فنون وفضائيات



‫«سجن النساء».. الخشبة تتحول إلى اعتراف إنسانى..‬ دراما خلف القضبان تكشف سجون المجتمع

6-1-2026 | 21:14
نجلاء فرار

فى زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتغير أدوات الاستلاب، يظل المسرح قادرا على إعادة طرح الأسئلة الجوهرية، حول الإنسان والعدالة والحرية، ومن على خشبة مسرح السلام، قدم عرض «سجن النساء» للكاتبة الكبيرة فتحية العسال، فى معالجة مسرحية جديدة تحمل روح العصر، دون أن تفقد عمق النص الأصلى أو صدقه الإنسانى، العرض من تقديم الفنان محسن منصور، فكرة وإخراج الفنان الشاب يوسف مراد منير، وبطولة جماعية اعتمدت على مزيج من الخبرة والوجوه الجديدة من الدارسين والهواة، ليؤكد أن النص الكبير قادر على التجدد، مع كل قراءة إخراجية جادة.
كتبت فتحية العسال نص سجن النساء فى التسعينيات، وبرغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على كتابة النص، لا تزال قضاياه حاضرة بقوة، بل تبدو أكثر التصاقا بالواقع الحالى، حيث تتبدل الأدوات، لكن تبقى منظومة الاستلاب واحدة.
وفى هذه الرؤية، حاول المخرج يوسف مراد منير أن يربط بين القضايا الأصلية للنص والتحولات المعاصرة، خصوصا تأثيرات الميديا الحديثة، والترند، والتيك توك، والبث المباشر، بوصفها أدوات جديدة قد تتحول إلى وسائل إدانة اجتماعية أو استغلال، ما يضع المرأة مجددا فى دائرة الاتهام.
 
خارج إطار الزنزانة
من أبرز اختيارات العرض الإخراجية، الخروج بالأحداث من إطار الزنزانة المغلق، حيث لم يكتفِ المخرج بالفضاء التقليدى للسجن، بل ابتكر مساحة درامية فى منتصف الخشبة، استخدمها فى الفلاش باك، والحكى، والاستعراض، واستدعاء الذاكرة.
هذا الاختيار كسر حدة قتامة المكان، وسمح بتنويع الإيقاع البصرى، كما أتاح للمشاهد التنقل بين الماضى والحاضر، وبين الداخل والخارج، دون فقدان الإحساس العام بالحصار النفسى الذى يطوق الشخصيات.
من لحم ودم
يعتمد سجن النساء على مجموعة من الشخصيات النسائية، لكل واحدة منهن حكاية مختلفة خلف دخولها السجن، لكنهن يجتمعن جميعا داخل منظومة واحدة من الظلم، القهر، الخيانة، الغدر، والتضحية.
فنرى امرأة تحاول إرضاء زوجها ومساعدته ماديا، فتقع ضحية لايف عبر أحد التطبيقات، دون أن تدرك أنه مرتبط بالدعارة، ومعلمة تعترف بتجارة المخدرات لتحمى زوجها «المعلم الكبير»، فيقابل جميلها بالطلاق داخل السجن، وأم تقتل زوجها بعد أن هتك عرض طفلها، فى واحدة من أبشع الجرائم التى يصنعها القهر.
هنا يطرح العرض سؤالا جوهريا: من المجرم الحقيقي؟ وهل العدالة تكتفى بالحكم على الفعل دون النظر إلى أسبابه؟
فالضحايا، فى النهاية، يتحولن إلى مدانات من وجهة نظر المجتمع، بينما تظل منظومة العنف نفسها بلا مساءلة.
بطولة جماعية 
 وقد جاء اختيار الممثلين موفقا إلى حد كبير، حيث بدا كل فنان فى الدور المناسب له، من حيث العمر والشكل والأداء، حيث شهدت الخشبة عودة الفنانة صفاء جلال بعد خمس سنوات من الغياب، من خلال دور ليلى، لتقود بطولة جماعية نسائية اتسمت بالانسجام والصدق.
بطولة العرض: صفاء جلال (ليلى) – رباب طارق (إنصاف) – شريهان الشاذلى (خوخة) – آية أبو زيد (عدلات) – عبير الطوخى (إلهام) – صافى فهمى (سارة) – شريهان قطب (شفيقة) – ليلى مراد (سنية) – إيرينى مجدى (زينب) – ساندرا مُلقى (صرصارة) – زينة قطرى (هند) – ولاء الجندى (مهلبية).
ويشارك إكرامى وزيرى فى دور (سليم)، مع بطولة غنائية للفنانة هبة سليمان فى دور (بخيتة).
وقد نجح الممثلون فى نقل الحالة النفسية للشخصيات، بأداء اعتمد على التقمص الصادق والانفعال الداخلى، بعيدا عن المبالغة، ما خلق حالة تعاطف واضحة مع الجمهور.
الاستعراض كجزء من الدراما
لم تكن الاستعراضات عنصرا تجميليا منفصلا، بل جاءت جزءا أصيلا من البناء الدرامى، خصوصا استعراض السبوع، الذى قدم طقسا مصريا خالصا داخل فضاء السجن.
استخدام الشموع، الغربال، والهون، حمل دلالات رمزية عن تمسك المصريين بعاداتهم ومعتقداتهم، حتى فى أقسى الظروف، باعتبارها وسيلة للتوازن النفسى والاحتفال بالحياة، والتشبث بالأمل وسط العتمة.
كسر الحائط الرابع
شهد العرض لحظات واضحة من كسر الحائط الرابع، حيث نزلت إحدى الفنانات من خشبة المسرح لتؤدى وسط الجمهور، ما خلق حالة تفاعلية قوية، دمجت بين الدراما والمشاهدة المباشرة، وأكدت أن القضية المطروحة لا تخص الشخصيات وحدها، بل تمتد إلى المجتمع كله.
لغة بصرية موازية
لعبت الإضاءة دورا دراميا مهما، من خلال تنوع ألوانها واتجاهاتها، التى عكست حالات نفسية متباينة بين الحزن، الخوف، اليأس، ثم الأمل والرجاء فى المستقبل.
أما الديكور فجاء بسيطا ودالا، يخدم فكرة السجن دون إثقال بصرى، ويسمح بمرونة الحركة والانتقال بين المشاهد.
وتكاملت الموسيقى اللايف مع الحدث الدرامى، لتمنح المشاهد شحنة شعورية مباشرة، وتعمق من تأثير الأداء التمثيلى والاستعراضي.
 السجن داخل العقول
يختتم العرض بطرح فكرة جوهرية مفادها، أن السجن الحقيقى ليس الزنازين والجدران، بل ما يسكن داخل العقول والنفوس.
وهى خلاصة فكرية عميقة، تتجاوز قضية المرأة لتشمل الإنسان عمومًا، حين تتحول المخاوف والقيود الاجتماعية إلى سجون غير مرئية.
شارك فى صناعة العرض: مخرج منفذ: منى المهدى – إضاءة: محمود الحسينى – ديكور: محمود صلاح – أزياء: سارة شكرى – أشعار: أحمد الشريف – موسيقى وألحان (لايف): محمد عزت – تنفيذ ديكور وأزياء: محمد عبد المجيد – استعراضات: محمد بيلا – ماكيير: أدهم عفيفى – تصميم دعايات وبامفلت: جون رؤوف.
ويبقى مسرح السلام أحد أهم الصروح المسرحية التابعة للدولة، بتاريخ طويل من العروض الجادة والمشاركات الدولية، ما يستدعى الاهتمام المستمر بتطوير البنية التقنية، وعلى رأسها أنظمة الصوت والميكروفونات، حتى لا يضيع جهد صناع العمل، خصوصا الممثلين، ويظل المسرح فى مكانته التى تليق بقيمته الفنية والتاريخية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام