مقالات



‫من بلاد الأساطير (3)‬

6-1-2026 | 20:43
د. إيمان طاهر

عاش آيياسو فى عهد الرائع شكسبير، ومات أيضا بذات العام الذى مات فيه، وخلف حكمه لابنه «هيدينا» فاستطاع تولى زمام الأمور مع الأخذ برأى الأشراف، وتبعه الأحفاد الذين أداروا البلاد على أحسن ما يكون، حتى جاء «أيميشو» وكان أقوى الأحفاد، فاستطاع بشدته أن يحبط حركة لإعادة نفوذ الأباطرة.
ثم تبعه «بوشيموتى» الذى كان يؤمن بضرورة عودة الأخلاق والفضائل لشعبه أولا، فجند نفسه للغاية التى ما انفكت الإنسانية تهدف إليها، فحاول محو الفقر بوقت كانت تعانى فيه ميزانية الحكومة من عجز بالغ،  فاستدان من التجار الأثرياء، وهاجم إسراف الأغنياء وخفض نفقات الحكومة إلى درجة الزهد، وإلى حد إخراج سيدات القصر الخمسين، واكتفى بلبس القطن، ونام على الحصير مثل فقراء شعبه وابتدع بدعة حسنة، حيث قام بوضع صندوق أمام مقر المحكمة العليا ليضع فيه الناس شكواهم، ودعا شعبه لانتقاد الحكومة وموظفيها لتصحيح الأوضاع، وهذا ما حدث بالفعل حين أقدم أحد مواطنيه على تقديم عريضة، اتهم فيها الحكومة بالفساد والتقصير، فأمر «بوشيمونى» بقراءة الاتهام على مسمع الشعب كله والتحقيق فيها، وكافأ مقدمها على صراحته بعطايا كثيرة، فكان عهده عهد سلام ومساواة وضمير يقظ.
وظلت اليابان لزمن طويل تتبع ذات التقسيمات السياسية والاجتماعية فكان الإمبراطور من الوجهة النظرية يقوم على رأس الأمة، لكن كان البيت الحاكم حقيقة هو الحكم الوراثى العسكرى، الذى كان يسمح للإمبراطور وحاشيته، بمبلغ خمسة وعشرين ألفا كل عام، مقابل الاحتفاظ بالأسطورة النافعة التى تؤثر فى النفوس أثرًا عميقًا، وهى أسطورة الإمبراطور أو البيت الحاكم، فى حين كانت تلك الميزانية لا تكفى الحاشية، فكانوا يزاولون حرفا يدوية منزلية لكسب نفقات عيشهم.
أما «الشوجين» أو الحاكم العسكرى فكان ينعم بثروه اليابان كلها، التى أخذت فى ازدياد وكانت له امتيازات كثيرة تفوق الإمبراطور، فكان إذا سار بالطرق محمولا على محفة، أمرت الشرطة كل المنازل والمتاجر بإغلاق أبوابها ونوافذها وإطفاء النيران وحبس القطط والكلاب، وأن يسجد الناس على جانبى الطريق!
وكانت «للشوجين» حاشية كبيرة فيها سيدات مثقفات، ومهرجون للتسلية وضم المجلس وزراء للاستشارة بها إثنا عشر عضوا (كبير الوزراء) وخمسة آخرون ثم ستة شيوخ، مهمتهم الإشراف على كل المناصب الإدارية ومراقبة أمراء الإقطاع، وتتلو طبقة الإقطاع طبقة البارونات، ثم تليها طبقة المشرفين على الأراضى، أحاط بطبقة الأمراء ألوف من طبقة «الساموراى»، وهم حراس السيف ومن يحملونه، وكانت تلك قاعدة راسخة فى المجتمع الإقطاعى اليابانى، فكل رجل من السادة هو جندى والعكس صحيح، وكانت لهم امتيازات كثيرة، فهم معفون من الضرائب ولهم الحق فى أى كمية من الأرز، والتزموا بقواعد صارمة اشترطوها للرجل الشريف وأطلقوا عليها اسم «بوشيدو» أى طرائق الفروسية وجوهر فكرتها، هى باختصار تعريف ماهية الفضيلة «القدرة على اختيار سلوكك فى الحياة وفق ما يمليه عليك العقل وأن تموت حين يجب أن تموت وتضرب حيث ينبغى لك أن تضرب».
وظل هذا قانونهم الخاص، الذى عبر بشكل كبير عن منهجهم وسلوكياتهم بالحياة وكان أقسى من القانون السائد لدى أى دولة، فكانوا يزدرون كل الأعمال والمكاسب المادية، ويأبون اقتراض المال أو إقراضه وفى المقابل خاطروا بحياتهم لكل من طلب منهم العون، عاشوا حياة خشنة قاسية، كانت الطاعة العمياء لرؤسائهم فيها لها الأولوية فوق حب الآباء أو الأبناء والزوجات، فإذا ما مات سيد أحد فيهم، كان يقتل نفسه بجانبه ليخدمه ويحميه فى حياته الأخرى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام