رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
عمر الحامدى.. الفكرة حين تختبر لا حين تردد (2 من 3)
6-1-2026
|
20:31
إلهامى المليجى
إذا كانت بيروت قد كشفت لى عمر الحامدى بوصفه حامل فكرة، فإن طرابلس كشفت لى ما هو أعمق: حامل مسئولية. هناك، لم تعد القومية العربية خطابًا يُدافَع عنه فى المنابر، بل عبئًا أخلاقيًا يُحمَل فى التفاصيل، ومجال اختبار يومى بين ما ينبغى أن يكون، وما هو كائن بالفعل، بين الحلم كما يُتصوَّر، والعالم كما يُعاش.
كانت تلك لحظة عربية خاصة: الهزيمة لم تعد تُعلَن، لكنها لم تتوقف عن العمل. كانت تتحرك فى العمق، فى العلاقات، فى الشكوك، فى القطيعات الصغيرة التى تتراكم حتى تصير انكسارًا عامًا. وكانت السياسة قد غادرت منطق المشاريع الكبرى إلى منطق الإدارة الباردة للأزمات، بينما تُركت الأفكار القديمة - كالقومية والعدالة والتحرر - تبحث عن لغة جديدة لكى لا تموت.
فى هذا السياق بدا عمر الحامدى، كمن يمشى عكس التيار الخفى للزمن: لا يرفع صوته، ولا يطلب بطولة، لكنه يرفض أن يسمح للأفكار أن تتحول إلى أنقاض أخلاقية، وكان من القلة التى أدركت مبكرًا أن الصيغ لا تعيش أطول من شروطها التاريخية، وأن مؤتمر الشعب العربى، الذى وُلد فى لحظة مواجهة مع زيارة القدس، ثم مع مسار كامب ديفيد، أدّى دوره فى زمنه، لكنه لم يعد وحده قادرًا على احتواء مشهد عربى تغيّرت تركيبته، وتداخلت فاعلياته، وتكاثرت أسئلته.
وحين جاءت صيغة «ملتقى الحوار العربى الثورى الديمقراطى» محاولةً أكثر شمولًا، ضمّت إلى جانب القوى القومية والنقابات قوى الإسلام السياسى، لم يدخل فى سجال، ولم يتمسّك بالإطار القديم بوصفه قيمة فى ذاته، انسحب بهدوء - لا انسحابًا من الفكرة، بل انتقال داخلها - من التنظيم إلى الثقافة، ومن إدارة اللحظة إلى الاشتغال على المعنى الطويل.
هكذا انتقل إلى المجلس القومى للثقافة العربية، وتولّى مسئوليته، وأدّى من خلاله دورًا عميقًا فى خدمة الفكر القومى: كتابةً، وتنظيمًا، وتراكمًا بطيئًا للأفكار فى زمن لم يعد يحتمل الخطابات العالية، لكنه لا يزال يحتاج إلى من يحفظ المعنى من التبديد.
من هنا يبدأ هذا الجزء… حيث لا تُختبَر الفكرة فى صداماتها، بل فى قدرتها على أن تبقى إنسانية.
المشهد الثانى: حين تُصلِح الحكمة ما تُفسده السياسة
كان ذلك فى عام 1988. كنت فى زيارة إلى طرابلس، فى زمن كانت فيه العلاقات بين مصر وليبيا مقطوعة، فاضطررت أن أصل إليها عبر روما، كما لو أن الجغرافيا نفسها صارت تعكس القطيعة السياسية. وحين علم الراحل المناضل الكبير أحمد مجاهد - نائب رئيس حزب العمل الاشتراكى آنذاك - بالزيارة، حمّلنى رسالة إلى عمر الحامدي.
استقبلنى بودّ بالغ، بل أصرّ أن يدعونى إلى عشاء فى بيته، وكان اللقاء دافئًا خرج سريعًا من حدود المجاملة إلى مساحة الحديث الحقيقي: سياسة، ثقافة، معنى القومية، وما تبقّى منها بعد كل ما جرى. سألنى عمّا يُقال فى القاهرة، وما يُفكَّر فيه فى بيروت، ومن التقيت قبل أن ألتقيه، كأنه يرسم خريطة للزمن عبر الأشخاص.
وخلال ذلك العشاء، قال لى - بهدوئه الذى لا يشى بالاندفاع ولا يخلو من الحسم - إن ثمة مؤشرات جدّية على قرب فكّ تجميد العلاقات بين ليبيا ومصر. لم يقدّم الأمر بوصفه خبرًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفه ضرورة تاريخية، قال إن القطيعة مع مصر لم تكن شأنًا ثنائيًا، بل كانت لها انعكاسات سلبية على مجمل الجسد العربى، وإن استمرارها يضعف الجميع ولا يحمى أحدًا.
كان هذا، فى حينه، موقفًا شجاعًا لا يُجاهر به إلا القليل داخل ليبيا، خصوصًا من أولئك الذين كانوا مؤمنين بالفكر القومى قبل انطلاق ثورة الفاتح نفسها، وهو ما جعلهم يدعمونها فى بداياتها، وينخرطون فى مؤسساتها - من الاتحاد الاشتراكى إلى المؤتمرات الشعبية - بوصفها أفقًا لتحقيق ذلك الحلم لا بديلًا عنه، ثم ظلّوا بعد ذلك أوفياء للفكرة لا للسلطة.
وقد بدا واضحًا أن الحامدى واحد من هؤلاء. لم يكن يرى فى العروبة شعارًا يُرفَع، بل ميزان تُوزَن به السياسات: ما يقوّى المجال العربى فهو صائب، وما يضعفه - مهما بدا وطنيًا فى الظاهر - هو خطأ تاريخى، عروبيته لم تكن حنينًا إلى زمن مضى، بل وعى حاضر يشتغل فى اللحظة، ويستشرف ما بعدها.
فى إحدى أمسيات طرابلس، وبينما كنت عائدًا إلى الفندق الكبير حيث أقيم، سمعت صوتًا ينادينى باسمى عبر ضجيج القاعة، التفتُّ، فإذا بعمر الحامدى جالسًا مع جمع من الشخصيات، بينهم أحمد مجاهد، أشار إليّ أن أنضم إليهم، وما إن جلست حتى قال - بصوته الهادئ الذى لا يخطئ حدسه:
«ألاحظ أن ثمة برودًا - إن لم يكن قطيعة - فى علاقتك بالأستاذ أحمد»
فوجئتُ، أنكرتُ فورًا، وقلت إن أحمد مجاهد بالنسبة لى يظل أستاذًا، حتى إن اختلفنا سياسيًا. وكان هذا صحيحًا - لكن ليس كاملًا، فالحقيقة التى لم أكن قد قلتها لأحد أن أزمة كانت قد وقعت بالفعل، وتركت فى العلاقة شيئًا من الكدر لم أجد له اسمًا ولا رغبت فى الاعتراف به.
لم يعلّق الحامدى، لم يُحرج، ولم يستجوب، ولم يُلحّ، اكتفى بابتسامته الصغيرة - تلك التى لا تكشف كل ما تعرفه - ثم واصل الحديث كأن شيئًا لم يكن.
بعد دقائق صعدتُ إلى غرفتى، وبعد قليل فقط سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فتحت، فإذا بأحمد مجاهد يقف أمامى، جلسنا طويلًا، تحدثنا عمّا كان مسكوتًا عنه، عمّا تراكم ولم يُقَل، وانتهى اللقاء وقد عادت العلاقة إلى صفائها القديم.
لم يقل الحامدى كلمة واحدة، ولم ينسب لنفسه فضلًا، ولم يترك خلفه أثرًا يُرى، لكنه كان قد فعل ما يفعله القلّة، حين يبلغون من الحكمة حدّ الصمت: رأى ما لا يُقال، ولمس ما لا يُعلن، وتدخّل فى اللحظة الفاصلة بين الانكسار والترميم، من دون أن يضع نفسه فى مركز المشهد، ولا أن يطلب اعترافًا.
كانت تلك الواقعة الصغيرة - فى ظاهرها - لحظة كاشفة فى معناها: لم يكن يرى السياسة صراع مواقع، بل مسئولية أخلاقية تُمارَس فى الهامش قبل أن تُعلَن فى المتن؛ ولم يكن يرى الفكرة برنامجًا يُعلَّق على الجدران، بل سلوك يومى يُختبَر فى أدق العلاقات وأكثرها هشاشة.
من الإصلاح الصامت إلى امتحان الزمن
لم تكن تلك الواقعة تفصيلًا عابرًا، بل كانت خلاصة طريقته فى الوقوف داخل الزمن العربى: لا من موقع الصدام، ولا من موقع الانسحاب، بل من موقع الإصلاح الصامت الذى يعمل حيث لا تصل الشعارات، ويشتغل حيث تفشل البيانات، ويتقدّم ببطء ضد منطق التآكل.
كان يدرك أن الأفكار لا تموت حين تُهزَم، بل حين تُهمل، وأن أخطر ما يصيبها ليس السقوط المدوى، بل الذبول الصامت حين تتحول إلى خصومات، وقطيعات، وبرودة إنسانية تُفرغها من معناها قبل أن تُفرغها من مضمونها، وتجعلها تعيش - إن عاشت - بلا روح.
لكن طرابلس لم تكن سوى محطة فى هذا المسار، بعدها ستأتى القاهرة - لا كمكان للراحة، بل كساحة للصبر - حيث تختبر الفكرة قدرتها على العيش فى الزمن الطويل، خارج الضوء، وخارج المؤسسة، وخارج لحظة الفعل السريع.
هناك سيصير الإصلاح الصامت نمط حياة، لا مجرّد واقعة.
الخاتمة
هناك سيأخذ السؤال شكلًا آخر، أعمق وأثقل: كيف تعيش الفكرة حين لا تعود لها دولة تسندها، ولا منبر يرفعها، ولا جمهور يردّدها - بل فقط قلة ترفض أن تتركها تموت؟
ذلك هو مشهد الجزء الثالث.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
عمر الحامدى.. بقايا الضوء فى زمن الانطفاء (3-3)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام