رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
خرائط القوة تعاد صياغتها.. العالم يفقد البوصلة النووية!
6-1-2026
|
20:34
هانى فاروق
فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها النظام الدولى، عاد السلاح النووى إلى صدارة النقاشات الإستراتيجية بعد عقود من الاعتقاد بأن خطره بات مُدارًا عبر اتفاقات الردع والحد من التسلح، ويكتسب هذا الجدل زخمًا جديدًا مع تأكيد الولايات المتحدة أن الصين نشرت نحو 100 رأس نووى على صواريخها، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان العالم على أعتاب تعددية نووية جديدة، أم أنه يشهد مجرد إعادة تموضع للقوة فى إطار نظام عالمى يتجه نحو التعددية القطبية.
فى هذا السياق، تتقاطع أسئلة تراجع أو تصاعد القدرات النووية للدول التسع المالكة للسلاح النووى، مع فرص نجاح الرؤى الداعية إلى خفض الترسانات، وعلى رأسها رؤية الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، كما يبرز التساؤل حول مدى استعداد دول مثل الصين وكوريا الشمالية، للانخراط فى مسارات ضبط التسلح، فى عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، وتتآكل فيه منظومات الثقة، ويصبح فيه خطر الانهيار حاضرًا بقوة فى حسابات الأمن الدولى.
تؤكد الدكتورة بروك تايلور، الخبيرة فى برنامج الأمن النووى، المؤسس والرئيس التنفيذى لمؤسسة "الدفاع عن وطننا" بالولايات المتحدة الأمريكية، والمرشحة السابقة للكونجرس الأمريكى، أن التساؤل حول ما إذا كان العالم يشهد سباق تسلح نوويًا جديدًا، أم مجرد إعادة تموضع وتوزيع للقوة، مطروح منذ فترة طويلة أمام صناع القرار والخبراء.
وأوضحت أن الحرب الباردة، كانت تقوم على قوتين نوويتين رئيسيتين فقط، هما الولايات المتحدة وروسيا، بينما يشهد العالم اليوم صعود الصين كقوة نووية، إلى جانب طموحات إيران، ووجود دول نووية أخرى مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان، مضيفة أن القدرات النووية بالفعل شهدت انتشارًا، لكن توزيع القوة العالمية لم يتغير فعليًا، مؤكدة أن الولايات المتحدة، لا تزال القوة العالمية الأولى من حيث التفوق العسكرى والنفوذ الاقتصادي، والقيادة السياسية.
وشددت على أن طبيعة النظام الديمقراطى الأمريكى، القائم على السوق الحرة والمجتمع المفتوح، تتيح الابتكار والتقدم المستمر، وهو ما لا يتوافر فى الأنظمة السلطوية الأخرى المالكة للسلاح النووى، مشيرة إلى أن امتلاك دول أخرى لقدرات نووية لا يعنى بالضرورة إعادة توازن القوة أو نقلها بعيدًا عن الولايات المتحدة، موضحة أن بعض الدول النووية أخفقت فى إدراك أن الردع الإستراتيجى، يهدف أساسًا إلى الحفاظ على السلام وتحقيق الازدهار، وليس التهديد بالحرب أو الصراع.
احذروا "البجعة السوداء"
وفيما يتعلق بتوسع الترسانات النووية، رأت تايلور أن تقييم توازن الردع يتطلب النظر إلى ثلاثة عناصر أساسية: المصداقية، والقدرة التدميرية، واليقين، مؤكدة أن الهدف الأساسى للردع النووى هو منع الهجوم، وليس خوض الحرب، مضيفة أن القدرات النووية لا يمكن قياسها أو مقارنتها على قدم المساواة من حيث الفاعلية الدفاعية أو الهجومية.
وأكدت أن الولايات المتحدة، تظل الدولة الأكثر تفوقًا من حيث القدرات النووية والتكنولوجية بين جميع الدول المالكة للسلاح النووى، معتبرة أن القوة النووية الأمريكية، تعزز السلام من خلال الردع القائم على القوة مضيفة أن الردع الإستراتيجى، وكذلك الردع الممتد عبر المظلة النووية التى توفرها واشنطن لحلفائها، يشكلان حجر الزاوية فى الحفاظ على توازن الردع العالمى، مشددة على أن هذا التوازن لم يتغير برغم سعى دول أخرى لامتلاك أسلحة نووية.
وعن أخطر السيناريوهات فى حال غياب اتفاقات الحد من التسلح، أوضحت تايلور، أن تحليل السيناريوهات المستقبلية عملية معقدة، تُستخدم لتقييم احتمالات مستقبل غير مؤكد، قائلة إن تصور عالم بلا اتفاقات لضبط التسلح يعنى عالمًا بلا قيود أو أطر تحكم استخدام أسلحة ذات قدرات وجودية، وهو عالم بالغ الخطورة وغير مرجح فى الوقت ذاته.
وأضافت أن المشهد الجيوسياسى قد يتغير، وأن اتفاقات ضبط التسلح قد تتكيف مع هذه التغيرات، لكنها استبعدت أن يصل العالم إلى مرحلة انعدام الحوكمة النووية بالكامل، مشددة أن على الدول النووية وغير النووية على حد سواء ألا تسعى إلى إضعاف أو إلغاء هذه الاتفاقات، بل يجب إلزام جميع الأطراف بالالتزام بالقواعد المتفق عليها، باعتبارها صمامات أمان تضمن السلام والمساءلة.
وحول تأثير التوترات فى تايوان وشبه الجزيرة الكورية على المشهد النووي، أكدت تايلور أن سيادة كل من تايوان وكوريا الجنوبية مسألة جوهرية للعالم الحر. وأشارت إلى أن التوترات مع الصين وكوريا الشمالية تستوجب دبلوماسية فاعلة قادرة على التفاوض وخفض التصعيد، موضحة أن هذا الملف يتطلب تنسيقا واسعا بين الولايات المتحدة وحلفائها فى آسيا ومنطقة المحيطين الهندى والهادئ.
وأضافت أنه عند النظر إلى العالم بصورة شاملة، يمكن ملاحظة توجه عام نحو السلام، كما حدث فى الشرق الأوسط، مع توقعات بأن يمتد هذا الاتجاه إلى أوروبا الشرقية، مشيرة إلى أن قادة مثل: شى جين بينج وكيم جونج أون، يدركون اهتمام المجتمع الدولى بإحلال السلام، لافتة النظر فى الوقت نفسه إلى أن التجربة الروسية فى أوكرانيا أظهرت أن العمليات العسكرية قد تُواجه بالردع والاحتواء ولا تحقق أهدافها بسهولة فى بيئة الحروب الحديثة، وهو ما من شأنه أن يحد من التصعيد النووي.
وفيما يخص كوريا الشمالية، أكدت تايلور أن بيونج يانج تواصل، تحت قيادة كيم جونج أون، إطلاق صواريخ بعيدة المدى تحت مسمى «اختبارات الردع النووي»، معتبرة أن هذه الاختبارات تُعد عاملًا لزعزعة الاستقرار فى شبه الجزيرة الكورية، وتعكس الفارق بين نظرة الأنظمة السلطوية والديمقراطيات لمفهوم الردع.
وأوضحت أن الردع النووى بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها هو أداة ضبط وانضباط، مقترنة بالمسئولية والمساءلة للحفاظ على السلام، بينما يُستخدم الردع النووى فى كوريا الشمالية كأداة استعراض عسكرى وخلق حالة من عدم الاستقرار، مشيرة إلى أن الرئيس دونالد ترامب أتيحت له فرصة، سواء خلال ولايته الأولى أم فى الإدارة الحالية، للانخراط دبلوماسيًا مع كوريا الشمالية للحد من الاختبارات النووية.
وبشأن أهمية استمرار الحوار الأمريكي–الإيرانى حول البرنامج النووى الإيراني، أوضحت تايلور أن عملية «مطرقة منتصف الليل» بعثت برسالة واضحة عززت الموقف الدبلوماسى الأمريكى تجاه إيران فيما يتعلق بالتخصيب والبرنامج النووي، مضيفة أن العملية اتسمت بدرجة عالية من السرية والدقة، وأظهرت أن واشنطن منفتحة على الحلول الدبلوماسية، لكنها لا تكشف عن خططها العسكرية.
وأكدت أن إيران لا ينبغى أن تمتلك برنامجًا نوويًا أو قدرة على تخصيب اليورانيوم، مشددة على ضرورة أن تواصل الولايات المتحدة إيصال هذه الرسالة دبلوماسيًا، مع الاستعداد لتعزيزها عسكريًا إذا واصلت طهران السعى لامتلاك قدرات نووية.
وفيما يتعلق بالحرب الروسية – الأوكرانية، رأت تايلور أن فرص التوصل إلى تسوية سلمية باتت أقرب من أى وقت مضى، بفضل المفاوضات والوساطة الأمريكية. مؤكدة أن اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يتماشى مع أهداف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، مشددة على أن الخوف أو الأمل وحدهما لا يصنعان إستراتيجية مستقبلية، بل التعلم من دروس الماضى وبناء عالم أكثر أمنًا وازدهارًا.
وأضافت أن مسئولية القادة، سواء كانوا منتخبين أم معينين، هى وضع السياسات وتطبيق سيادة القانون، معتبرة أن الحرب الروسية–الأوكرانية تعكس صدامًا أيديولوجيًا وثقافيًا لم يخدم المصالح الوطنية فى أوروبا الشرقية، وأكدت أن الأولوية بعد التوصل إلى السلام يجب أن تكون لإعادة الإعمار، لا لتوسيع الصراعات العالمية.
وحول أخطر السيناريوهات خلال السنوات الخمس المقبلة، حذرت تايلور من «أحداث البجعة السوداء»، ووصفتها بأنها الأكثر خطورة نظرًا لكونها غير متوقعة وعميقة الأثر، موضحة أن التعامل مع هذه السيناريوهات يتطلب مقاربة شاملة تشمل الأدوات الدبلوماسية والمعلوماتية والعسكرية والاقتصادية، بما يسمح بتقليل الأضرار الاجتماعية والسياسية والبيئية والتكنولوجية.
وختمت بالقول: إن بعض سيناريوهات «البجعة السوداء» قد تكون ناتجة عن كوارث طبيعية أو «أفعال إلهية»، وهو ما يعزز الحاجة إلى تعاون دولى أوسع، والعمل المشترك بين الدول للحد من الأضرار وبناء شراكات حقيقية بين أدوات القوة الوطنية.
"الناتو" تحالف نووي
قال نيكولاس ويليامز، المسئول السابق فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، إن الحلف كان منذ تأسيسه عام1949 تحالفًا نوويًا فى جوهره، مؤكدًا أن الأسلحة النووية شكّلت خلال الحرب الباردة حجر الأساس فى منظومة الردع الغربية، عبر الضمانة الأمنية التى قدمتها الولايات المتحدة لأوروبا فى مواجهة الاتحاد السوفيتي.
وأضاف ويليامز أن البيئة الأمنية فى أوروبا اليوم أصبحت أكثر خطورة وتعقيدًا من أى وقت مضى، ما جعل اعتماد الأوروبيين على الناتو وعلى الأسلحة النووية الأمريكية يتزايد بدلًا من أن يتراجع، لكنه أشار فى المقابل إلى أن هذا الاعتماد بات محفوفًا بالقلق، بعدما أثار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب شكوكًا عميقة بشأن التزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا.
وأوضح أن تشكيك ترامب فى المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التى تنص على أن أى هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع الأعضاء، أحدث صدمة إستراتيجية داخل العواصم الأوروبية الكبرى، ودفعها إلى إعادة التفكير فى كيفية تعزيز الردع النووي، حتى فى حال غياب الدعم الأمريكي.
وبيّن ويليامز أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا دخلت بالفعل فى مناقشات حول إمكانية إنشاء ردع نووى أوروبى خالص، لكنه استدرك قائلًا: إن هذه النقاشات لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج واضحة، مؤكدا أن المملكة المتحدة تدرس زيادة قدراتها النووية، بما فى ذلك إدخال أسلحة نووية قصيرة المدى، فيما ألمحت فرنسا إلى استعدادها للنظر فى توسيع مظلتها النووية لتشمل الاتحاد الأوروبى بأكمله.
ومع ذلك، شدد المسئول السابق فى الناتو على أن الواقع السياسى والإستراتيجى يؤكد أن الأوروبيين لن يتمكنوا، لا من حيث الإمكانات ولا من حيث الإرادة السياسية، من تعويض الضمانة النووية الأمريكية.
وأكد ويليامز أن العالم يشهد تعددية نووية جديدة، بعد تأكيد الولايات المتحدة أن الصين نشرت 100 رأس نووى على صواريخها، موضحًا أن العلاقة بين واشنطن وبكين تتجه نحو التوازن النووي، مضيفا أن الشراكة الروسية–الصينية الموصوفة بأنها «بلا حدود» ستؤدى إلى ترجيح كفة الصين إستراتيجيًا، على حساب الولايات المتحدة وأوروبا.
أما عن احتمال تراجع القدرات النووية للدول التسع المالكة للسلاح النووي، فيؤكد ويليامز أن هذا السيناريو غير وارد، مفسرًا ذلك بحالة عدم اليقين التى تسيطر على التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، ما سيدفع الأوروبيين إلى البحث عن وسائل جديدة لتعزيز الردع فى مواجهة روسيا، مشيرا إلى أن بريطانيا بدأت بالفعل فى دراسة خيارات زيادة قدراتها النووية، لافتًا النظر إلى أن بقية الدول النووية لن تقدم على تقليص ترساناتها طالما ترى فى السلاح النووى أداة ردع أساسية، كما هى الحال فى التوازن بين باكستان والهند، أوبين إسرائيل وإيران.
وحول إمكانية نجاح رؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لتقليص الأسلحة النووية، وإمكانية انضمام دول مثل الصين وكوريا الشمالية إلى جهود خفض عدد ونوعية هذه الأسلحة، يؤكد نيكولاس ويليامز أن هذه الرؤية غير قابلة للتحقق، معتبرًا أن السعى للقضاء على الأسلحة النووية أصبح اليوم أكثر عبثية مما كان عليه فى ثمانينيات القرن الماضي، حين ناقش رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف هذا الهدف، مضيفا أن الأسلحة النووية لا يمكن «إلغاء اختراعها»، لأن المعرفة والخبرة اللازمة لإنتاجها ستظلان متاحتين دائمًا للدول التى تمتلك الإمكانات.
ورغم التكلفة الباهظة لإنتاج هذه الأسلحة وصيانتها وتأمينها، أشار إلى أن تزايد الانتشار النووي، بالتوازى مع تراجع دور الولايات المتحدة كشرطى للعالم، سيدفع عددًا متزايدًا من الدول إلى التفكير فى امتلاك السلاح النووى.
وحول ما إذا كان العالم يشهد سباق تسلح نوويًا جديدًا أم مجرد إعادة توزيع للقوة، أوضح ويليامز أن الأوروبيين يبذلون جهودًا حثيثة لمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، إدراكًا منهم أن امتلاك طهران للسلاح النووى سيغير جذريًا ميزان القوى فى الشرق الأوسط، وبالتالى على المستوى العالمي، مشيرا إلى أن الصين وروسيا تُعدان حليفين لإيران، لكن عودة طهران إلى المعسكر الغربي، فى ظل ضمانات أمنية أمريكية، من شأنها تقليص مخاطر الشراكة الصينية – الروسية.
وحذّر ويليامز من أن أخطر سيناريو فى غياب اتفاقيات ضبط التسلح يتمثل فى الوضع القائم فى أوكرانيا، معتبرًا أنه السيناريو الأكثر خطورة لاحتمال استخدام السلاح النووي، قائلا: إن استمرار التقدم الروسى البطيء فى شرق أوكرانيا سيضع الأوروبيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التدخل العسكرى المباشر عبر القوة الجوية، أو الضغط على الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى لقبول الشروط الروسية، وهو خيار غير مقبول أوروبيًا، وقد يقود إلى تصعيد خطير يشمل احتمال استخدام روسيا للسلاح النووي.
وعن أسباب رفض الصين الانضمام إلى اتفاقيات خفض الأسلحة النووية، قال ويليامز: إن بكين ترى نفسها فى مرحلة اللحاق بالقوى النووية الكبرى، ولن تشارك فى مثل هذه المفاوضات إلا عندما تشعر بأنها طرف مساوٍ ومُعترف به، مضيفًا أنها لا ترغب فى تكريس تفوق نووى أمريكى أو روسى عليها.
وفيما يخص مستقبل نزع السلاح النووي، أشار إلى أن نحو 70 دولة غير نووية وقعت على معاهدة حظر الأسلحة النووية، سعيًا لاستخدام القانون الدولى والضغط الأخلاقى لحظر هذه الأسلحة، إلا أن أيا من الدول النووية التسع لم ينضم إليها، كما رفضت دول الناتو والدول الواقعة تحت المظلة النووية الأمريكية التوقيع، بدعوى أن الردع النووى لا يزال ضرورة أمنية.
وخلص ويليامز إلى أن العالم بات أقرب إلى الفوضى النووية منه إلى الضبط النووي، معتبرًا أن ذلك انعكاس مباشر لحالة الفوضى المتنامية فى النظام الدولي.
وأكد أن إقناع كوريا الشمالية بالتخلى عن سلاحها النووى أمر غير ممكن، لأن هذه الأسلحة تمثل بالنسبة للنظام الكورى الشمالى ضمانة مطلقة لبقائه فى مواجهة كوريا جنوبية أكثر نجاحًا ومدعومة من الولايات المتحدة.
وفى ختام تصريحاته، رأى نيكولاس ويليامز أن استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية دون تسوية سلمية قد يشكل شرارة لصراع أوسع وتهديد نووى حقيقي، خصوصا فى ظل المخاوف الأوروبية من عدوان روسى محتمل خلال السنوات المقبلة، مضيفا أن أخطر سيناريو خلال السنوات الخمس المقبلة يتمثل فى استمرار تراجع النفوذ الأمريكى عالميًا، ما سيؤدى إلى بؤر فوضى إقليمية، خصوصًا فى الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تتقاطع مخاوف إسرائيل الوجودية مع طموحات إيران النووية، فى بيئة دولية قد تعجز فيها القوى الكبرى عن السيطرة على مسار الصراع.
"ستارت" نقطة تحول
بينما قال ألكسندر زاسبكين، الدبلوماسى الروسى السابق، إن سباق التسلح النووى لا يزال يُعد جزءًا أساسيًا من سباق التسلح العالمى بشكل عام، مؤكدًا أن هذا السباق يمر حاليًا بمرحلة انتقالية معقدة، نتيجة التغيرات النوعية المتسارعة التى تشهدها مجالات تحديث القنابل النووية والصواريخ، وتطوير وسائل الرقابة والإنذار، إلى جانب ظهور أنواع جديدة من الأسلحة، وزيادة الترسانات النووية لدى عدد من الدول، فضلًا عن خطط نشر الأسلحة النووية فى الفضاء.
وأوضح زاسبكين أن هذه التطورات تطرح تساؤلًا محوريًا أمام المجتمع الدولي، يتمثل فيما إذا كان سباق التسلح سيتقدم بصورة عشوائية وغير منضبطة، أم أنه لا يزال من الممكن التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات دولية قادرة على وضع حد له، وإعادة إرساء نوع من التوازن يمنع الانزلاق نحو حرب نووية شاملة.
وأشار فى هذا السياق إلى الأهمية الخاصة لمعاهدة «ستارت» الروسية–الأمريكية، معتبرًا أنها لا تزال المعاهدة الوحيدة المتبقية التى تهدف إلى الحد من سباق التسلح النووى، مضيفا أن تمديد هذه المعاهدة، كما اقترحت روسيا من قبل، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية فى طبيعة العلاقات بين موسكو وواشنطن، ويفتح الباب أمام توسيع دائرة الدول المشاركة فى مفاوضات الحد من التسلح، فضلًا عن تطوير أجندة تفاوضية أشمل وأكثر شمولًا.
وشدد زاسبكين على أنه لا يمكن تحقيق تقدم فعلى فى ملف الحد من سباق التسلح من دون التطرق الجاد إلى مسألة نظام الأمن الدولي، موضحًا أن هذا الملف يمثل جوهر الإشكالية وليس مجرد عنصر فرعى فيها، معتبرا أن الطريق الأكثر واقعية لتحقيق هذا الهدف يتمثل فى إيجاد حل للنزاع القائم على الساحة الأوكرانية، مؤكدًا أن تسوية هذا الصراع من شأنها تنقية الأجواء الدولية وفتح المجال أمام تعاون دولى أوسع لإقامة نظام أمن عالمى قائم على مبدأ المساواة، وضمان أمن جميع الأطراف دون أن يكون ذلك على حساب طرف آخر.
وأضاف زاسبكين، أن بلاده، وفى إطار اهتمامها بالحوار مع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تبدى استعدادًا فى الوقت ذاته لاستعادة الحوار مع أوروبا، مؤكدًا أن روسيا لا تسعى فى أى حال من الأحوال إلى صدام مباشر مع الدول الأوروبية.
وانتقد زاسبكين ما وصفه بـ«الادعاءات» الصادرة عن بعض القادة الأوروبيين بشأن وجود نيات عدوانية روسية تجاه أوروبا، معتبرًا أنها مجرد اختلاقات تهدف إلى صرف انتباه الرأى العام الأوروبى عن إخفاقات حكوماتهم فى إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.
وأكد فى هذا السياق أن اندلاع حرب كبرى فى أوروبا يظل أمرًا مستبعدًا، مشددًا على أن أى تصعيد محتمل أو استفزازى ستكون مسئوليته، بحسب تعبيره، على عاتق القادة الأوروبيين ذوى التوجهات المعادية لروسيا، الذين يواصلون تغذية أجواء التوتر بدلًا من السعى إلى التهدئة والحوار.
حقبة تقترب من نهايتها
ويؤكد إيفان يواس، مستشار السياسات الخارجية فى المعهد الوطنى للدراسات الإستراتيجية فى كييف، أن قراءة المشهد الدولى الحالى تكشف عن شعور حقيقى ومتنامٍ لدى القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، بأن الحقبة التى تلت الحرب العالمية الثانية، التى اتسمت بتوازن نسبى وتجنّبا لمواجهات الكبرى، تقترب من نهايتها، مشيرًا إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عما عاشه طوال العقود الماضية.
وقال إن هذا الإدراك يدفع العديد من الدول الكبرى إلى التفكير فى إعادة ترتيب النظام الدولى، بل وإعادة تقسيم مناطق النفوذ، موضحًا أن العودة إلى سباق التسلح لم تعد مجرد احتمال، بل واقع يتشكل بالفعل، ليس فقط عبر زيادة عدد الرؤوس النووية أو الصواريخ الباليستية، وإنما أيضًا من خلال تطوير أنواع جديدة من الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وأضاف أن هذا التحول يعكس تراجع دور الدبلوماسية مقابل تصاعد الدور العسكرى، لافتًا النظر إلى أن منطق القوة بات يُنظر إليه اليوم بوصفه أكثر فاعلية من الحوار السياسى، وهو أمر أصبح جزءًا من الواقع الدولي، سواء كان العالم مستعدًا للاعتراف بذلك أم لا، مشيرا إلى أنه لا يرى أى مؤشرات حقيقية على إمكانية تراجع الترسانات النووية عالميًا، موضحًا أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا قدّمت درسًا قاسيًا للمجتمع الدولى بأسره، حين تخلّت أوكرانيا عام 1994، عن سلاحها النووى وسلمته إلى روسيا مقابل ضمانات أمنية تتعلق بوحدة أراضيها وسيادتها، مضيفا أن النتائج جاءت معاكسة تمامًا لتلك الضمانات، حيث بدأت روسيا فى عام 2014 بضم أجزاء من الأراضى الأوكرانية، قبل أن تطلق فى عام 2022 حربًا شاملة ضد أوكرانيا، متسائلًا عما إذا كان هذا السيناريو كان ليحدث لو احتفظت كييف بترسانتها النووية، ومؤكدًا أنه ليس واثقًا من ذلك.
وأكد يواس أن هذه التجربة لم تكن درسًا لأوكرانيا وحدها، بل للعالم بأسره، إذ ترسّخ لدى العديد من الدول اقتناع بأن امتلاك السلاح النووى يشكل الضمانة القصوى للأمن القومى، وأن التخلى عنه يعنى تقليص تلك الضمانات إلى حد خطير.
ويرى أن أى دولة تُقدم على تقليص قدراتها النووية، إنما تُضعف من موقعها الأمنى، وهو ما لا ترغب فيه أى دولة، مشددًا على ألا أحد مستعد للتضحية بأمنه الذاتى أو اتخاذ خطوات قد تجعله عرضة للتهديد أو الابتزاز العسكرى، مضيفا أن هذا الواقع يدفعه للاعتقاد بأن العالم لن يشهد انخفاضًا فى عدد الأسلحة النووية، بل على العكس، قد نشهد خلال المستقبل القريب زيادة فى عدد الدول التى تسعى لامتلاك هذا النوع من السلاح، فى ظل تصاعد التوترات والشعور بقرب اندلاع صراعات جديدة.
وأوضح إيفان يواس أن ازدياد الشعور العالمى بعدم الاستقرار، وتنامى احتمالات اندلاع نزاعات عسكرية واسعة، سيؤديان حتمًا إلى تعزيز الترسانات النووية لدى الدول المختلفة، باعتبارها الوسيلة الوحيدة التى ترى فيها تلك الدول ضمانًا حقيقيًا لأمنها.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
تصريحات ترامب أثارت ردود فعل واسعة.. سيناريوهات الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند
هجرة وطلاق وانتحار داخل المجتمع الإسرائيلى.. حروب نتنياهو
من الهيمنة العابرة للقارات إلى إدارة النفوذ من بوابة الإقليم.. عالم ما بعد العولمة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام