فنون وفضائيات



‫الفلسطينى الذى أخاف إسرائيل بالصورة الحية بدلا من الرصاص‬.. محمد بكرى.. يخلد «جنين» ويرحل فى «الجليل»

6-1-2026 | 20:54
⢴ محمود بركة

بعد عامين من الإبادة على غزة وعموم فلسطين، لا يزال الفقد سيرةً يومية فى الحياة الفلسطينية بلا انقطاع، وفى حين تكتب الذاكرة سيرة اليوميات - وهى المُصابة بمطاردة المحو من دولة المستوطنات والمؤبدات - تلتصق فى الوجدان الفلسطينى، والعربى فكرة الفقد كعنوان.
 
من مكان قريب فى الأرض المحتلة، رحل المخرج والفنان الفلسطينى محمد بكرى، وجاء نبأ موته وسط شريط الأنباء العاجلة والأخبار السريعة، والتفّ حول الخبر جمهور كبير من المحبين والأصدقاء، الذين تابعوا أفلامه ومسرحياته ومسيرته الإنسانية والفنية، ووجدوا فيها تجسيدا للماسأة الفلسطينية ، وصور العيش اليومى داخل المدن المحتلة، وفى الضفة الغربية أوغزة. 
خلال سنواته الأخيرة اعتاد الراحل  الكتابة عبر  صفحته الشخصية عمّا يتحرك فى وجدانه، وهو المقيم  ما بين ظلم الاحتلال وفسحة الأمل.
بكرى، ابن الجليل المحتل شمال فلسطين، والمولود فى قرية البعنة عام 1953، نقرأ فى مشواره، أن اختياره للفن جاء فى اللاوعى لمحاربة الظالمين المعروفين فى هذا العالم، كما يؤكد وبهذا الوعى فى طفولته تعلّم التمثيل والمسرح والسينما، حتى تحوّل الفن كوسيلة للتعبير عن الذات.
 
امتدت تجربته لعقود متواصلة من العمل الإبداعى، غرس معها الحكايات الفلسطينية وأصوات أهلها، وإيصالها إلى العالم، عبر الشاشة السينمائية والتسجيلية والمسرح، من خلال ما جسّده من أعمال عديدة على صعيد الإنتاج والتمثيل والإخراج، وصولا إلى المشاركة فى أفلام عالمية، كما فى فيلم «حنا ك» مع المخرج كوستا غافراس سنة 1983، وهو الفيلم الذى صنع شهرته إذ تناول من خلاله مفهوم حق العودة للفلسطينيين، ولكن عبر السينما العالمية ونجح فى مواجهة السردية الإسرائيلية بسردية مضادة واجّهتها، دوائر الاحتلال الإسرائيلى  بالتهمة الجاهزة وهى “معاداة السامية”  التى وجهت للفيلم ومخرجه وأبطاله.
وعلى الرغم من ذلك واصل بكرى مسيرته الفنية، وتعميق انحيازاته متناولاً بالسرد السينمائى وأدواته ولغته الخاصة، الحكاية الفلسطينية التى كانت من بين أدوات المقاومة ، وزاد من الشعور بنبرة المقاومة، استعماله  فى كثير من الأعمال للشكل الوثائقى المعتمد على النقل المباشر لما يجرى فى الواقع.
 
بفضل موهبته الرفيعة وإصراره على تمرير الخطاب الفلسطينى، حقق بكرى حضورا فى السينما العالمية والعربية ، كما تمكن  من تقديم عرضه المونودرامى، المأخوذ عن مسرحية “المتشائل” فى أماكن كثيرة، معززا من سطوع الموهبة الفلسطينية، لمواجهة الظلمة الإسرائيلية فى أقصى صورها.
 
يتيح التأمل فى رحلة محمد بكرى، وما عاشه من مراحل العثور على إشارات للتحولات التى صاحبت مسيرته، التى يصعب فصلها  عن السينما الفلسطينية وتطوراتها، سعيا إلى العالمية التى تتجاوز السردية التى نفر فيها محمود درويش وسماها “ الحب القاتل “ لأن ما أراده بكرى اعتمد على موهبته، وعلى أدوات ظلت وثيقة الصلة بالتطورات التقنية داخل المهنة على نحو أتاح له نقل أصوات البيئة الفلسطينية بمكوناتها الإنسانية 
الواقعة تحت الاحتلال
جاءت بدايات  بكرى فى المسرح، إذ ارتبط حضوره ببطولته لمسرحية «المتشائل»، من إخراج مازن غطاس عن نص إميل حبيبى الشهير، ومن المثير أنه استمر فى تقديم وتمثيل المسرحية لأكثر من أربعين عاماً متواصلة، وطاف بها المدن الفلسطينية، تحديداً على مسرح القصبة فى رام الله ومسرح حيفا، كما قدمها خارج فلسطين ،كما أن دوره فى مسرحية «الليل والجبل» للكاتب المصرى أستاذ الفلسفة الشهير عبد الغفار مكاوى، ظل واحدا من جوازات مروره الكثيرة إلى المشاهدين، ضمن مسرحيات عالمية رافقته طوال مسيرتها، التى حملت عنوان مواصلة النضال الفكرى والمعرفي، إيماناً بفعل الصورة وأثرها .
لم يتوقف  محمد بكرى  عن رفع شعار: “كفى للاحتلال”، حاملا أصوات الضحايا، راسما صورة مملوءة بالإرث الفلسطينى، الذى لا يزال يعيش مرارة الظلم الاستعمارى. 
ومع كل إطلالة له كانت ترتسم حوله، صورة البيت الشعرى “العصافير تموت فى الجليل” عن فلسطين الأرض العربية، كغصن الزيتون وعطر الميرمية والجبال ــ لكن كل ذلك تحاصره دولة الإبادة والمستعمرات ــ
ورغم ذلك ظلّ الراحل مؤمنا بعدالة قضيته، على قاعدة الصدق والبساطة والفرح والخجل، يتجسّد فى مسيرته الحاضرة فى الذاكرة الفلسطينية. يذكر الفلسطينيون جيدا ما جرى فى عام 2000 بعد أن اجتاحت قوات الاحتلال مخيم جنين فى الضفة الغربية، وارتكبت  عشرات المجازر فى وقائع حية، عاشها أهل المخيم فى ليل لم ينفصل عن النهار لأكثر من 11 يوماً. 
فى تلك الأجواء حضر  بكرى إلى المخيم وأهله، فتح عين الكاميرا ونوافذ الصوت بلا انتظار، أو حاجة لمعدات الإضاءة وتقنيات التصوير، ليروى  للناس ما يجرى فيه بلسان أبنائه، وتحول الفيلم إلى وثيقة تمثل أبناء المخيم وكل فلسطينى
حمل  الشريط عنواناصارا  شهيرا وهو «جنين جنين». تجلت فيه سمات العمل الوثائقى ، دون أن يفقد صدى الألم ،فقد كتب الفيلم بعيون مفتوحة، ولذلك سعت إسرائيل إلى مواجهته ، فالوزيرة الصهيونية (ميرى ريغف) طالبت بمحاكمة محمد بكرى وإبعاده خارج فلسطين، كما قامت مجموعة من جنود الاحتلال برفع قضية ضده، لإنتاجه الفيلم  وكانت تلك القضية، هى النموذج الدال لما تعرّض له الراحل عبر مشواره مع المحاكم والاتهامات الإسرائيلية، وكما قال محمود درويش “لعلّهم كانوا فى حاجة إلى المزيد من الظلام ليسفكوا المزيد من الدم”. 
وصف درويش فى مقاله (الكاميرا، والصورة، والمشهد) الإسرائيليين المصابين بعدوى النصيحة الفاشية لهنرى كيسنجر، حين وجّه للإسرائيليين: «أغلقوا الواقع والمشهد أمام الكاميرا، اسحقوهم بلا تصوير».
بسبب فيلمه «جنين جنين» وقف بكرى  متهما فى محاكم مدينة اللد المحتلة، بعد أن تألم الضمير الإسرائيلى من الفيلم الذى ينهض على شهادات تسجيلية، ومنهاً صوت الطفلة التى تروى بلا مقدمات شهادتها: «خوفهم لدرجة الجنون، أسلحتهم نزلت علينا زى المطر، نزلت من أيدٍ خايفة وفاشلة، أنا شفت جثث محروقة أمام عيونى».
 بعد حرب الإبادة الأخيرة كتب محمد بكري: “ ماذا بوسع الكاميرا أن تفعل لشعب غزة، لشعب يتضوّر جوعاً ويموت ببطء تحت وطأة الجوع والقتل؟ هل تستطيع كاميرتى أن تجلب الخبز لأطفال غزة؟ لا تستطيع. فما معنى الكاميرا فى الوقت الحالي؟ إن الصور والمقاطع التى نراها على الإنترنت شديدة القوة، إنها تتحرك، نعم، لكنها ليست سينما. ينبغى أن تدفع السينما إلى السؤال، أن توقظ التفكير، وتقود إلى الفهم. لا أرغب فى صناعة فيلم وثائقى عمّا يحدث فى غزة، لأن ما يجرى أقوى من أى تصوير. الثقافة كائن حي، وهى الجذور والتاريخ والإنسانية. إذا فقدنا الثقافة نكون فقدنا هويتنا وحياتنا، ولن أسمح لهم بأن ينتزعوا منى حبى وثقافتى وفني، فهذا شعبى وهذه ذاكرتى” .
فى هذا السياق الذى أوجدته الحرب الأخيرة، عاد السؤال: كم من الجرائم تُرتكب مقابل الكاميرا؟ وكم من المجازر تُرتكب بعيداً عن الكاميرا؟ 
الإجابة تقدمها سينمائية محمد بكرى وأعماله، التى  تتقاطع  فى مضمونها مع إدوارد سعيد فى كتابه «القلم والسيف»، فقد تحوّل صوت الأطفال إلى شريط تسجيلى لليل المذبحة، وأصبح النهار الخارج على جدران المدينة شاهدا على تدميرها، فى محاولة لاستنطاق المكان  بوصفه الشاهد الذى يواجه كل محاولات الطمس والقيد والحصار. 
 رسم  بكرى عبر مشواره  أيقونته الفلسطينية العربية والإنسانية لإيمانه بالفن والصدق، وإصراره الواضح حتى فى أيامه الأخيرة قبل رحيله، بأن يجعل من الصورة لغة مكتوبة متصلة بجسد الثقافة الفلسطينية، من شعر ورواية ومسرح وفنون، فى سياق يواصل طريق من كتبوا ورحلوا، والحاضرين الذين لا يزالون على خط النار، يكتبون الصوت بكل مكوّنات الإبداع..
يقول بول كونرتون فى كتابه “كيف يغزو النسيان ذاكرة الحداثة”: «ليس هناك أكثر مما هو قابع فى ذهن العالم من تجربة الفلسطينيين، التى يمثل طردهم من بلادهم واحتلال أراضيهم بقيام دولة إسرائيل، وإعادة التشكيل للمواقع وفقاً لقول المحتل الإسرائيلى الجديد”.
وكاميرا محمد بكرى ومسرحه وإنسانيته، تختم فصل رحيله فى الجليل الفلسطينى، لتقرأ فصلاً من “عائد إلى حيفا”. فلا يدوم فصلٌ مظلم فى التاريخ، ولن يبقى غريب فى بلاد ليست له.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام