نحن والعالم



من الهيمنة العابرة للقارات إلى إدارة النفوذ من بوابة الإقليم.. عالم ما بعد العولمة

16-1-2026 | 00:32
⢴ هانى فاروق

لم تكن العولمة، منذ ترسخها فى أعقاب الحرب الباردة، مجرد مسار اقتصادى، بل كانت إطارا شاملا لإدارة القوة والنفوذ على المستوى الدولى، قوامه انسياب التجارة، وتكامل سلاسل الإنتاج، وانتشار الهيمنة الأمريكية سياسيًا وعسكريًا وماليًا.
 
غير أن هذا النموذج، الذى قدّم نفسه باعتباره أفقًا نهائيًا للنظام الدولى، دخل خلال العقد الأخير مرحلة اهتزاز بنيوى، بفعل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وعودة اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية، وارتفاع كلفة الهيمنة العابرة للقارات.
 
فى هذا السياق، تطل الإقليمية الجديدة بوصفها أحد المفاتيح التفسيرية لتحولات النظام العالمى الراهن، حيث تميل القوى الكبرى إلى إعادة تموضع نفوذها داخل أقاليمها الإستراتيجية، مع الحفاظ على حضور انتقائى فى العقد والممرات الحيوية عالميًا، ولا يعكس هذا التحول قطيعة كاملة مع العولمة، بقدر ما يشير إلى إعادة هندسة عميقة لها، تفرز نظامًا دوليًا أقل مركزية، وأكثر تعددية، تتداخل فيه منطق الكتل الإقليمية مع شبكات الترابط العالمى، بما يحمل تداعيات مباشرة على الاقتصادات الناشئة ومناطق التماس الجيوسياسى، وفى مقدمتها الشرق الأوسط.
 
نهاية العولمة التقليدية
أكد د. دانيال ملحم، أستاذ الاقتصاد فى جامعتى مونبلييه وباريس للأعمال، أن العولمة بصيغتها التقليدية قد انتهت فعليًا، موضحًا أن المقصود هنا هو نموذج العولمة الذى ساد منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضى وحتى ما قبل العقد الثانى من الألفية الجديدة، حيث كانت التجارة الحرة العابرة للقارات، وسلاسل الإمداد المفتوحة، والهيمنة الأمريكية شبه المطلقة، هى السمات الأساسية للنظام الدولى، مشيرًا إلى أن بدايات التراجع الفعلى لهذا النموذج، تعود إلى ما بعد عام 2015، مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، حيث تبنّت الولايات المتحدة رؤية أكثر انكفاءً على الداخل، وأدركت تدريجيًا أنها لن تبقى قاطرة النمو التجارى والاقتصادى العالمى كما فى السابق، ما دفعها إلى إعادة تعريف مصالحها ضمن إطار إقليمى أضيق.
وأضاف أن الولايات المتحدة بدأت عمليًا فى بناء "كتلة أمريكية" تتمحور حول أمريكا الشمالية والجنوبية، فى مقابل توجه الصين إلى إعادة ترتيب عمقها الإستراتيجى، عبر التركيز على محيطها الإقليمى وتقليص انكشافها العالمى، لتتشكل بذلك كتل كبرى متمايزة بدل النظام العالمى الواحد.
وأشار ملحم إلى أن أوروبا تمثل حالة مختلفة، فهى كتلة مهمة لكنها تواجه إشكاليات حقيقية، تتعلق بقدراته التنافسية مقارنة بالولايات المتحدة والصين. ورغم ذلك، بيّن أن الاتحاد الأوروبى لا يزال يحتفظ بجاذبية خاصة لدى العديد من الدول، كونه يتمسك بالقانون الدولى، وقواعد التجارة، والمعايير المؤسسية، ما يجعله خيارًا ثالثًا للدول التى لا ترغب فى الاصطفاف الكامل مع أحد القطبين الرئيسيين.
واستطرد بالقول إن العولمة لم تختفِ كليًا، لكنها تراجعت فى صورتها النمطية القديمة، لتحل محلها منظومة جديدة تقوم على الكتل الإقليمية المتداخلة، مثل مجموعة البريكس، ومجموعة السبع، ومجلس التعاون الخليجى، وهى أطر عابرة للإقليم الواحد لكنها لا تعيد إنتاج العولمة السابقة، بل تعكس إعادة تشكّل النظام الاقتصادى العالمي. 
 
حسابات الهيمنة الشاملة
وفى السياق التاريخى، أوضح د. دانيال ملحم أن النفوذ الإقليمى ليس ظاهرة جديدة، بل كان هو النمط السائد قبل مرحلة العولمة الحديثة، مستشهدًا بأوروبا كنموذج تاريخى لنظام قائم على توازنات إقليمية متجاورة، معتبرًا أن العالم يتجه مجددًا نحو صيغة شبيهة، ولكن بأدوات حديثة.
وأوضح أن الهيمنة الاقتصادية لطالما كانت مرتبطة بالقوة العسكرية، مستحضرًا تجربة الإمبراطورية البريطانية وهيمنة الجنيه الإسترلينى، ثم الولايات المتحدة التى فرضت الدولار كعملة عالمية بفضل تفوقها العسكرى وانتشار قواعدها حول العالم، مضيفا أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك هذا التفوق، لكنها بدأت تعيد توزيع أعبائه عبر الاعتماد على قوى "وكيلة"، مع تقليص الانخراط العسكرى المباشر، مشيرًا إلى أن الصين، رغم تقدمها الاقتصادى والتكنولوجى، لا تزال تفتقر إلى الانتشار العسكرى العالمى الذى يسمح لها بفرض هيمنة شاملة، ما يفسر تركيزها الحالى على بناء نفوذ اقتصادى إقليمى وتوسيع شراكاتها فى آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط. 
 
تعددية قطبية واقعية
وقال، أستاذ الاقتصاد فى جامعتى مونبلييه وباريس للأعمال، إن التحول نحو الإقليمية بدأ اقتصاديًا قبل أن يكون سياسيًا أو عسكريًا، حيث عززت الولايات المتحدة منذ سنوات سياساتها الصناعية، وحمت قطاعاتها الإستراتيجية، وقيّدت وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة، فى مؤشر واضح على نهاية نموذج الاعتماد المتبادل المطلق.
وأضاف أن النظام الدولى يتجه نحو تعددية قطبية واقعية، تحاول فيها القوى الكبرى تقليص خسائرها وتعظيم مكاسبها، مشيرًا إلى أن الصين بدأت تخفّض انكشافها على سندات الخزانة الأمريكية، وتوسّع علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا ودول الخليج وأفريقيا، فى محاولة لبناء شبكة أمان اقتصادية بديلة.
وفيما يتعلق بالدول النامية، أكد ملحم أنها لن تكون فى موقع القيادة فى هذا التحول، لكنها ليست خارجه تمامًا، حيث ميّز بين دول تمتلك مقومات صناعية وبشرية معقولة – مثل الهند، إندونيسيا، البرازيل، جنوب إفريقيا، مصر، وماليزيا – وهذه ستسعى إلى تنويع شراكاتها وعدم الانخراط فى محور واحد، مقابل دول أخرى ستجد نفسها مضطرة للتموضع كتوابع داخل كتل كبرى.
 
دول الخليج المستفيد الأكبر
أما عن الشرق الأوسط، فقسمه د. دانيال ملحم إلى مسارين رئيسيين، الأول يتمثل فى دول الخليج العربى، التى تمتلك فوائض مالية، وموارد طاقة، وقدرات استثمارية، ما يؤهلها للعب دور حلقة وصل بين الكتل الثلاث الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، أوروبا)، دون الانخراط الكامل فى أى منها.
أما المسار الثانى، فيشمل دولا مثل مصر ودول المغرب العربى، حيث أشار إلى أن هذه الدول تمتلك إمكانيات صناعية وجغرافية مهمة، تؤهلها لأدوار إقليمية محددة، فالمغرب والجزائر يمكن أن يشكلا جسرًا بين أوروبا وإفريقيا، بينما تتمتع مصر بموقع يسمح لها بالربط بين الخليج والكتل الكبرى.
وختم د. ملحم بالقول إن المستفيد الأكبر من التحول نحو الإقليمية الجديدة ستكون دول الخليج، نظرًا لما تملكه من موارد، وسيولة مالية، وقدرة على التموضع المرن فى نظام عالمى لم يعد موحدًا، بل متشظيًا إلى أقاليم ومراكز نفوذ متنافسة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام