مقالات



‫من بلاد الأساطير (4)‬

16-1-2026 | 00:34
د. إيمان طاهر

... وكم سرد لنا التاريخ من مواقف وحكايات، عن تلك التضحيات، فبينما كان الحاكم إيميشو يحتضر قام كبير وزرائه، بقتل نفسه بالسيف، وعندما توفى الإمبراطور ميسوهيتو، فعلها الجنرال توجى وزوجته ولاء له، تلك التقاليد الصارمة لن تراها فى سائر الشعوب، لأنها تتطلب زهدا بالغا بالحياة وضبطا قويا للنفس “بالطبع نحن هنا نستعرض تقاليد قديمة، بعيدًا عن تحريم كل الأديان السماوية، لقتل النفس التى حرم الله تعالى قتلها”.
كان يطلق على هذا السلوك فى تشريع بوشيدو، أو السيافين «هاراكيرى» أى شق البطن، وهو عرف سائد ومتوطن لدى الشعب اليابانى، مرتبط بالتضحية والكرامة، ففى عام 1895، عانت اليابان ضغطاً هائلاً من الدول الأوروبية لإخلاء لياوتنج، فأقدم أربعون رجلا من العسكريين على قتل أنفسهم بطريقة «هاراكيرى»، احتجاجا على التدخل فى سيادتهم، وفى عام  1905، فعلها عدد كبير من الجنود والضباط اليابانيين، عندما حاول الروس أسرهم.
وتحكى المسرحيات والقصص الأدبية الحافلة، عن تلك التشريعات الخاصة، ومنها الثأر، ولأن اليابان كانت تتبع النظام الإقطاعى، فكان الإنفاق على رجال الشرطة ضئيلا للغاية، فكانوا يسمحون لابن القتيل أو أخيه بالأخذ بالثأر بدلا من اللجوء للقانون، وهناك الأسطورة الشهيرة للأربعين أو «الرونانات»، تمت صياغتها بعمل سينمائى شهير، وهم فئة من السيافين تأثروا من كوتشوكى لما حدث له، فانسحبوا فى وقار لضيعات عينها لهم الحاكم العسكرى، وقتلوا أنفسهم بغاية الثبات فى عام 1703، وهى من أشهر القصص البطولية لليابان وشعبها، ويعتزون بكل بطل، وقيمة فيها يدرسها ويحللها كل باحث، ومهتم ومن يريد فهم هذا الشعب، ولماذا اعتبروهم قديسين إلى يومنا هذا؟ يزخرفون قبورهم ويضعون عليها البخور، فهى تعبر عن أمجاد وقيمة الضمير الإنسانى وكرامته. 
وخلال آلاف الأعوام من التاريخ لأغنى الحضارات، فإنه يستحيل أن نكون قد وفيناها حقها العادل، أو فهمناها إلا بقدر ضئيل، فهذا تراث أمة بكل نظمه السياسية والاجتماعية وعاداته وفنونه وأخلاقياته، وحكمة أجيال تعاقبت، تكرس تراثا غزيرا من الصعب فك شفرات أسراره، وعلى الرغم من ذلك رأينا، ولمسنا كل عوامل المدنية من عمل دؤوب وزراعة وصناعة وتجارة وفنون للحرب، استمدها الغرب من الشرق وكيفية تنظيم الحياة والمجتمع ووقايتهما فى ظل الدولة، والمحاولات الدائمة لفرض الأخلاق وآداب المعاملات، وفلسفة فهم الوجود للوصول للمثل العليا وتطبيقها.
كل الأساطير التى قرأناها، وتلك التى لا تزال تنتظر القراءة، ليست بحكايات خرافية للإلهاء أو تضييع الوقت، بل إنها ملاحم امتزجت فيها حياة الناس بواقعهم وأحلامهم، ونظرات صادقة صاغها الخيال أحيانا، لترتسم بأذهاننا وتطلق العنان لأفكارنا، لاستخلاص الصالح منها والارتقاء بالوعى، ليظل الإنسان يتعلم ويميز الحقائق والحوادث، فكل أسطورة هى فى الواقع انعكاس لحضارة، نخطئ حين نظن أنها انتهت، أو يد الحداثة انتزعتها، فهى باطن لهوية وجذور تستمد منها الأمم اتزانها العقلى والنفسى والأخلاقى، وهى بوصلة بدونها تسلب إرادة الإنسان وقيمته من بلاد، تاريخ وحضارة وأساطير، فهو بلا شك بلا حاضر أو مستقبل.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام