رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
مقالات
«مصر.. أصل الحضارة» عصر الأسرات الأولى (3)
6-1-2026
|
20:36
د.عمرو بسطويسى
تحدثنا فى المقالين السابقين من سلسلة «مصر.. أصل الحضارة» عن التسلسل الزمنى لتاريخ مصر القديمة بشكلٍ عام، ثم عن عصر «ما قبل الأسرات»، وهنا سنتحدث عن عصر الأسرات الأولى (Early Dynastic Period) (2575-2920 ق.م) والذى يعتبر المرحلة التأسيسية للتاريخ المصرى القديم ولمصر التى سبقت غيرها «كدولة»، وتضم هذه الفترة المهمة، الأسر الأولى والثانية والثالثة، وقد شهد ذلك العصر ميلاد دولة مركزية وحَّدت التجمعات السياسية السابقة فى كيانٍ إدارى واحد.
ويبدأ عصر الأسرات الأولى تقليديا بالملك منى أو مينا (Menes / Mena)، موحِّد القطرين فى الذاكرة التاريخية المصرية، وهو اسمٌ رمزى يُرجّح أنه يُعبّر عن شخصية مؤسس الدولة، سواء كان الملك نارمر (Narmer)، صاحب لوحة التوحيد الشهيرة، أم خليفته حور - عحا (Hor-Aha)، الذى ترتبط به أقدم المقابر الملكية المؤكدة، التى تقع فى جبانة أمّ القعاب (Umm el-Qa‘ab) جنوب أبيدوس والواقعة اليوم فى البلينا (سوهاج).
تميز هذا العصر الانتقالى فى التاريخ المصرى، بحدثين أساسيين، أولهما هو الانتشار الواسع لاستخدام الكتابة، وثانيهما هو تأسيس مدينة ممفيس (Memphis)، التى يُرجّح أنها أصبحت العاصمة السياسية للدولة الوليدة. وقد أُختيرت ممفيس، الواقعة فى منطقة «ميت رهينة» الحالية جنوب الجيزة، عاصمةً للدولة المصرية الوليدة عند رأس الدلتا، فى موقع إستراتيجى ستَرِثه لاحقًا مدن مثل الفسطاط ثم القاهرة، وإن لم تشغل الموقع نفسه حرفياً.
لم تكن الكتابة فى عصر الأسرات الأولى أداة ثقافية أو دينية فحسب، بل استُخدمت بصورة عملية فى إدارة الدولة، ولا سيما فى تسجيل ما يُعرف بـ «أسماء السنوات»، فيما يسمى بالحوليات الملكية، حيث كان يُطلق على كل عام اسم حدث بارز وقع خلاله، كحملة عسكرية أو احتفال دينى أو مشروع عمرانى، وعثر عليها كقطع حجرية أشهرها «حجر باليرمو» الموجود فى إيطاليا وأخرى بالمتحفين المصرى والبريطاني.
تمركزت السلطة السياسية فى بداياتها بين أبيدوس فى صعيد مصر، وممفيس عند مدخل الدلتا، بينما ظلّت مراكز أقدم ذات أهمية دينية وسياسية، مثل هيراكُنپوليس/نِخِن (Hierakonpolis / Nekhen) وتعنى باليونانية القديمة «مدينة الصقور» وهى نفسها «كوم الأحمر» قرب إدفو بأسوان فى أيامنا هذه ، وكذلك «بوتو» (Buto)، وهى نفسها تل الفراعين بمحافظة كفر الشيخ، وقد لعبت كلها أدواراً محورية فى ترسيخ شرعية الحكم. كما ارتبطت الآلهتان الحاميتان للملك، «نخبت» و«واجيت»، بهذين المركزين، فى تعبير رمزى عن وحدة القطرين.
تُقدَّر مدة حكم الأسرة الأولى بنحو 150 عاما، وتميزت بمقابر ملكية ونخبوية غنية فى مناطق متعددة من البلاد، بما يشير إلى أن الثروة والسلطة لم تكونا قد تركزتا بعدُ بشكلٍ كامل فى يد العاصمة، كما سيحدث لاحقًا فى عصر الدولة القديمة.
دُفن ملوك الأسرة الأولى فى جبانة صحراوية بعيدة داخل أبيدوس، بينما خُصصت مناطق قريبة من الأراضى الزراعية لإقامة منشآت جنائزية وطقسية، ربما كانت تُبنى من مواد خفيفة قابلة للتجديد. أما كبار موظفى الدولة، فقد شُيّدت لهم مقابر ضخمة من الطوب اللبن عند حافة الهضبة شمال سقارة، بتصميم معمارى مختلف عن المقابر الملكية.
وعلى الرغم من محدودية الأدلة المباشرة على العلاقات الخارجية فى هذه المرحلة، فإن بعض الشواهد تشير إلى نشاط مصرى مبكر خارج وادى النيل, فقد عُثر فى النوبة السفلى، قرب الجندل الثانى لنهر النيل (Second Cataract)، على نقش صخرى يُظهر ملكا مصريا منتصرا على أعدائه، ما يدل على أن الوجود المصرى هناك لم يكن تجاريا فحسب، بل حمل طابعا عسكريا وسياسيا واضحا.
مع بداية الأسرة الثانية (Second Dynasty)، انتقلت الجبانة الملكية إلى سقارة، ويغدو السجل التاريخى أكثر غموضا بعد حكم الملك نينتر (Ninetjer)، حيث تشير التقاليد اللاحقة إلى احتمال وجود صراعات داخلية أو تنافس على العرش. ويبرز فى هذا السياق الملك بيريبسن (Peribsen)، الذى يُعد الحالة الوحيدة فى التاريخ المصرى التى استُبدل فيها لقب الإله حورس (Horus) بلقب الإله ست (Seth)، فى إشارة قد تعكس توترات سياسية أو دينية عميقة.
ويبدو أن هذه الاضطرابات انتهت مع صعود الملك خع سخموى (Khasekhemwy)، الذى جمع فى اسمه ورمزيته بين الإلهين حورس وسِت، فى إعلان واضح عن إستعادة الوحدة. ويُعد حكمه تمهيداً مباشراً للأسرة الثالثة (Third Dynasty).
تبلغ هذه المرحلة التأسيسية ذروتها فى عهد الملك زوسر (Djoser)، أول ملوك الأسرة الثالثة، مع تشييد الهرم المدرج فى سقارة، أقدم بناء حجرى ضخم فى التاريخ. ويبرز اسم المهندس إيمحوتب (Imhotep) بوصفه العقل المدبر لهذا المشروع، وقد حظى بمكانة استثنائية فى الذاكرة المصرية، حتى إنه قد جرى تأليهه فى العصرين اليونانى والرومانى بوصفه إلهاً للشفاء.
وبنهاية عصر الأسرات الأولى، كانت مصر قد استقرّت حدودها الجنوبية عند الجندل الأول لنهر النيل (First Cataract)، وتبلورت نظمها الإدارية والكتابية والفنية فى صورتها الكلاسيكية، مع تركّز تدريجى للسلطة مهّد لإنجازات لاحقة للدولة القديمة، لا سيما فى عهد الأسرة الرابعة (Fourth Dynasty)، حيث ستدخل الحضارة المصرية طورها المعمارى الأعظم.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
إستراتيجية «السيادة المناخية»: خارطة الطريق المصرية للعبور نحو القوة الخضراء
السودان.. ألف ليلة وليلة تعيسة (1-2)
مصر .. أصل الحضارة (4/1)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام