رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأحد 15 فبراير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
عمر الحامدى.. بقايا الضوء فى زمن الانطفاء (3-3)
14-1-2026
|
18:48
إلهامى المليجى
ثمة بشر لا يعيشون الفكرة، بوصفها موقفًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها قدرًا أخلاقيًا.
وعمر الحامدى من هذا الطراز النادر من الرجال: لم يحمل الحلم القومى باعتباره شعارًا، ولا مشروعًا سلطويًا، ولا أيديولوجيا صلبة، بل حمله باعتباره وعدًا مؤجَّلاً بالعدل، ووطنًا لم يولد بعد، لكنه يستحق أن يُنتظر.
فى زمن الانكسارات الكبرى، حين تحوّلت القومية عند كثيرين إلى خطاب خشبى، أو ذكرى باهتة، أو عبء تاريخي، ظلّ الحامدى متمسكًا بها لا بوصفها ماضيًا، بل بوصفها أفقًا أخلاقيًا للمستقبل.
لم يكن ينتمى إلى القومية من موقع الحنين، بل من موقع المسئولية: ماذا نفعل بكل هذا الخراب؟ كيف نمنع الهزيمة من أن تتحوّل إلى هوية؟
حين رأس مؤسسة ثقافية، لم يتعامل معها باعتبارها جهازًا بيروقراطيًا أو واجهة بروتوكولية، بل بوصفها مساحة مقاومة ناعمة فى زمن القسوة:
مساحة لحفظ المعنى، وصيانة اللغة، وحماية ما تبقّى من فكرة، أن هذه الأمة ليست فقط خرائط وحدودًا، بل سردية مشتركة، وذاكرة، وأمل فى إمكان الخروج من هذا الليل الطويل.
كان يدرك - بوعى المثقف لا ببراءة الحالم - أن الثقافة وحدها لا تصنع سياسة، لكنها تصنع ما هو أعمق: تصنع قابلية السياسة، لأن تكون أخلاقية، وتمنع القوة من أن تتحوّل إلى غريزة، والدولة من أن تتحوّل إلى غنيمة.
بهذا المعنى، لم يكن عمر الحامدى رجل مؤسسة، بل كان رجل معنى داخل مؤسسة؛ فارق جوهري، لا يلتفت إليه كثيرون.
من الثقافة إلى الدبلوماسية: امتحان الفكرة فى الواقع
وحين انتقل من فضاء الثقافة إلى فضاء السياسة المباشرة، سفيرًا لليبيا فى السودان، لم يكن ذلك انتقالًا من عالم إلى نقيضه، بل كان - فى العمق - انتقالًا من حراسة الفكرة إلى اختبارها.
السودان، بهذه الجغرافيا الثقيلة بالمعنى والتاريخ والتصدعات، لم يكن محطة دبلوماسية عادية.
كان مكانًا تتقاطع فيه أسئلة الهوية، والدولة، والتنوع، والانقسام، والتدخلات، والانقلابات، والحلم المؤجل… تمامًا كما فى بقية العالم العربى، ولكن بكثافة أعلى، وبجراح أكثر انفتاحًا.
هناك، لم يكن الحامدى مجرد ممثل لدولة، بل شاهدًا على مأزق فكرة الدولة ذاتها فى عالمنا العربي:
كيف تُبنى دولة بلا عقد اجتماعى؟
كيف تُدار التعددية بلا اعتراف؟
كيف تُحفظ السيادة فى عالم باتت فيه السيادة عملة نادرة؟
فى هذا الفضاء الصعب، كانت القومية التى آمن بها تُختبر لا فى الكتب، بل فى التفاصيل اليومية: فى التوازنات، فى الكلمات، فى القدرة على أن تكون عربيًا دون أن تكون فوق الآخرين، وأن تكون قوميًّا دون أن تكون إقصائيًا، وأن تكون منحازًا لفكرة الأمة، دون أن تتجاهل حق الشعوب فى خصوصيتها وكرامتها.
وهنا، بالذات، تبدأ الحكاية التى سأرويها فى المشهد التالى.
المشهد الثالث: الخرطوم – سرت – القاهرة… واستمرار الحلم
فى أواخر مارس من عام 2006، سافرتُ إلى الخرطوم لتغطية القمة العربية لقناة «الجديد» اللبنانية، ولإعداد وتصوير حلقة من برنامج «بلا رقيب»، كنت أقدّمها حينها بديلًا عن الزميلة ماريا معلوف، التى اعتذرت فى اللحظة الأخيرة.
فى الخرطوم التقيتُ عمر الحامدى من جديد، كان قد أصبح سفيرًا لليبيا فى السودان، لكن المفارقة أن منصبه لم يغيّر فيه شيئًا من جوهره: نفس الحيوية، نفس الحركة الدائمة، نفس الحضور الذى لا يُخطئه النظر. كان ينتقل بخفة بين الوفد الليبى والوفود العربية الأخرى، لا بوصفه موظف بروتوكول، بل بوصفه رجل فكرة يعرف الجميع، أنه يحمل أكثر مما يحمل منصبه.
لفتنى - كما لفت غيرى - حضوره القوى داخل النخب السودانية، على نحو يذكّر بدور السفير الليبى الأسبق جمعة الفزانى: علاقة تتجاوز الرسمى إلى الفكرى، وتتجاوز المجاملة إلى الحوار الحقيقى.
ثم التقيته مرة أخرى فى قمة سرت عام 2009 :
نفس الرجل، نفس الوهج، نفس الطاقة التى لا تخفت، كأن السنوات لا تمر عليه كما تمر على الآخرين.
لكن اللقاء الأكثر دلالة كان فى القاهرة عام 2012.
كان الحزن بادياً فى ملامحه - حزن جيل يرى مشروعه يتداعى - وكانت علامات التقدم فى العمر واضحة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغيّر: الحماسة.
حماسة تشبه حماسة شاب فى الثلاثين، لا رجل تجاوز السبعين.
حتى إنه، وقد شعر بشىء من تكاسلي، أصرّ على أن يكون اللقاء فى كافيه قريبا من بيتي، كى لا يتركنى أعتذر أو أتأخر، وكان حديثه كله يدور حول فكرة واحدة:
ضرورة تشكيل لجنة لمتابعة العمل القومى الوحدوي، خارج الأطر الرسمية، وبعيدًا عن الحسابات الضيقة.
وبالفعل، بعد شهور قليلة، كان قد أسهم فى تشكيل هذه اللجنة، بعد سلسلة اجتماعات، ضمت نخبًا ليبية ومصرية تنتمى إلى الخط العروبى، عُقدت فى أماكن مختلفة، بل وعبر تطبيق «زوم» أيضًا.
أن ترى رجلًا فى هذا العمر يستعين بالتكنولوجيا الحديثة لا للتسلية، بل لخدمة فكرة آمن بها منذ نعومة أظفاره — فهذا وحده درس فى معنى الإرادة.
على صفحته فى «فيسبوك» كان حاضرًا كما هو حاضر فى الحياة:
يكتب، يعلّق، يدعو إلى وحدة القوى الحيّة فى الأمة، يدعم القوى الثورية فى العالم، ينحاز بلا تردد إلى فلسطين كلها، يهاجم العدوان الهمجى على غزة، ويدعو للتضامن مع أهل القطاع.
وكان - كما فى شبابه - إذا لمح فى شاب أو شابة نفسًا عروبيًا أو وطنيًا، يدخل إلى صفحته، يناقشه، يحاوره، يحاول أن يشبك الحلم الفردى بالحلم الجماعى، فى محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعنى.
ظلّ، حتى النهاية، وفيًا لليبيا، وفيًا لعروبته، وفيًا لمعمر القذافي، فى زمن انقلب فيه كثيرون حتى من أقرب الناس.
وأذكر أننى حين استضفته فى برنامج «وطنى الأكبر»، وكنت رئيس تحريره، رجوتُه قبل البث ألا يسبق اسم القذافى بلقب «الشهيد»، لأن البرنامج يُذاع على قناة رسمية، وقد يسبب ذلك حرجًا.
وعدني… ثم على الهواء قال:
.«الشهيد القائد معمر القذافى».
لم أغضب.
كان صدقه أقوى من أى وعد، وحماسته أقوى من أى حساب.
اليوم، وقد تجاوز الثمانين، ما زال عمر الحامدى يعمل، يكتب، يشارك فى الندوات، ويؤمن - بصلابة نادرة - أن هذه الأمة، مهما انكسرت، لا تزال تستحق أن يُدافع عنها.
ما الذى يبقى… ومن يبقى؟
عمر الحامدى ليس من أولئك الذين تُختصر قيمتهم فى المناصب التى شغلوها، ولا فى البيانات التى وقّعوها، ولا فى الصور التى التُقطت لهم.
قيمته الحقيقية أنه ما زال - حتى اليوم - ينتمى إلى جيل حمل الفكرة قبل أن تتحوّل إلى شعار، وحمل الحلم قبل أن يتحوّل إلى نوستالجيا.
جيلٌ ظنّ أن الأمة يمكن أن تكون مشروعًا أخلاقيًا، لا مجرد خريطة.
وأن الوحدة يمكن أن تكون أفقًا إنسانيًا، لا مجرد اندماج إداري.
وأن السياسة يمكن أن تكون شرفًا، لا مجرد حرفة.
هذا الجيل لم يرحل بعد… لكنه يتناقص، وتزداد الحاجة إليه كلما ازداد الضجيج وقلّ المعنى.
وعمر الحامدى، وهو يعبر عقده الثامن، يذكّرنا بأن العمر ليس عدد السنوات، بل قدرة الإنسان على أن يبقى وفيًّا لفكرته دون أن يتحجّر، وأن يبقى منفتحًا على زمنه دون أن يذوب فيه.
هو لا يقدّم لنا أجوبة جاهزة، بل يقدّم معيارًا:
أن تكون مخلصًا لأمتك دون أن تعادى العالم،
وأن تكون قوميًّا دون أن تكون إقصائيًا،
وأن تكون سياسيًا دون أن تفقد إنسانيتك.
فى زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الموقف،
وتُقاس فيه الوطنية بدرجة الصراخ لا بدرجة التضحية،
يبقى نموذج مثل عمر الحامدى، شاهدًا حيًا على أن السياسة يمكن أن تُمارَس بوصفها أخلاقًا، وأن النضال يمكن أن يكون رقيًّا، وأن الهزيمة لا تفرض علينا الخيانة.
ربما لا يعود الحلم القومى كما كان.
وربما لا تعود الأمة كما تخيّلها جيله.
لكن وجود رجال مثل عمر الحامدى بيننا، الآن وهنا، هو تذكير بأن الأفكار لا تموت إلا حين نتوقف نحن عن حملها.
إن لم نُجدّدها، سنفقدها.
وإن لم نحمّلها مضمونًا إنسانيًا جديدًا، ستتحوّل إلى عبء لغوى.
وإن لم نرثها بوصفها مسئولية، لا ميراثًا، سنتركها تسقط من أيدينا كما سقطت أشياء كثيرة من قبل.
الخاتمة لهذا، لا تبدو سيرة عمر الحامدى حكاية عن الماضى،
بل شهادة على الحاضر، ودعوة هادئة للمستقبل:
أن نحاول، مرة أخرى، وبشروط عصرنا، أن نجعل من هذه الجغرافيا معنى، ومن هذا التاريخ طاقة، ومن هذا الخراب بداية.
ذلك وحده ما يجعل رجلًا فى الثمانين… أكثر شبابًا من زمنه.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
جليل حيدر.. الإنسان قبل القصيدة .. ما تبقّى فى الذاكرة ( 1 من 3 )
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام