مقالات



‫مصر .. أصل الحضارة (4/1)‬

14-1-2026 | 18:20
د.عمرو بسطويسى

المملكة القديمة.. «سنفرو» .. بداية المجد
تلى عصر الأسرات المبكرة ، عصرٌ مهم ومُميز، و هو عصر «الدولة القديمة» (Old Kingdom) (2134 -2575 ق.م) وشمل الأسرات الرابعة والخامسة والسادسة. 
والدولة القديمة تمثل الدولة المركزية فى مصر القديمة فى ذروتها المبكرة، ولكن الأسرة الرابعة (4th Dynasty)، تحديداً، تظل هى العلامة المُميزة لهذه الفترة، إذ اقترنت ببناء أهرامات الجيزة، أعظم أبنية العالم وأكثرها خلوداً حتى يومنا هذا. 
وكان سِنِفرو (Sneferu) 
(2575–2551 ق.م)، هو أول حكّام الأسرة الرابعة، وقد بنى هرمي دهشور، و أكمل – أو ربما بنى – هرم ميدوم، ومثل خلفائه، قدم سِنِفرو  منظومةً بنائية ضخمة، وبكفاءة اقتصادية و تنظيمية.
وفى عهد سِنِفرو أيضاً، وجدنا - إلى جانب الأهرامات - المصاطب، وذلك فى ميدوم وسقارة، التى ظهرت فيها نقوشٌ غائرة ورسوم، كونت تلك المرجعية الفنية، لما رأيناه لاحقاً فى مقابر المملكة القديمة. 
ومن النقوش الموجودة فى مقبرة مِتِن (Metjen)، فى سقارة، تعرفنا على بعض نظم الإدارة فى تلك الفترة، وهو صاحب أقدم سيرة ذاتية مكتوبة عُثر عليها حتى الآن. 
و«مِتِن» لم يكن ملكاً بل كان من كبار المسئولين، وجرت العادة فى ذلك الوقت أن تُمنح أملاكٌ واسعة ومتباعدة لكبار المسئولين، ربما بغرض منع تكوين مناطق إقطاعية قوية تؤثر على الحكم المركزى.
خلال حكم سنفرو، كانت هناك حملات كبيرة على النوبة، وهى مسجلة فى «حجر باليرمو» (Palermo Stone) وهو واحد من الحوليات الملكية «Royal Annals»، وقد انتهت تلك الحملات إلى تأسيس مستعمرة مصرية فى بوهن Buhen (شمال السودان) استمرت لقرون، وربما استُخدمت كقاعدة لبعثات التعدين فى المنطقة.
أما العامل الرئيسى فى تاريخ الأسرتين الرابعة والخامسة، فقد كان ما يسمى  بالعقيدة الشمسية، حيث شكَّل الهرم – على الأرجح – رمزاً شمسياً.
أما تركيب الأسماء الملكية مع إله الشمس «رع» واستخدام اللقب الملكى «ابن رع» فلا يظهر إلا في عهد رَع - جدف، وهو الملك الثالث فى الأسرة الرابعة (بعد خوفو).
من بين حكام الأسرة الرابعة، يبرز اسم الملك خوفو (2551–2528ق.م) والملك خفرع (2520–2494ق.م) بوضوح، من خلال هرميهما العظيمين، بينما يأتى منكاورع (2490–2472 ق.م) متأخراً عن سابقيه بدرجة ملحوظة.
وقد يدل بناء الملوك الثلاثة لأهرامهم فى داخل مجموعة واحدة فى الجيزة، على تضامن فئوى بينهم، وهناك - من الأسرة الرابعة أيضاً - هرم رَع - جدف Ra’Djedef (2528–2520 ق.م) فى أبو رواش، ومقبرة شيبسكاف Shepseskaf(2472–2467 ق.م) فى جنوب سقارة.
إن مركزية الحكم والسلطة الملكية، يمكن قراءتها من صرامة تنظيم مجموعات المقابر المحيطة بالأهرامات.
وبالإضافة إلى المبانى الضخمة والأهرامات، فقد قدمت الأسرة الرابعة عددًا كبيرًا من أروع قطع النحت في المملكة القديمة، كما كانت النقوش الباقية القليلة وأثاث المقابر، تتمتع بنفس المستوى من الجودة.
وهكذا كانت الثقافة المادية (Material Culture) فى ذروتها العليا في الدولة القديمة، لكن ما نعرفه عن ثقافتها الفكرية (Intellectual Culture) وعن تفاصيل الحياة اليومية كان قليلاً جداً. 
أما شيبسسكاف (Shepseskaf) ، وهو آخر ملوك الأسرة الرابعة، فقد بنى لنفسه مصطبة ضخمة بدلاً من هرم، وهذا الخروج شبه الفريد عن التقليد ربما انعكس فى ممارسة ملوك الأسرة الخامسة، وأولهم كان أوسركاف (Userkaf) (2458-2465 ق.م)، الذى بنى هرماً صغيراً فى سقارة، ونجده شرق هرم زوسر المدرج، كما بنى معبدًا شمسيًا (Sun Temple) قرب أبو صير، وهى الفكرة التى استنسخها وقلّدها خمسةٌ من خلفائه.
وبينما كانت المعابد مؤسسات مستقلة عن الأهرامات، فإنها كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالملوك الذين شيدوها، وربما كان لها معنى جنائزي خاص بهم.
إن الاستمرارية المعمارية والتشابه فى طريقة البناء، التى يمكن افتراضها بين الأسرتين الرابعة والخامسة لها ما يوازيها في العائلات الحاكمة.
وفى كلا الجانبين يمثل الملك شيبسسكاف نقطة تحول، مثلما يمثلها أوسركاف (Userkaf).
وعلى الرغم من هذه الاستمرارية الهندسية، فإن السياسات الداخلية للأسرة الخامسة، كانت مختلفة تمامًا عن سياسات الأسرة الرابعة.
إن تقليل حجم الأهرامات بدءا من الأسرة الخامسة لم تصاحبه زيادةٌ تعويضية فى أشكالٍ أخرى من البناء، وربما يعكس ذلك تغيراً اقتصادياً أو إدارياً، وليس بالضرورة أزمة اقتصادية عامة، أو قد نعزوه إلى زيادة فى استخدام مواد بناء غير معمرة ولذا لم تترك لنا آثاراً. 
ومن المُلاحظ أنه فى الأسرة الخامسة، لم تعد المقابر الخاصة منظمة فى صفوف ثابتة أو محصورة فى موقع واحد، كما أن حجم الزخرفة فيها أخذ يزداد باستمرار، وفى هذا دليل على وجود قدر أكبر من حرية التعبير الهندسى للنخبة المجتمعية، وإن كان ضمن حدود ضيقة، لكن هذه المقابر المزخرفة لم تكن تدل بالضرورة على زيادة في ثروات أصحابها.
وهكذا، بلغت مصر فى المملكة القديمة ذروة نضجها السياسى والدينى والرمزى، دولة قوية البنيان، محكمة التنظيم، توحِّدها العقيدة الشمسية ويرمز لها الهرم، بوصفه أسمى تجليات السلطة والخلود، لكن ما يبدو ثابتاً لا يبقى كذلك طويلاً، فخلف هذا الاستقرار، بدأت مقدمات تحولات عميقة ستغيّر وجه مصر شيئاً فشيئا.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام