نحن والعالم



تصريحات ترامب أثارت ردود فعل واسعة.. سيناريوهات الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند

16-1-2026 | 00:20
⢴ رشا عامر

لا يفصل القوات الأمريكية عن «نوك» سوى 2300 كيلومتر ويمكن قطع هذه المسافة بسرعة بواسطة حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية 
 
هذا الصراع سيضعف حلف الناتو بشكل كبير مؤديا إلى حرب مفتوحة بين دولتين عضوين هما الولايات المتحدة والدنمارك
 
إذا حدث ارتباط حر ثلاثى بين الدانمارك وجرينلاند والولايات المتحدة فإن ذلك سيصبح صيغة مركبة تعترف بدور كوبنهاجن السيادى
 
سيناريو الشراء المباشر يظل ضعيف الاحتمال لأنه يتطلب توافقا بين كوبنهاجن وحكومة جرينلاند والرأى العام هناك فى الجزيرة الصغيرة
 
الصحافة الغربية ترى أن أقرب توصيف واقعى للأزمة هو أنها مشكلة إدارة نفوذ ومصالح أكثر منها نزاعا قانونيا بسيطا على ملكية جزيرة
 
أثار تجديد ترامب إصراره على أن أمريكا بحاجة  إلى جرينلاند رد فعل موحدا من أوروبا وكندا خصوصا مع تلميحه لاستخدام القوة العسكرية لتأمينها
 
يجد سكان جرينلاند صعوبة فى تخيل مستقبلهم تحت الحكم الأمريكى، وفى نهاية يناير 2025 أظهر استطلاع رأى أجرته مؤسسة فيريان أن 85 % من سكان جرينلاند لا يرغبون فى مغادرة الدنمارك
 
جرينلاند وبنما وكندا، أحلام دونالد ترامب بالغزو، لكن لماذا تثير جزيرة جرينلاند التى تبلغ مساحتها 2.16 مليون كيلومتر مربع - وهى إقليم دنماركى يتمتع بالحكم الذاتى، ويبلغ عدد سكانه ما يزيد قليلا على 58 ألف نسمة - اهتمام دونالد ترامب إلى هذا الحد؟
يصرح الرجل الذى سبق أن أعرب عن رغبته فى شراء جرينلاند عام 2019، قائلا إنه بحاجة إلى جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومى، وتتمثل الفكرة فى إعادة إنشاء خط جرينلاند – أيسلندا - المملكة المتحدة الذى تم تطويره فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد سمح هذا “الحاجز” خلال الحرب الباردة بالسيطرة على الوصول إلى المحيط الأطلنطى ورصد السفن الروسية القادمة من الشمال.
وإلى جانب روسيا التى تكثف أنشطتها العسكرية، هناك تراقب الصين أيضا هذا الجزء من العالم، حيث يتيح ذوبان الجليد المتسارع فرصا تجارية وإستراتيجية مع طرق بحرية جديدة، فالجميع يطمع فى الموارد المعدنية والنفطية الكامنة تحت الجليد مثل العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم والنفط والغاز الطبيعى.
 
 
لو استخدمت الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب القوة، لما استطاعت جرينلاند سوى المقاومة الرمزية، بقوات شرطتها المحلية وقواتها المحدودة والمكونة من طائرة واحدة وأربع مروحيات وأربع سفن وست زلاجات تجرها 80 كلبا!
وفى عام 2021، أعلنت الدنمارك وحكومة جرينلاند توقيع اتفاقية بشأن التدريب العسكرى الأساسى لسكان جرينلاند، وبعد ثلاث سنوات لم يبدأ التدريب الأساسى سوى 22 شابا جرينلانديا، من أصل 236 متقدما استوفى منهم 82 شابا فقط معايير القبول، وفى عام 2021 أيضا وإدراكا لأهمية جرينلاند وقعت الأحزاب السياسية الرئيسية، والحكومة الدنماركية اتفاقية إطارية لتعزيز القوات المسلحة فى القطب الشمالى وشمال المحيط الأطلنطى حيث كان الهدف من المساعدات، التى بلغت 1.5 مليار كرونة دانمركية (400 مليون يورو آنذاك)، تعزيز القدرات العسكرية من خلال طائرات مسيرة بعيدة المدى ومراقبة بالأقمار الصناعية ورادارات ساحلية واتصالات تكتيكية سرية وغيرها.
فى مواجهة القوة العظمى 
تمتلك الولايات المتحدة أكبر ميزانية عسكرية فى العالم تبلغ نحو 816 مليار دولار فى عام 2023، ولا يفصل القوات الأمريكية عن نوك عاصمة جرينلاند سوى 2300 كيلومتر، ويمكن قطع هذه المسافة بسرعة بواسطة حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية أو قاذفات بعيدة المدى يتم إطلاقها من البر.
علاوة على ذلك يمتلك الجيش الأمريكى قاعدة جوية فى «ثول» أقصى شمال الولايات المتحدة، توفر إنذارا مبكرا فى حال وقوع هجمات صاروخية تستهدف البلاد، كما تعمل البحرية الأمريكية بحرية مطلقة فى المياه الجرينلاندية بمدمرات وغواصات.
ومع ذلك فإن مثل هذا الصراع سيضعف حلف الناتو بشكل كبير مؤديا إلى حرب مفتوحة بين دولتين عضوين هما الولايات المتحدة والدنمارك، وستجد المملكة الواقعة على بعد 3300 كيلومتر صعوبة بالغة فى مقاومة أى غزو لأراضيها ذات الحكم الذاتي، ومن المرجح أن يصبح سلاحها الجوى المؤلف أساسا من طائرات إف-16 وإف-35 عاجزا عن العمل إذ لا تزال هذه المعدات الأمريكية خاضعة إلى حد كبير لسيطرة الشركة المصنعة.
السيناريوهات المتوقعة
سواء أكان ذلك استفزازا أم طموحا إمبرياليا صريحا، فقد أثار تصريح دونالد ترامب ردود فعل واسعة، ففى يوم الإثنين الموافق 13 يناير، أعرب رئيس وزراء جرينلاند موتى إيجيدى عن انفتاحه على مزيد من التعاون التجارى والعسكرى مع الولايات المتحدة، ولعل ذلك يطرح تساؤلا حول السيناريوهات المتوقعة لحل مشكلة جرينلاند بين الدانمارك والولايات المتحدة.
ترى الصحافة الغربية أن أقرب توصيف واقعى للأزمة هو أنها مشكلة إدارة نفوذ ومصالح أكثر منها نزاعا قانونيا بسيطا على ملكية جزيرة، وبالتالى فإن السيناريو الأول هو سيناريو الارتباط الحر أو ما يعرف فى القانون باتفاقية الارتباط الحر، بمعنى أن هناك دولة تصبح ذات سيادة تبرم اتفاقا مع الولايات المتحدة، يمنح واشنطن مسئوليات وصلاحيات دفاعية واسعة، مقابل دعم مالى واقتصادى وامتيازات حركة وإقامة، مع بقاء الطرف الآخر دولة مستقلة دوليا، ولعلنا نجد هذا النموذج قائما مع جزر مارشال.
لكن النقطة الحاسمة هنا أن جرينلاند ليست دولة مستقلة، ولذلك أقرب طريق منطقى لأى ارتباط حر مع واشنطن هو توسيع الحكم الذاتى أو الوصول لاستقلال متفق عليه ثم تفاوض جرينلاند (كدولة) مع الولايات المتحدة، ولكن كل ذلك لابد أن يوافق عليه البرلمان الدانماركي، لكن بافتراض أنه تم، فإن المكاسب المحتملة لجرينلاند هى مظلة دفاع أمريكية وتمويل طويل الأجل واندماج أوسع مع السوق الأمريكى وربما تسهيلات الإقامة والعمل، أما المخاطر فهى فقدان جزء كبير من حرية القرار الخارجى والدفاعى لصالح واشنطن وتولد حساسية داخلية من استبدال تبعية بأخرى واحتمالية أن تصبح جرينلاند ساحة تنافس دولى أكثر حدة فى القطب الشمالى.
أما فى حالة وجود ارتباط حر وظيفى بدون استقلال، فستصبح هناك شراكات اقتصادية أمريكية مباشرة مع حكومة جرينلاند، مما سيمكنها من التفاوض التجارى والاستثمارى ضمن حدود متفق عليها مع كوبنهاجن مع تحديث اتفاقيات الدفاع القائمة، وهذا سيحقق جزءا كبيرا من أهداف واشنطن من الوصول والوجود والاستقرار دون تغيير السيادة.
أما إذا حدث ارتباط حر ثلاثى بين الدانمارك وجرينلاند والولايات المتحدة، فإن ذلك سيصبح صيغة مركبة تعترف بدور كوبنهاجن السيادي، وتمنح جرينلاند مقعدا كاملا فى التفاوض، وتتيح للولايات المتحدة ترتيبات دفاعية واقتصادية موسعة، وهذا بدوره سيخفف التوتر القانونى ويمنع منطق تجاوز الدانمارك الذى يثير اعتراضات داخل جرينلاند نفسها.
الاستفتاء
السيناريو الثانى هو الاستفتاء، وليس فكرة عامة فقط بل له مسار قانونى واضح داخل ترتيبات الحكم الذاتى، فقانون 2009 ينص على أن إدخال الاستقلال لجرينلاند يتطلب اتفاق بين حكومة جرينلاند والحكومة الدانماركية، وموافقة برلمان جرينلاند، ثم استفتاء داخل جرينلاند لإقرار الاتفاق وأخيرا موافقة البرلمان الدانماركى، وبناء عليه فإذا تم الاستفتاء على الاستقلال، فإنه حتى لو صوتت الأغلبية لصالح الاستقلال، فالتنفيذ عمليا سيحتاج مفاوضات تفصيلية، فهو ليس قرارا بين يوم وليلة بل هو قرار يحتاج إلى سنوات لتنفيذه، أما إذا تم الاستفتاء المرحلى على توسيع الصلاحيات قبل الاستقلال، فربما يلاقى ذلك ترحيبا من النخب السياسية فى جرينلاند أو كوبنهاجن، خصوصا أن الملف الاقتصادى لم يصل بعد لنقطة الاطمئنان، وبالتالى فإن الاستفتاء المرحلى سيعمل على نقل صلاحيات إضافية بدل الاستقلال الفورى، أما إذا حدث الاستفتاء تحت ضغط خارجي، فإن التقارير الأخيرة حول الضغوطات الأمريكية للتأثير على الرأى العام  تظهر كيف يمكن أن يتحول الاستفتاء إلى ساحة جدل أخلاقى وسياسي، وقد يثير ذلك رد فعل عكسيا داخل جرينلاند يتمثل فى الرفض حتى لو كانت هناك رغبة أصلا فى الاستقلال.
الشراء المباشر
السيناريو الرابع والأخير هو الشراء المباشر بين الولايات المتحدة وجرينلاند، تظهر فكرة الشراء سياسيا من وقت لآخر، لكنها تصطدم بثلاثة عوائق هى السيادة والدستور داخل المملكة وحق تقرير المصير.
فجرينلاند تتمتع بحكم ذاتى واسع لكن السيادة الرسمية والدفاع والسياسة الخارجية تقع ضمن مملكة الدانمارك، ولذلك فصفقة شراء مباشرة بين واشنطن وجرينلاند وحدها ستعتبر قفزا على اختصاصات كوبنهاجن، وقد تواجه باعتبارها غير قانونية وغير قابلة للتنفيذ.
وبافتراض موافقة الدانمارك، فلا يمكن تجاوز سكان جرينلاند، فالقانون الدانماركى الخاص بالحكم الذاتى يضع الاستفتاء شرطا فى مسار الاستقلال، كما أن مبدأ تقرير المصير فى القانون الدولى يفرض أن أى تغيير جوهرى فى الوضع السياسى يجب أن يكون نابعا من الإرادة الحرة للشعب.
يبقى البعد الأمنى للمسألة، والذى يجعل الشراء مسألة غير ضرورية عمليا للولايات المتحدة، فواشنطن لديها أصلا إطار دفاعى يمنحها وصولا عسكريا وحقوق تشغيل فى جرينلاند بموجب اتفاقية 1951، وبالتالى يمكنها تحقيق معظم أهداف الأمن القومى عبر تحديث الاتفاق وتوسيعه بدل الدخول فى عملية سيادية شديدة الحساسية.
وفى النهاية يظل سيناريو الشراء المباشر ضعيف الاحتمال، لأنه يتطلب توافقا بين كوبنهاجن وحكومة جرينلاند والرأى العام هناك فى الجزيرة الصغيرة لمعرفة مدى استعداده، لإحداث تغيير جذرى مع وجود قبول دولى وأوروبي، التقارير الحديثة تشير إلى أن الفكرة نفسها تثير رفضا واضحا من الدانمارك، بينما الدعم الشعبى فى جرينلاند يميل أكثر إلى الاستقلال كهدف عام وليس الانضمام لأمريكا.
جرينلاند والاتحاد الأوروبى
تؤكد تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن جرينلاند فى 4 يناير 2026 أن هذه الجزيرة القطبية تمثل قضية جيوسياسية بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة، وبالتالى فإن السؤال الذى يطرح نفسه بقوة الآن هو. ما التحديات المحيطة بجرينلاند وهى إقليم تابع للدنمارك العضو فى الاتحاد الأوروبي؟
إجابة هذا السؤال ترتكز على خمسة محاور رئيسية وهى:
 المحور الأول، هو ردود الفعل الأوروبية على التصريحات الأمريكية الصادرة بشأن هذه الجزيرة، والتى تمثلت فى تأكيد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية ردا على تصريحات الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بشأن الجزيرة الواقعة فى القطب الشمالى، أن جرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتى تابع لمملكة الدنمارك، وأى تغيير فى هذا الوضع هو قرار يخص مواطنى جرينلاند، فى نفس الوقت ردت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتى فريدريكسن على تصريحات الرئيس الأمريكى محذرة من أن أى هجوم أمريكى على أى دولة عضو فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو) سيؤدى إلى زوال هذا الحلف، وأكد سبعة قادة أوروبيين أن الأمن فى القطب الشمالى يظل أولوية رئيسية لأوروبا، وهو أمر بالغ الأهمية للأمن الدولى وعبر الأطلنطى داعين إلى احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود، فجرينلاند هى ملك لشعبها، ويعود القرار فى المسائل المتعلقة بهما إلى الدنمارك وجرينلاند وحدهما، ويجب ألا ينسى أحد أن الدانمارك هى عضو فى حلف شمال الأطلنطي، ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للمفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبى، حيث أكدا أن القانون يسود على القوة، وأن الأحادية طريق سريع إلى الصراع والعنف وعدم الاستقرار، وبالتالى فقد أعلنا دعمها الكامل وتضامنهما مع جرينلاند.
المحور الثانى هو ضرورة معرفة وضع جرينلاند داخل الدنمارك
جرينلاند أو كالاليت نونات أو “الأرض الخضراء” هى جزيرة تزيد مساحتها على مليونى كيلومتر مربع، وتقع شمال شرق كندا، ويفصلها عنها مضيق ديفيس بمسافة 26 كيلومترا، ورغم موقعها الجغرافى فى أمريكا الشمالية تعد جرينلاند جزءا من المجال الاقتصادى والقانونى الأوروبى نظرا لانضمامها إلى الدنمارك العضو فى الاتحاد الأوروبي، وتصنف جرينلاند ضمن دول الشمال.
يبلغ عدد سكانها 58 ألف نسمة ويعيش نحو 45 ألف نسمة (78 %) فى المدن وأكبرها مدينة نوك التى يبلغ عدد سكانها قرابة 20 ألف نسمة، ويتكون هذا التعداد السكانى من سكان جرينلاند (80 %) والدنماركيين 14.5 %.
كانت جرينلاند مستعمرة  دنماركية منذ عام 1721، وهى الآن إقليم يتمتع بحكم ذاتى قانونى تابع للدنمارك، وقد تمتعت الجزيرة بحكم ذاتى سياسى منذ عام 1979، وتعزز هذا الحكم فى عام 2009، حيث تنازلت الدنمارك عن 32 مجالا من اختصاصاتها لمستعمرتها السابقة، بما فى ذلك الأمن والقضاء، تبقى السياسة النقدية والدفاعية والخارجية تحت السيطرة الدنماركية، وينص قانون الحكم الذاتى لعام 2009، على أن لشعب جرينلاند الكلمة الفصل فى أى قرار يتعلق باستقلال الإقليم، وتمتلك جرينلاند برلمانها وحكومتها وجهازها الإدارى ويرأس الدولة حاليا الملك فريدريك العاشر ملك الدنمارك.
أسهمت العزلة الجغرافية للجزيرة عن الدنمارك ولغة “كالاليسوت” المستخدمة فى التعليم، ومشاركة سكان جرينلاند فى الشئون العامة فى جعل السكان ينظرون إلى أنفسهم كأمة على قدم المساواة مع الدنماركيين، بدلا من كونهم أقلية أصلية تحمل الجنسية الدنماركية، ونتيجة لذلك فإن العلاقات مع الدنمارك هى علاقات إدارية فى المقام الأول، وليست قائمة على الهوية.
واللغة الرسمية فى جرينلاند هى لغة “كالاليسوت” وهى تنتمى إلى عائلة لغات الإنويت، وهى اللغة الرسمية الوحيدة فى جرينلاند، ومع ذلك يجوز استخدام اللغة الدنماركية، بما فى ذلك من قبل الإدارة المحلية عند الضرورة.
المحور الثالث هو العلاقات بين الاتحاد الأوروبى وجرينلاند
جرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتى ويرتبط جيوسياسيا بالاتحاد الأوروبى عبر الدنمارك، وقد تم تعديل معاهدة جرينلاند التى دخلت حيز التنفيذ عام 1985، لتطبيق المعاهدات الأوروبية على أراضيها، ويحدد بروتوكول إضافى ملحق بالمعاهدة عددا من الاستثناءات المتعلقة بالصيد.
وتعد الجزيرة وهى إقليم تابع لمملكة الدنمارك مدرجة على قائمة أقاليم ما وراء البحار المرتبطة بالاتحاد الأوروبي، وبذلك تستفيد من تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وخلال الفترة 2021-2027، تلقت جرينلاند - ولا تزال – مبلغ 225  مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبى لدعم التنمية المستدامة والتعليم والنمو الأخضر، وتحتل جرينلاند مكانة فريدة فى التاريخ الأوروبى، إذ كانت أول إقليم ينسحب من المشروع الأوروبى دون أن يختار الانضمام إليه، وفى استفتاء عام 1972، الذى أُجرى فى الدنمارك بشأن انضمامها إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية صوت الدنماركيون بنعم، بينما صوت 70 % من سكان جرينلاند بلا، وقد أدى هذا الوضع السياسى إلى اعتماد وضع خاص لجرينلاند عام 1979.
وسمح هذا الوضع الجديد لجرينلاند بالانسحاب من المجموعة الاقتصادية الأوروبية بعد استفتاء أُجرى عام 1985.
المحور الرابع هو معرفة القضايا الأوروبية فى جرينلاند
منذ عام 2009 تسعى جرينلاند جاهدة لنيل استقلالها، ولكن هناك بعض القوى التى تطمع بها مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة نظرا لإمكانياتها فى الموارد الطبيعية وخطوط الملاحة، ومنذ ذلك الحين تحاول الجزيرة تنويع شراكاتها، وفى عام 2023، وقع الاتحاد الأوروبى مذكرة تفاهم مع حكومة جرينلاند لإقامة شراكة إستراتيجية تهدف إلى تطوير سلاسل مستدامة للمواد الخام، وتركز هذه الشراكة على العلاقة بين رواسب جرينلاند المعدنية وطموح الاتحاد الأوروبى لزيادة اكتفائه الذاتى من الطاقة وتنويع مورديه، ومن بين 34 مادة خاما حيوية تعتبرها المفوضية الأوروبية ذات أهمية إستراتيجية للصناعة الأوروبية والتحول الأخضر يوجد 25 منها فى جرينلاند، وبالتالى ينظر الاتحاد الأوروبى إلى علاقاته مع جرينلاند من منظور الاعتماد الإستراتيجى على الصين التى تهيمن على استخراج ومعالجة المعادن والعناصر الأرضية النادرة الضرورية لتصنيع المعدات الإلكترونية وتقنيات التحول فى الطاقة.
وإلى جانب مسألة المواد الخام تعد جرينلاند أيضا من أهم المناطق القطبية الشمالية الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي، إذ تتيح تداعيات تغير المناخ طرقا بحرية جديدة نتيجة ذوبان الجليد البحرى فى القطب الشمالى خلال فصل الصيف، ويقلل الطريق البحرى فى القطب الشمالى المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو النصف أى نحو 40 %.
وفى عام 2021 تم نشر أحدث وثيقة إستراتيجية للاتحاد الأوروبى بشأن القطب الشمالي، وفى نهاية يناير 2025، دعت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية الاتحاد الأوروبى إلى إعادة النظر فى إستراتيجيته تجاه القطب الشمالى لحماية مصالحه هناك وفق ما سماه مصالحه المشروعة فى هذه المنطقة التى أصبحت نقطة حساسة جيوسياسيا بالنسبة للصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى الذى دعا إلى إعادة تقييم النهج الأوروبى، بما فى ذلك دعم المشاركة العامة والتعاون الوثيق مع جرينلاند.
المحور الخامس والأخير يدور حول وجود قواعد عسكرية أمريكية فى جرينلاند
تحتفظ الولايات المتحدة بموجب اتفاقية تم توقيعها عام 1951، وتم تجديدها عام 2004، بميناء فضائى رئيسى فى بيتوفيك أو ما يعرف بقاعدة ثول الجوية سابقا فى أقصى شمال غرب الجزيرة، ولطالما اعتبرت الولايات المتحدة جرينلاند عنصرا حاسما فى أمنها القومى، ومنذ القرن التاسع عشر بذلت الحكومات المتعاقبة عدة محاولات لشراء الجزيرة من الدنمارك، فى مواجهة حلم ترامب بضمها سكان الجزيرة يدافعون عن استقلالهم الذاتى، بعد أن كانت طموحات ترامب فى البداية ضربا من الخيال خلال ولايته الأولى، إلا أنها تؤخذ اليوم على محمل الجد فى هذه المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتى التابعة للدنمارك، ومن إدارة ترامب إلى الدول الأوروبية بما فيها الدنمارك، بالطبع يصر الجميع على موقفهم دون أن يسمع صوت سكان جرينلاند أنفسهم.
وعلى عكس دونالد ترامب، يجد سكان جرينلاند صعوبة فى تخيل مستقبلهم تحت الحكم الأمريكى، وفى نهاية يناير 2025 أظهر استطلاع رأى أجرته مؤسسة فيريان أن 85 % من سكان جرينلاند لا يرغبون فى مغادرة الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة، فهم لا يريدون استبدال التبعية الدنماركية بالتبعية الأمريكية خصوصا أنه ببساطة تم الاعتراف بحق جرينلاند فى تقرير المصير وتتمتع المنطقة بحكم ذاتى واسع، أى إنهم سياسيا يطغى لديهم طموح الاستقلال، كما أنه على مر العقود أصبح سكان جرينلاند أقل اعتمادا على سلطة كوبنهاجن التى خففت قبضتها تدريجيا، ووفقا لآرثر أميلو المستشار المستقل وعضو اللجنة الوطنية الفرنسية لأبحاث القطب الشمالى والقطب الجنوبى، فإن هذا الموقف ينعكس أيضا فى المجال السياسى، حيث تؤيد جميع الأحزاب فى جرينلاند استقلال جرينلاند عن الدنمارك لكنها ترفض الخضوع لهيمنة الولايات المتحدة أو حتى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومنذ مارس 2025، تشكل ائتلاف جديد فى جرينلاند يضم أربعة أحزاب، وقد أصدر هذا الائتلاف قبل بضعة أشهر بيانا يؤكد انفتاحه على التعاون والاستثمار الأجنبى، رافضا فى الوقت نفسه خطاب السيطرة أو شراء جرينلاند.
يانوس كيمنتس كلايست، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات فى حكومة جرينلاند، أشار إلى أن بعض سكان جرينلاند الذين كانوا سابقا يؤيدون توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة بدأوا فى إعادة النظر فى موقفهم، حتى المعارضة التى كانت على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة حتى وقت قريب، تبنت موقف الائتلاف الحاكم فى هذه القضية، مع انفتاحها على التعاون الاقتصادى ورفضها للضم.
يأتى الرفض ثقافيا أيضا إذ لا تعتبر جرينلاند نفسها أمريكية أو أوروبية بالمعنى الدقيق بل دولة قطبية، ينحدر نحو 80 % من سكانها من أصول إنويتية، وهناك شعور حقيقى بالانتماء إلى ثقافة الإنويت ورغبة جامحة فى الاستقلال بين هذا الشعب، وقد غذى الكشف عن حملة لإجبار نصف الشابات والفتيات فى الجزيرة على تركيب اللولب الرحمى إبان الستينيات والسبعينيات لعدم الإنجاب، وبالتالى تقليل عدد سكان جرينلاند الرغبة فى الاستقلال، ومما زاد الطين بلة اكتشاف تبنى مئات الأطفال الجرينلانديين من قبل عائلات دنماركية تحت ذرائع كاذبة مثل التنشئة الدينية، كما أجبروا النساء على إزالة الوشوم التقليدية، واليوم يعاود الجرينلانديون العودة إلى ثقافتهم متمثلة فى النقوش وطقوس الطبل والكاياك، وباتوا يرفضون أن ينظر اليهم على أنهم جزء من ثقافة أجنبية، فالشعور بالغرض الوطنى المتجدد اكتسب زخما إضافيا بعد تصريحات ترامب ولم تعد المجتمعات المحلية تريد أن تكون لها تبعيتان فى آن واحد.
أما من الناحية الاقتصادية فإن الرفض يرتكز على كون النظام الاقتصادى فى جرينلاند يعتمد على دعم ضخم من الدنمارك، إذ تغطى المنحة الدنماركية نحو 25 ٪ من الناتج المحلى الإجمالى الجرينلاندى، وتشكل قرابة نصف الإنفاق الحكومي، وبلغت قيمة هذا الدعم عام 2024 نحو 540 مليون يورو سنويا أى ما يعادل 9700 يورو لكل مواطن، وغالبية اقتصاد سكان جرينلاند يقوم على صيد الأسماك واستخراج المعادن التى لا تزال غير مستغلة بالكامل، ويخشى الكثيرون من أن تجهد شركات أمريكية موارد الجزيرة دون ضمان تطوير اقتصادها المحلي.
كما أن هناك مخاوف بيئية، فترامب سبق أن شكك بوضوح فى تغير المناخ وناقش حتى إلغاء برامج حماية البيئة، مما أثار القلق إزاء تأثيرات أى استغلال أمريكى مكثف للموارد الطبيعية، وبصفة عامة يرى الجرينلانديون أنه بعيدا عن الوعود الاقتصادية، فإن التقسيم الإدارى والسياسى الذى تفرضه السيادة الأمريكية قد يفاقم وضعهم الضعيف بدلا من دعمه.
ماذا سيحدث إذا حاول ترامب ضم جرينلاند؟
أثار تجديد الرئيس الأمريكى إصراره على أن أمريكا بحاجة إلى جرينلاند رد فعل موحدا من أوروبا وكندا خصوصا مع تلميحه لاستخدام القوة العسكرية لتأمينها، بالطبع لا يمكن تجاهل التداعيات المحتملة ولا يمكن استبعاد أى سيناريو لا سيما فى ظل تصاعد الأحداث الجيوسياسية فى السنوات الأخيرة، وإذا ما استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لتصعيد الموقف فى جرينلاند، فإن النتيجة الأكثر ترجيحا ستكون مناورة قسرية - لا غزوا صريحا - وسوف تقدمها واشنطن على أنها تعزيز دفاعى للمنشآت الأمريكية القائمة وليس هجوما، وستعتبر الدنمارك هذا العمل انتهاكا لسيادتها، وستجبر حلف الناتو على طرح القضية مما سيؤدى إلى مشاورات طارئة وسيكشف عجز الحلف عن الاستجابة بشكل متماسك عندما يمارس أحد أعضائه ضغوطا على الآخر.
بشكل أوضح إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو عسكريا فسيتوقف كل شىء، أى سيتوقف حلف الناتو، وبالتالى سيتوقف الأمن الذى تم توفيره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبمجرد أن يبدأ الحلفاء بالتخطيط للأمن دون الولايات المتحدة يصبح الحلف مجرد هيكل فارغ.
وبدلا من أن يقرب هذا التصعيد جرينلاند من الولايات المتحدة، فإنه سيؤدى إلى تصلب المعارضة السياسية فى جرينلاند وانهيار الفصائل الموالية لأمريكا ودفع نوك وكوبنهاجن إلى تقييد التعاون مع واشنطن قدر الإمكان ضمن الإطار القانوني، وحينها ستواجه الولايات المتحدة خيارات صعبة، فهى إما أن تصعد الموقف أكثر مما يؤدى فعليا إلى تدمير حلف الناتو، أو أن تحافظ على موقعها وتعزل نفسها دبلوماسيا عن أوروبا، أو أن تتراجع متكبدة ضررا طويل الأمد لمصداقيتها.
بشكل عام ستكون النتيجة النهائية تشويها إستراتيجيا للذات وسيضعف النفوذ الأمريكى فى القطب الشمالى ويعزز موقف روسيا والصين دون السيطرة على جرينلاند أو تحسين الأمن الأمريكى، فالولايات المتحدة لديها بالفعل ما تحتاجه فى جرينلاند من الناحية العسكرية، فالوصول والقاعدة والتعاون متاحان فى إطار اتفاقيات طويلة الأمد، ولذلك فمن الأفضل لها اللجوء الى السيناريو الوحيد الذى يمكنها بموجبه تعزيز دورها قانونيا فى هذه الجزيرة والذى يندرج تحت بند حق جرينلاند فى تقرير المصير، أما التعامل معها كهدف إستراتيجى لا ككيان سياسى يتمتع بالحكم الذاتى والحقوق القانونية فهة خطأ سياسى وليس جهلا إستراتيجيا، فالمخططون الأمريكيون يدركون طبيعة القطب الشمالى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام