها الصين فى عام 2013 باعتبارها برنامجاً يضم 6 ممرات مترابطة برية وبحرية. وقد توسع النطاق الجغرافى للمبادرة بالتدريج ليشمل أكثر من 140 دولة، بما فى ذلك إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، بعدما كان مخططاً فى البداية أن تضم المبادرة 15 دولة من آسيا وأوروبا فحسب، ويُسهّل هذا المشروع الطموح للبنية التحتية والاستثمار حركة أسرع للسلع وموارد الطاقة ورأس المال، مما يخلق فرصًا اقتصادية للعديد من البلدان.
2– مشروع الممر الاقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا: خلال قمة العشرين التى عُقدت فى نيودلهى فى سبتمبر 2023، تم توقيع مذكرة تفاهم من قبل حكومات كل من السعودية، والاتحاد الأوروبى، والهند، والإمارات، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة، ويبدأ الممر من الهند، ويمر عبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن، قبل أن يصل إلى اليونان أو إيطاليا كبوابتين رئيسيتين للاتحاد الأوروبى.
ويدمج الممر الموانئ البحرية وممرات السكك الحديدية ومحطات الطاقة والشبكات الرقمية، مما يوفر الأمن لتدفقات التجارة والطاقة والاستثمار. وقد وصفه الرئيس دونالد ترامب عقب لقائه رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى فى 14 فبراير 2025، بأنه "أحد أعظم طرق التجارة فى التاريخ".
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن اتفاق إنشاء الممر الاقتصادى يندرج ضمن إستراتيجية إقليمية شاملة تهدف إلى تعزيز ثقة الشركاء الخليجيين فى التزام واشنطن بالمنطقة، وتعزيز مكانة الهند ونفوذها فى المنطقة، والأهم مواجهة نفوذ الصين المتزايد من خلال منافسة وتحييد "مبادرة الحزام والطريق" الصينية التى تملك جذوراً عميقة فى مشاريع الربط اللوجستى فى منطقة الخليج ودرجة عالية من الاتصال التجارى بأوروبا عبر فرعيها (طريق الحزام الاقتصادى وطريق الحرير البحري).
3– تطوير ممر النقل الدولى بين الشمال والجنوب: وقد طُرح الممر لأول مرة من جانب روسيا والهند وإيران فى عام 2000، الذى يضم شبكة متعددة الأنماط من طرق التجارة الدولية التى تربط بين أقاليم جنوبى وغربى آسيا، وآسيا الوسطى، والقوقاز، وروسيا، وفى عام 2002، صدَّقت روسيا على اتفاقية عامة بشأن نقل حاويات التصدير عبر ممر النقل الدولى روسيا – بحر قزوين – إيران – الهند – سيريلانكا، وقد انضمت إليه تدريجياً دول مثل كازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وأذربيجان وسوريا وعمان وبلغاريا بصفة مراقب.
ويتوقع محللون فى بنك التنمية الأوراسى أن يصل حجم حركة الحاويات على طول ممر النقل الدولى بين الشمال والجنوب (INSTC) إلى ما بين 325 ألف و662 ألف حاوية نمطية بحلول عام 2030. ويبلغ إجمالى الاستثمار فى مشاريع البنية التحتية الجارية أو المُجدولة ضمن ممر النقل الدولى بين الشمال والجنوب 38.2 مليار دولار أمريكى، وتشير العديد من التقديرات إلى أن هذا الممر سوف يوفر الوقت وتكلفة النقل للبضائع العابرة من الشرق للغرب، مقارنة بممرات ملاحية موجودة حاليًا، حيث سيقلص تكاليف النقل بين الهند وروسيا بنحو 30%، والزمن الذى تستغرقه بنحو 40%، مقارنة بالطرق التقليدية.
4 - ممر شمال-جنوب ثان: (بيلاروسيا) (الجبل الأسود) (عُمان)، الذى يربط مينسك وميناء بار فى الجبل الأسود وميناء صلالة فى عُمان، شريان نقل إستراتيجى يربط أوروبا الشرقية والبلقان بالشرق الأوسط والمحيط الهندى، متجاوزًا طرق التجارة التقليدية، ونقطة الانطلاق هى مينسك، عاصمة بيلاروسيا، ومركز لوجستى رئيسى للنقل بالسكك الحديدية والطرق البرية باتجاه ميناء بار على البحر الأدرياتيكى بالجبل الأسود ميناء بار، أحد المحطات الرئيسية على ساحل البحر الأدرياتيكى، وصولا إلى ميناء صلالة فى عُمان، الذى تُوفر رابطًا مباشرًا وموثوقًا بين أوراسيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وإفريقيا.
ويوفر هذا الممر مجموعة من المزايا الإستراتيجية: فهو يربط شمال ووسط أوروبا (ألمانيا، وجمهورية التشيك، وسلوفاكيا، والمجر، وصربيا)، ويُنوّع المسارات اللوجستية، ويُعزز التجارة الإقليمية.
5 - ممر التنمية العراقي: وهو مشروع ضخم طموح لإنشاء ممر تجارى رئيسى يربط الإمارات العربية المتحدة وقطر والعراق وتركيا والاتحاد الأوروبى، بطول 740 ميلًا، وبتكلفة تقديرية تتراوح بين 17 و20 مليار دولار، وستكون الإمارات العربية المتحدة وقطر الممولَين الإستراتيجيَين للمشروع.
وقد عُرض مشروع طريق التنمية لأول مرة فى مايو 2023، ووُضعت اللمسات الأخيرة عليه خلال زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى بغداد فى أبريل 2024. ومن المقرر حاليًا الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية فى عامى 2028 و2030. فى حين تنتهى المرحلة الثالثة والأخيرة من المشروع بحلول عام 2050.
وقد دشّنت الشركة العامة لموانئ العراق فى ديسمبر 2025 خطّاً بحرياً دولياً مباشراً، يربط ميناء أم قصر بميناء راشد الإماراتى، فى خطوة تعكس تحولاً إستراتيجياً فى سياسة النقل البحرى، وتفتح الباب أمام ربط أوسع للموانئ العراقية بموانئ الشرق الأوسط وشرق آسيا.
استجابات ومبادرات عربية
وهذه الممرات المتنافسة تتقاطع بصورة واضحة على الجغرافيا العربية، ورغبة فى اغتنام بعض الفرص والمكاسب التى توفرها هذه الممرات الاقتصادية أو استجابة للتحديات والمخاطر التى تفرضها، انخرطت وشاركت عدة دول عربية كمراكز محورية فى مسارات هذه الممرات، بل بادرت بوضع إستراتيجيات وطنية وثنائية وإقليمية للتفاعل مع المتغيرات التى تطرحها هذه الممرات:
1 - إستراتيجية مصرية متعددة الأبعاد
منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى إدارة البلاد عام 2014، قرر أن تصبح مصر مركزًا للوجستيات فى المنطقة، لاسيما أن مصر بموقعها الجغرافى ووجود قناة السويس تحتل "مكانة عبقرية" جغرافيا، باستعارة عنوان كتاب الراحل الدكتور جمال حمدان، لتعزيز موقف مصر كمركز لوجستى محورى يربط بين قارات أوروبا وإفريقيا وآسيا، وتدعيم خطة الدولة الطموح لتعزيز دور الموانئ المصرية حتى عام 2030 بهدف أن تصبح مصر مركز اللوجستيات العالمى فى المنطقة.
وفى هذا الإطار تتحرك مصر عبر مسارات عدة:
داخلية، من خلال تطوير الموانئ والبنى التحتية فى مجالات النقل والطرق والتوسع فى إقامة مناطق لوجستية، وتسريع عملية تطوير المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، والتوسع فى إنشاء الموانئ الجافة، وتعزيز شبكة النقل الداخلى من السكة الحديد، إذ تُنشئ مصر خط سكة حديد فائق السرعة بطول 660 كيلومتراً تقريباً يربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، ويُعرف باسم "الخط الأخضر"، بموجب عقد قيمته 4.5 مليار دولار مع تحالف شركات يضم شركة "سيمنز" الألمانية، وهو جزء من شبكة سكك حديدية عالية السرعة يبلغ طولها نحو 2000 كيلومتر، وتأمل مصر فى إكمال خط السكك الحديدية فائق السرعة فى عام 2027 أو 2028، وإلى جانب الخط الأخضر، سيتبعه خطان آخران: الخط الأزرق على طول النيل من القاهرة إلى أسوان، والخط الأحمر الذى يربط الغردقة وسفاجا بالأقصر.
وإقليمية، من خلال تشكيل محور إستراتيجى تنموى مع الكويت لترسيخ المصالح المشتركة بتنفيذ توسعات استثمارية فى القرن الإفريقى، وعقب لقاء الرئيس السيسى فى إبريل 2025 بالوفد الاستثمارى الكويتى، سرعان ما وقعت شركة "أرابيك" القابضة الكويتية للاستثمارات و"إم واى دي" المصرية للمقاولات والإدارة اتفاقًا مع ولاية جنوب غرب الصومال لتطوير وتشغيل ميناء "ميركا" المعروف بـ"براوة" جنوب مقديشو، والتنقيب واستخراج النفط والموارد الطبيعية بمنطقة مساحتها 200 كيلومتر2، لمدة 25 عامًا بخلاف 5 سنوات للتجهيز والبناء والتطوير، وتمول الشركة الكويتية المشروع بـ"500 مليون دولار"، والمصرية تتولى التنفيذ والتطوير والتشغيل المشترك، الإيرادات المتوقعة للعام الأول من التشغيل فقط بين 150 و 250 مليون دولار.
المحور الإستراتيجى الثانى مع سلطنة عمان، حيث تعمل عُمان على تطوير موانئ رئيسية: الدقم، التى يُنظر إليها كمركز بحرى وصناعى رئيسى فى المحيط الهندي؛ وصلالة، كمركز لإعادة شحن الحاويات والبضائع الجافة بين الخليج وإفريقيا وآسيا؛ وصحار، التى تعمل كمركز صناعى ولوجستى بالقرب من المملكة العربية السعودية، وميناء مسقط (ميناء السلطان قابوس)، المركز البحرى التقليدى للبلاد الذى يربط تدفقات التجارة بين الخليج العربى والمحيط الهندى. ومن خلال هذه التطورات، تبرز عُمان كشريك مستقر وموثوق فى التجارة العالمية والطاقة، جامعةً بين الحياد الدبلوماسى والاستقرار السياسى والطموح لأن تصبح دبى ثانية.
والمحور الثالث، تراهن القاهرة أيضاً على إنشاء ممر اقتصادى ضخم، يصل مصر بقلب إفريقيا، وتراهن مصر على جعل المشروع ممراً اقتصادياً ضخماً، يتولى تأمين التجارة بين مصر وغرب السودان وتشاد، وفكرة المشروع ليست جديدة، إذ طُرحت قبل عام 2011، لكن ثورة 25 يناير 2011 عطّلت استكمالها. غير أنّ القاهرة عادت للعمل عليه تدريجياً، وحتّى الآن نفّذت القاهرة نحو 15% من مشروع الطريق بالجزء الموجود داخل الأراضى المصرية. والطريق ليس بنية تحتية فحسب، بل ركيزة لمستقبل اقتصادى يربط البحر الأحمر بالمحيط الأطلسى، ويوفر مسارات آمنة للحركة الاقتصادية، ويسهم فى مكافحة الهجرة غير الشرعية والتطرف، كما يمنح الدول الحبيسة فى وسط إفريقيا، مثل تشاد وإفريقيا الوسطى والكونغو، منفذاً برياً إلى الشمال عبر مصر.
2 - مبادرات إقليمية سعودية:
وتتكامل إستراتيجية الموانئ السعودية مع نظيرتها المصرية على نحو واضح. فالخطة السعودية تستهدف ربط موانئ "جيزان ونيوم بالعين السخنة" لتصدير الأمونيا والأكسجين الأخضر والهيدروجين لأوروبا عبر "ميناء بورسعيد"، وربط الموانئ الصينية بموانئ "جدة والسخنة والعقبة" لتعزيز سلاسل الإمداد، ودعم قدراتها اللوجستية والتجارية والاستثمارية فى شرق إفريقيا بالتكامل مع مصر، وضمان أمن الملاحة فى البحر الأحمر.
وفى يونيو 2025، جرى توقيع الاتفاق المصري- السعودى على إنشاء خط "القطار السريع" من شرم الشيخ المصرية إلى رأس الشيخ حامد السعودية مارا بجزيرة تيران من خلال جسر عربى يربط بين آسيا وإفريقيا، بتكلفة تبلغ 4 مليارات دولار، ويغطى الجسر ما بين 7 و10 كيلومترات.
وقد استحوذت المملكة على ميناء "باجامويو" التنزانى فى فبراير 2025، ضمن مشروع "بوابة شرق إفريقيا".. تنزانيا بواجهتها البحرية على المحيط الهندى تعتبر بوابة شرق إفريقيا، وخلفها عدد من الدول الحبيسة "مالاوى، زامبيا، الكونغو، بوروندى، رواندا" التى تعتمد عليها كمنفذ بحرى رئيسى. والمتوقع أن تبدأ الرياض تشغيل ميناء "باجامويو" من 3 إلى 5 سنوات، بعد تشييد مركز لوجستى بالأرصفة والمستودعات وأنظمة الصيانة المتطورة، إضافة لمناطق صناعية وتجارية حرة توفر مزايا ضريبية وجمركية لجذب الشراكات.
وقبل شروع المملكة فى تنفيذ إستراتيجية الموانئ قامت بتطوير ميناء "جدة" وإطلاق خدمة الشحن البحرى، لترتفع الطاقة الاستيعابية للميناء إلى نحو 130 مليون طن/ عام، ويصبح أحد الموانئ الرائدة على البحر الأحمر. وفى 28 سبتمبر 2025، دشنت "هيئة موانئ جدة" خط ربط مباشر بميناء "بورتسودان"، بطاقة استيعابية تبلغ 1118 حاوية، ما يسمح باستقبال الحاويات القادمة مباشرة من الصين ودول آسيا إلى بورتسودان عبر ميناء "جدة".
وفى 30 أكتوبر 2025، حصلت المملكة على امتياز تطوير وتشغيل ميناء "تاجوراء" فى جيبوتى على البحر الأحمر لمدة 30 عامًا، الميناء يبعد 35 كيلومترًا شمال "جيبوتي" العاصمة، والشركة السعودية ستحول الميناء إلى محطة متعددة الأغراض بطاقة استيعابية أولية تبلغ 5 ملايين طن سنويًا، كما تشيد منطقة حرة لجذب الاستثمارات وتعزيز الخدمات اللوجستية.
وفى 8 ديسمبر 2025، وقّعت السعودية وقطر، اتفاقية تاريخية لإنشاء شبكة سكك حديدية فائقة السرعة تربط عاصمتى البلدين، وسيربط الخط مطار الملك سلمان الدولى فى الرياض بمطار حمد الدولى فى الدوحة. وسيمتد على مسافة 785 كيلومترًا، ومن المتوقع أن يشمل مدينتى الهفوف والدمام السعوديتين. ومن المتوقع إنجاز المشروع خلال 6 سنوات، وسيخدم 10 ملايين مسافر سنوياً. ومن المتوقع أن يُحقق المشروع أثراً اقتصادياً يُقارب 115 مليار ريال سعودى (30.64 مليار دولار أمريكي).
وفى 10 ديسمبر 2025، استضاف الأمير محمد بن سلمان الرئيس الإريترى أسياس أفورقى، فى إطار سعى المملكة لتنشيط دور "مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذى تأسس عام 2020 للحفاظ على أمن الممر المائى وحمايته من التهديدات، واستهدفت الزيارة تحقيق تكامل الخدمات اللوجستية بين موانئ البحر الأحمر وتعزيز التجارة الإقليمية والعالمية.
3 - ريادة إماراتية
وتعد دولة الإمارات العربية رائدة عربيا وشرق أوسطيا فى الاهتمام بمجال النقل والمواصلات، فمع تضاؤل ثرواتها الطبيعية من النفط والغاز، أصبحت تعتمد أساسا على نموذج اقتصادى مبنى على الاستثمار فى البنى التحتية واللوجستيات، كالموانئ الضخمة والمطارات، وعلى تجارة الترانزيت والسياحة والخدمات المالية والعقارات وغيرها، وأصبحت الإمارات، لاسيما دبى، مركزا لمكاتب آلاف الشركات العالمية لتسيير أعمالها فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وخلال العقد الأخير انتبهت دولة الإمارات إلى أهمية الاستجابة لتحدى المنافسة والسباق حول الموانئ البحرية، بغية تنويع مصادر الدخل، ووقف الاعتماد على النفط الذى يشكل 90% من مواردها.
وتحتل دولة الإمارات مركزاً تجارياً رئيساً إقليمياً قادراً على الوصول إلى أسواق تبلغ كثافتها السكانية مليارى نسمة، وتمتلك أكبر قاعدة لوجستية فى الشرق الأوسط، وأكبر طاقة استيعابية للموانئ والمطارات. وتستحوذ موانئ الإمارات على 60% من التجارة البحرية المتجهة لدول مجلس التعاون الخليجى، عبر 12 منفذاً بحرياً تجارياً بخلاف الموانئ النفطية.
وتحتضن الدولة 20 ميناء بحرياً متنوعاً، منها 13 ميناء دولياً، اثنان منها ضمن أكبر 50 ميناء للحاويات بالعالم، وفى الوقت الذى يعد فيه ميناء خليفة الأكثر حداثة وتطوراً على المستوى الإقليمى، يعتبر ميناء جبل على الأكبر بين سنغافورة شرقاً وروتردام غرباً. ويبلغ عدد المحطات والموانئ التى تديرها شركات موانئ إماراتية أكثر من 80 ميناءً ومحطة بحرية فى 6 قارات حول العالم، منها موانئ فى الولايات المتحدة وأوروبا.
ورغم أهمية هذه الجهود والمبادرات القطرية والثنائية الإقليمية، لكنها تبقى دون المأمول، فثمة ضرورة للنظر بجدية أكبر لخطورة وجسامة التحديات التى تفرضها مشروعات الممرات الاقتصادية العابرة للمنطقة العربية، فسباق الممرات الاقتصادية أكبر من كونه تجاريًّا، بل هو سياسى وإستراتيجى بامتياز، تستهدف به كل دولة وكل شريك مصالح خصومه، ومواجهة هذا التحدى بصورة جماعية وموحدة ودول العرب على قلب رجل واحد، تقلل من مخاطر هذه التحديات، سواء كانت جيو- إستراتيجية أو جيو- اقتصادية.
تجربة "إيلاف قريش"
حتى منتصف القرن الخامس الميلادى، كانت الجزيرة العربية تنقسم سياسياً إلى ثلاثة أقسام، مملكة حِميَر اليمنية فى الجنوب، تقاسى محاولات التغلغل الحبشى الذى تحول فيما بعد إلى احتلال كامل، وفى الشمال مملكتا الحيرة فى العراق التابع للفُرس والغساسنة فى الشام التابع لبيزنطة، وبين الجنوب والشمال مساحة تسكنها قبائل تأنف من الخضوع لنظام ملكى أو دولة خارجية مثل قريش فى مكة والأوس والخزرج بالمدينة وغيرها، أو تجمعات للأعراب يعيشون فى ضيق حال مما دفع كثيرا منهم لاحتراف حياة اللصوصية وقطع الطرق على القوافل. وبينما كان الجنوب ملتهباً بالصراع بين الحِميريين ودولة الحبشة (إثيوبيا) الغازية لليمن كان الشمال مشتعلاً بالحرب بين الفرس والبيزنطيين سواء بشكل مباشر أم من خلال "وكلائهم" الحيرة والغساسنة.
وبالتالى كان لا بد من طرف يستطيع أن "يؤلّف" كل الأطراف لضمان استمرار حركة التجارة وعدم تأثرها سلباً بعدم الاستقرار والاضطراب المستمرين، ومن هنا جاءت فكرة "الإيلاف" التى اضطلع بها هاشم بن عبد مناف، سيد قريش فى مكة، وتأمين قوافل التجارة من قطاع الطرق ونهب اللصوص وضمان استمرار الحركة التجارية.
وكان هاشم قد اعتاد السفر للتجارة فى الشام، سواء فى سوقها "غزة" أو أحياناً فى بعض أسواق الشمال مثل "بُصرى" الشام، وبعد بضعة لقاءات مع القيصر الذى أعجب بشخصيته، اقترح هاشم على الحاكم البيزنطى أن يمنحه كتاباً يفتح أسواق الشام أمام التجارة الآتية من مكة، وأن يمنح التجار المكيين تسهيلات فى المرور والتحرك بين المدن الشامية التى يحكمها البيزنطيون، وأن يَفِد التجار من رعايا بيزنطة على أسواق العرب بتجارتهم، على أن يضمن هاشم تأمين الطريق لتلك التجارة بين مكة والشام ذهاباً وإياباً، ومن هنا بدأت مكة تصبح مركزاً رئيسياً لتجارة الشام فى جزيرة العرب، بل صار التجار البيزنطيون يتوافدون عليها ويدفعون لسادتها ضريبة العُشر مقابل إتجارهم فى أسواقها وحصولهم على حق الحماية والخدمة.
ولما عاد هاشم من رحلته بهذا الكتاب ومر به على القبائل المسيطرة على طريق الشام - مكة، وقدم لكل منها عرضًا، وبالفعل حصل هاشم على موافقة زعماء القبائل على هذا الاتفاق، وتأكيد على عهد من زعماء القبائل. ومن هنا بدأت مكة تصبح مركزًا رئيسيًا لتجارة الشام فى جزيرة العرب، بل صار التجار البيزنطيون يتوافدون عليها ويدفعون لسادتها ضريبة العشر مقابل قيامهم بالتجارة فى أسواقها وحصولهم على حق الحماية والخدمة، وبعد وفاة هاشم استكمل باقى إخوته بنو عبد مناف، أى عبد شمس ونوفل والمطلب، مشروعه الكبير مع الحبشة وبلاد فارس وزعماء قبائل اليمن.، وبالفعل حصلوا منهم على عهد مشابه لعهد قيصر الروم مع هاشم وفتحت أسواق الحبشة والفرس واليمن أمام التجارة المكية.
ومن هنا صارت قريش تخرج رحلتين كبيرتين للتجارة، واحدة فى الصيف متوجهة إلى الشام والأخرى فى الشتاء ووجهتها اليمن وكانت القافلة تبلغ من 1500 إلى 2500 بعير، تتحرك فى العراق والشام واليمن والجزيرة محملة بالسلع الداخلية لجزيرة العرب كالأصواف والثياب والأسلحة والجلود، أو تلك المستوردة من خارجها كالعطور والبخور من الهند والمنسوجات الكتانية من مصر، وغيرها.
لقد مثل نظام "الإيلاف" قفزة للتجارة فى الجزيرة العربية، فقد أدى إلى ضمان عدم انقطاع السلع بسبب الحروب والنزاعات، حيث أصبحت مكة مركزاً وسيطاً بين القوى المتحاربة، دون تأثر بالمتغيرات السياسية. وقد أدى أيضاً إلى تسهيل تداول التجارات القادمة من خارج الجزيرة، فتجارة مصر كانت تأتى عبر الشام، وتجارة الحبشة عبر البحر الأحمر، وتجارة الهند عبر اليمن، وهكذا، مما أدى لارتفاع نشاط الموانئ بالذات على البحر الأحمر مثل ينبع وجدة، وسارعت بعض القبائل إلى طلب دخول الإيلاف أو الاستفادة منه حتى وإن لم تكن واقعة على طرق التجارة المعتادة، طمعاً منها فى الربح وكذلك للاستفادة من حماية قوافلها خلال مرورها بمناطق "الإيلاف"، ففتحت بذلك طرقاً وأسواقاً جديدة.
وقد ازدهرت مكة ازدهاراً تجارياً كبيراً قبل الإسلام، حتى أن المستشرق البلجيكى "هنرى لامنس" (1862 - 1937) فى كتابه (مكة والمدينة قبل الهجرة) قد اعتبر مكة ويثرب ومدنا أخرى فى الجزيرة العربية، عبارة عن مدن تجارية كمدن عصر النهضة الإيطالية فى القرن الرابع عشر قبل أن تتوحد جميعها فى دولة إيطاليا الموحدة فى القرن التاسع عشر، وأن مكة المكرمة "كانت مثل مدينة البندقية التجارية".
لقد كان الإيلاف قفزة واسعة، إذ إنه بدأ كمشروع مبتكر بمقاييس عصره بين طرفين هدفه خدمة قبيلة واحدة فى بلدة واحدة، ثم اتسع ليمثل شبكة تجارية واسعة ونشاطاً إنسانياً كبيراً تداخَل مع الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل عميق ومؤثّر، بل يمكن القول إن "الإيلاف" شكل البنية الاقتصادية التى اعتمدت عليها الدعوة المحمدية لتوحيد العرب سياسيا ودينيا بعد نحو أقل من قرن من تدشين "الإيلاف".
نحو "إيلاف لوجستى" عربى
تبدو الحاجة الآن ماسة لإعادة استنساخ تجربة "إيلاف قريش" بصورة عصرية تواكب الفرص والتحديات التى تطرحها الممرات الاقتصادية الحديثة، وربما تساعد بعض التغيرات الدراماتيكية الحاصلة فى المنطقة من فرص تبلور هكذا "إيلاف"، التى باتت تفرض على جميع القوى الإقليمية إعادة تقييم مواقعها وعلاقاتها سياسيا واقتصاديا للأسباب التالية:
1 - بعيداً عن الفوائد الاقتصادية للممرات، فإنها ترتب أيضا مخاطر محتملة. فقد تستغل القوى الكبرى الاستثمارات فى ممرات الطرق كوسيلة لتوسيع سيطرتها السياسية والتأثير على القرارات الإستراتيجية للحكومات المحلية. ويمكن أن تؤدى هذا التبعية إلى توترات جيو- سياسية جديدة، مما يجعل هذه الدول أكثر عرضة للضغوط السياسية الخارجية، وقد تنشأ التوترات ليس فقط بسبب التداعيات الاقتصادية، ولكن أيضا من المنافسة بين القوى الكبرى للسيطرة على الممرات، ويمكن أن تؤدى هذه المنافسة إلى عدم الاستقرار، حيث تضطر البلدان الصغيرة إلى الاختيار بين مصالح القوى المختلفة، مما قد يؤدى إلى زعزعة استقرار سياساتها الداخلية وعلاقاتها الدولية.
2 - تزايد المخاطر الجيو-سياسية المحيطة بمشاريع الربط العالمى، لاسيما مع امتداد آثار الحرب فى غزة منذ 7 أكتوبر 2023، عبر المنطقة، وقد عطّل الحوثيون بالفعل طرقًا بحرية حيوية كالبحر الأحمر، فى غضون ذلك، لا تزال خططٌ كبرى، مثل مشروع الممر الاقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذى أُعلن عنه بضجة كبيرة عام 2023، حبرًا على ورق، بعيدًا عن ترسيخ موطئ قدم قوى فى منطقة الشرق الأوسط. كما تتعثر مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، حيث تعطل مشروعها الرائد، الممر الاقتصادى الصينى الباكستانى (CPEC)، فى باكستان، بسبب الهجمات والتخريب الذى شنّه جيش تحرير بلوشستان (BLA)، ولا ننسى ممر النقل الدولى بين الشمال والجنوب (INSTC) الإيرانى، الذى تُقيّده العقوبات الغربية، ولا يحظى بجاذبية عالمية تُذكر.
3 - ليست مبالغة سياسية أو جيو- سياسية القول: إن سقوط النظام السورى فى 8 ديسمبر 2024 هو سقوط الجدار العازل بين سوريا التاريخية وفضائها الجيو- سياسى والجيو- اقتصادى، فسقوط نظام آل الأسد الذى دام نحو 50 عاماً، يفتح أبواب الجغرافيا السورية على مصراعيها من الرياض إلى حدود القوقاز، وصولاً إلى أوروبا، ويفسح المجال لإعادة النظر فى طريقة تشغيل خطوط نقل الطاقة من مناطق الإنتاج إلى سواحل التصدير، خصوصاً خط التابلاين من حفر الباطن فى السعودية إلى مصفاة الزهرانى فى جنوب لبنان، وأنبوب النفط العراقى من كركوك إلى مصفاة طرابلس فى شمال لبنان.
4 - تراجع التهديد الإيرانى وانهار الهلال الشيعى فى الشرق الأوسط، الذى كان يمتد من إيران والعراق إلى لبنان وسوريا، بل حتى إلى اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين، ولم تعد إيران القوة الإقليمية المهيمنة التى كانت تُزعزع استقرار منطقة المشرق العربى والجزيرة العربية، لقد تهاوت صورة الهلال الشيعى فى الشرق الأوسط، ولم تعد إيران القوة الصاعدة التى تُثير قلق الدول العربية الأخرى، إذ لم تكتفِ إسرائيل والولايات المتحدة بشنّ هجمات مباشرة على إيران وبرنامجها النووى فى يونيو 2025، ما أدى إلى شلّ قيادتها العسكرية والعلمية، فضلاً عن شبكة دفاعها الجوى، بل أضعفت أيضاً جميع حلفائها الإقليميين، بمن فيهم الأسد فى سوريا، وحزب الله فى لبنان، والحوثيون فى اليمن.
5 - تصاعد التهديد الإسرائيلى، وخلال حربها التى استمرت عامين فى أعقاب هجوم حماس فى 7 أكتوبر 2023، هاجمت إسرائيل 6 دول فى المنطقة: فلسطين، ولبنان، وسوريا، وإيران، واليمن، وحتى قطر، وقد تجرأت إسرائيل على شنّ ضربة صاروخية على قطر فى 9 سبتمبر 2025، على الرغم من استضافتها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط، وفى أوائل ديسمبر 2025، قال الأمير تركى الفيصل، رئيس المخابرات السعودية الأسبق، فى كلمة أمام مؤتمر معهد "ميلكن" البحثى الأمريكى، فى أبو ظبى: إن إسرائيل وليس إيران هى التهديد الأكبر للاستقرار الإقليمى، قائلا: "إسرائيل صانعة المشاكل ويجب على أمريكا كبح جماحها".
ومن ناحية أخرى، هناك تململت بعض العواصم العربية من تحويل إسرائيل إلى عقدة لوجستية لا يمكن تجاوزها، فثمة تحفظات عربية واسعة على جعل إسرائيل بوابة العبور الأساسية إلى أوروبا، وهو طرح لا تعارضه بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، التى ترى فى خط عبر سوريا ولبنان إمكانية لتقليل اعتماد الشرق الأوسط على موانئ إسرائيل. وقد عرضت فرنسا دعماً تقنياً لسيناريو "المسار الشمالي"، إدراكاً منها أن هذا المسار يزيد من حيوية شرق المتوسط الأوروبى ويمنح موانئه أهمية أكبر فى سلاسل التوريد.
"إيلاف" جديد.. عروبة اقتصادية
إن سباق اللوجستيات والممرات الاقتصادية صار اختبارًا لقدرة المنطقة العربية على تحويل موقعها الجغرافى من مكسب طبيعى إلى قوة إستراتيجية، إنها لحظة مفصلية تتيح للعرب أن يفرضوا أنفسهم فى قلب التوازنات الدولية، إن هم أعادوا ضبط استثماراتهم فى بوصلة منظوماتهم اللوجستية، وتعاونوا إقليميًا بدلًا من التنافس الضيق فيما بينهم، وبالتالى فإن العرب قد يكونون بحاجة ملحة لطرح مبادرة "جديدة وابتكارية" تستجيب لضروراتها الاقتصادية والسياسية.
وفى هذا الإطار، فإن ثمة ضرورة لـ"تحييد"، الخلافات السياسية الناشبة بين دول الدول العربية جانبا، فالأمر جد خطير، بل ربما يكون الاقتصاد أداة أكثر فاعلية فى "تقويم" سياسات دول بعينها اعتادت على التغريد خارج السرب العربى فى قضايا مهمة ومصيرية، فنجاح الاقتصاد يقود حتما إلى نجاح وتوافق فى السياسة والعكس غير صحيح، والأثر الإيجابى للاقتصاد على السياسة أكبر من الأثر الإيجابى للسياسة على الاقتصاد، فعندما تكون هناك مصالح اقتصادية وتجارية قوية، فإنها تؤثر إيجابياً فى العلاقات السياسية بين الدول.
ويرى المختصون فى المجال السياسى أن استخدام الدبلوماسية التجارية فى سياق إقليمى، تسهم فى بناء علاقات سياسية متميزة بين الدول الأعضاء فى الرابطة التجارية والاقتصادية، عبر تطوير وسائل وأساليب للتحكم فى الصراع الذى قد يقع بينها.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
تصريحات ترامب أثارت ردود فعل واسعة.. سيناريوهات الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند
هجرة وطلاق وانتحار داخل المجتمع الإسرائيلى.. حروب نتنياهو
من الهيمنة العابرة للقارات إلى إدارة النفوذ من بوابة الإقليم.. عالم ما بعد العولمة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام