رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأحد 15 فبراير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
حرية الرأى والتعبير .. تاريخ فكرة خطرة.. نهاية لعبة فاشلة
16-1-2026
|
00:46
⢴ مصطفى عبادة
حرية التعبير ليست مطلقة، بل يجب موازنتها مع اعتبارات أخرى كالنظام العام، والأمن القومى، والقيم العامة، وأعراف اللياقة، واحتياجات الأطفال، والسمعة الشخصية، والكرامة الاجتماعية للأقليات المستضعفة
جون ستيوارت ميل كتب كتابه عن «الحرية» بينما كان يشغل منصبا رفيعا فى شركة الهند الشرقية القمعية والاستغلالية
بنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسون، سخرا من فكرة أن حرية التعبير تعنى إفلات الأكاذيب والافتراءات من العقاب
كانت حجة «ميل» حول حرية التعبير مشبعة بافتراضات إمبريالية حول التاريخ و«التقدم» وتقسيم حاد بين الأوروبيين «المتحضرين» والآخرين «البرابرة»
تستحق هذه القصة المحزنة برمتها أن تُروى بتفصيل، لأنه من السهل علينا أن نعتاد على ما يحدث، لكننا هنا لن نعتاد على سلاح تم استخدامه ضدنا بشراسة وفجر غير مسبوقين، كانت الانتقادات تعلو، والتقارير فى الصحف الأمريكية والأوروبية تنشر كل عام، ونوضع فى ذيل التقرير الدولى لحرية الرأى والتعبير فى العالم، وتتم معايرتنا، والتلويح بقطع المعونات ما لم نتسامح فى هذا الملف، ما لم نترك الجهلة وشذاذ الآفاق يفعلون ما يريدون، ما لم نترك كل مقدساتنا سهلة للنقد، وفجأة صرنا مريض العالم فى هذا الملف، أو أريد لنا أن نكون كذلك، نعم أريد لنا حتى تأتى اللحظة المناسبة ويتم الانقضاض علينا، هذه الدول وهذا العالم الذى صنع تلك البقرة المقدسة: «حرية الرأى والتعبير»، داسها بالحذاء أمام مصالحه، فالإبادة الجماعية التى تجرى ضدنا، هى حرية دفاع عن النفس، والمظاهرات ضدها باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، خرق فاضح للقانون، وتقوم منصاتهم بحذف كل ما يتعلق بجرائم الغرب، بل توسعت بحذف أغلب التاريخ الغربى المتعلق بالاستعمار ونهب روح وثقافات العالم العربى والإفريقى، والثورات الملونة والمجوقلة، والمحمولة جوا، من قبيل حرية التعبير والرأى، لكن محافظة الدول على مؤسساتها القومية والسيادية من قبيل القمع والاستبداد،
وهكذا كل شيء ونقيضه، هم يدافعون عن مصالحهم، ونحن نقبل مستخزين مستسلمين ما تتم صياغته فى مراكر أبحاثهم، بريطانيا، أم الديموقراطية، ومخترعة "البقرة المقدسة"، أصبحت ضد حرية التظاهر وتجرمها، لأنها ليست ضمن نطاق حرية الرأى والتعبير، بريطانيا: "جون ستيوارت ميل"، وكتاباته عن الحرية، و"جون ميلتون"؛ صاحب مبدأ سوق الأفكار، وبرتراند راسل.. الدفاع عن العقلانية، بريطانيا جون لوك ورسالة فى التسامح، بريطانيا تجرم حرية الرأى والتعبير، وتسجن كل من يتظاهر ضد ما تعتنقه، وتهدد أكبر كاتبتين هما، أرونداتى روى، وسالى رونى، بالسجن لأنهما تدافعان عن حق الفلسطينيين فى حياة كريمة، وتتظاهران ضد الإبادة الجماعية التى ترتكبها إسرائيل.
هذه القصة ينبغى أن تروى بصبر وأناة ومرارة وربما ندم، نحن من صدق كل تلك المبادئ السامية، وهى سامية بالفعل، لو طبقت على الجميع، واستخدمت لمصلحة الجميع، نحن آمنا بالتنوع الخلاق، وتقبل الآخر، والحرية الدينية والفكرية، ولما حاولنا استخدام هذا الحق مرة واحدة عوملنا بقسوة وعسف، أمريكا توماس جيفرسون؛ كاتب إعلان الاستقلال، وجيمس ماديسون؛ أبو الدستور والمحرك الأساسى وراء التعديل الأول، وحماية الأقليات، أمريكا أوليفر ويندل هولمز الابن، قاضى المحكمة الدستورية العظيم ومن صك مصطلح "سوق الأفكار" للمرة الأولى، أمريكا نعوم تشومسكى صاحب مقولة: "إذا كنت لا تؤمن بحرية التعبير لمن تزدرى، فأنت لا تؤمن بها على الإطلاق"، وتوماس بن، صاحب كتابى الحس السليم، وحقوق الإنسان، أمريكا هذه تفصل الطلاب والأساتذة وتمنعهم من العمل بعد التخرج إذا عبروا عن رأيهم، وتعاطفوا مع مالا تتعاطف معه الإدارة الأمريكية، هذه القصة لعبنا فيها وحدنا دور الشرير، الذى لا بد أن يعاقب حتى على ما لم يفعله، وفى بعض الأوقات لعبنا دور الغافل الذى لا يعرف ما يحاك له حتى فوجئ به على باب بيته، إنها قصة أخطر فكرة فى التاريخ المعاصر، قصة: "حرية الرأى والتعبير".
إذا كان فجر العصر الرقمى قد بدا كأنه يعكس اتجاه أواخر القرن العشرين نحو تكتل وسائل الإعلام، فقد انقلبت الأمور رأسًا على عقب مع بداية العقد الثانى من الألفية، الآن، تسيطر حفنة من الشركات على جميع وسائل الإعلام التقليدية تقريبًا، وسائل الإعلام الرقمية لا تقل احتكارًا، إلا أنها تخضع لسيطرة مجموعة صغيرة من المتنفذين الذين يمارسون أيضًا نفوذًا على العديد من جوانب حياتنا الأخرى: مارك زوكربير، وجيف بيزوس، بالإضافة إلى إيلون ماسك الذى يملك شركة X، المعروفة سابقًا باسم تويتر، كما أن هناك جيلا جديدا من الشركات الناشئة فى مجال الإعلام عبر الإنترنت، لكن سرعان ما تم الاستحواذ على العديد منها فى خضم جنون الاستحواذ من قبل شركات الأسهم الخاصة، أما أولئك الذين سعوا إلى ممارسة العمل الفكرى فى الأوساط الأكاديمية، بعيدًا عن تقلبات سوق الإعلام، غالبًا ما وجدوا أنفسهم فى دوامة من التوظيف المؤقت، مما جعلهم فى وضع غير مستقر ومرهقين، وفوق كل ذلك، أعلنت شركة OpenAI فى نوفمبر 2022 عن إطلاق منتج جديد يعد المستهلكين بإمكانية الاستعانة بروبوت ليقوم بالقراءة والكتابة (والتفكير) نيابةً عنهم.
كانت حركة الاحتجاج ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية فى غزة أشعلت شرارة حرق حرية التعبير، سرعان ما حوّل حلفاء إسرائيل الاستثناء الفلسطينى الراسخ لحرية التعبير إلى هوة سحيقة قد يسقط فيها أى شخص: ليس فقط منتقدو إسرائيل، بل أيضاً إداريو الجامعات المتهمون بقمع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين بحماسة غير كافية، وجد الطلاب أنفسهم محرومين من فرص العمل وملاحقين بشاحنات مخصصة للمضايقات؛ أما الأساتذة الذين وُصفوا بالتخريبيين ففقدوا امتيازات التدريس، بل حتى وظائفهم، لم يستطع أى قدر من الهيبة أو الشهرة أن يحمى من الرقابة: فقد أُلغى لقاء لثانه نجوين، الحائز على جائزة بوليتزر وزميل ماك آرثر، وكاتب الرأى فى صحيفة نيويورك تايمز ، فى 92NY فى أكتوبر 2023 بعد أن وقّع على رسالة مفتوحة تطالب بوقف إطلاق النار، فى غضون ذلك، شنت شركات التكنولوجيا حملات أكثر هدوءاً، ولكن أوسع نطاقاً لقمع المعارضة، فى ديسمبر 2023، أصدرت إحدى المنظمات تقريراً يوثق ما وصفته بـ"الرقابة الممنهجة على المحتوى الفلسطينى على إنستجرام وفيسبوك". وخلال كل ذلك، استخدم إيلون ماسك سيطرته على منصة X لبث محتوى يمينى متطرف فى جميع صفحاتنا.
فى السنة الأولى من حكمه لفترة الثانية، استغل دونالد ترامب مناخ القمع الذى ساد فى عهد سلفه، لشنّ هجومٍ سافرٍ على حرية التعبير لمعارضيه، فقد قام باحتجاز منتقدى السياسة الأمريكية المولودين فى الخارج فى سجونٍ فيدرالية، وهددهم بالترحيل؛ وخفّض التمويل الفيدرالى للفنون والعلوم الإنسانية وللبحوث العلمية التى تُعتبر معاديةً أيديولوجيًا لنظامه؛ واستخدم الصلاحيات التنظيمية للحكومة الفيدرالية لتشجيع شركات الإعلام على معاقبة الكوميديين- كما سماهم - ووجّه جهاز الأمن القومى لاتخاذ خطواتٍ نحو تجريم الدعوة إلى "مناهضة الفاشية"، ومما يثير القلق بقدر مبادرات إدارة ترامب نفسها، جهودُ طيفٍ واسعٍ من المؤسسات للامتثال لها استباقيًا، فقد قامت الشركات بتفكيك برامج تحمل أدنى تلميحاتٍ إلى "الوعى الاجتماعي"، وفرضت الجامعات، التى ضاقت ذرعًا بالطلاب وأعضاء هيئة التدريس المشاغبين، قيودًا شاملةً على الاحتجاج، انتهز رؤساء وسائل الإعلام الذين يكنون ضغينة خاصة لليسار، الفرصة لفرض خطوط تحريرية أكثر محافظة، كما فعل جيف بيزوس فى صحيفة واشنطن بوست، وكما تفعل بارى وايس فى شبكة سى بى إس.
فارا دابهويوالا، مؤرخ بريطانى من أصول هندية، يعمل أستاذاً للتاريخ فى جامعة برينستون فى الولايات المتحدة، وكان سابقاً زميلاً فى كلية إكستر بجامعة أكسفورد، متخصصا فى التاريخ الاجتماعى والسياسى والثقافى، وصاحب كتاب "أصل الجنس: الثورة الاجتماعية الأولى"، أصدر فى عام 2025 أحد أخطر وأهم كتبه وربما أخطر كتاب صدر فى السنوات الأخيرة عنوانه: ما هى حرية الرأى والتعبير.. تاريخ فكرة خطرة، موضحا أن حرية التعبير ليست قيمة أزلية كما نعتقد، بل هى "فكرة حديثة" نسبياً، صعدت مع عصر التنوير وتطورت عبر صراعات سياسية واجتماعية مريرة، ويفسر لماذا تُعتبر هذه الحرية خطرة؛ لأنها دائماً ما تتحدى السلطات (الدينية والسياسية)، ولأنها تمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، مما يهدد الاستقرار التقليدى، ويتتبع كيف انتقل التركيز من حرية "الاعتقاد الديني" والتسامح فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى حرية "التعبير السياسي" والصحافة فى القرون التالية، ويتوقف أمام المتغير الجديد وهو التحديات الرقمية وكيف تغير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى قواعد اللعبة، حيث تحولت التهديدات من "الرقابة الحكومية" إلى "الاستقطاب" و"خطاب الكراهية"، الكتاب صدر عن مطبعة بيلكناب التابعة لجامعة هارفارد، كامبريدج، ماساتشوستس.
كانت حرية التعبير تُطلق العنان للقوة، وكان المدافعون عنها يؤكدون أنها تنشر الحقيقة، وتُنشئنا على المسئولية، وتُحاسب السلطة، وقالوا إنه دون حرية التعبير، تموت الديمقراطية، كنا نستمع بفخر، ونُعزى أنفسنا بأنه مهما بلغت حرية التعبير من سوء - وكان ذلك سيئًا للغاية - فهناك دائمًا كلام أفضل، لم يعد الأمر كذلك، أصبحت حرية التعبير سلاحًا يُستخدم فى كل مكان لمضايقة الخصوم فى نقاشات حول قضايا أخرى، الإجهاض؟ حماس؟ اللقاحات؟ الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعى؟ لا داعى للبحث عن الحقائق، اتهم خصمك بإسكات الأصوات، لقد انتقل هذا التكتيك من أروقة الجامعات إلى أروقة السياسة العليا، بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، أصبحت حرية التعبير أشبه بقنبلة ذرية، تُستخدم لأغراض حزبية ضد المتظاهرين والليبراليين والأوروبيين وغيرهم من الساخطين، لا شك أن مثل هذه الصفوف المخصصة للخطابة تبدو ترفاً فى أربعة أخماس دول العالم، حيث تُنتهك حقوق الناس فى التفكير والتعليم والتعبير بشكل روتينى، بل وأحياناً بوحشية، قارن هذا القمع اليومى بالخلافات المحتدمة والغاضبة حول حرية التعبير فى أوروبا وأمريكا، وستجد نفسك ترغب فى سد أذنيك حتى يهدأ الصخب، كتاب فارا دابهويوالا "ما هى حرية التعبير؟" تاريخ ثرى وشامل يُذكّرنا بأن الخلاف حول ما يُمكن نشره أو قوله علنًا كان دائمًا حادًا، فحرية التعبير ليست مجرد كلام بلا قواعد، بل هى كلام بلا تدخل غير مشروع، صحيح أن هذا المبدأ جوهرة ثمينة، إلا أن تفسير قواعده وتطبيقها لطالما اعتمد على من يملك السلطة - المنصب العام، أو الثروة الطائلة، أو نفوذ الإعلام، وكما كتبت دابهويوالا: "من يستطيع الكلام، ومن يُسمع صوته، ومن يضع القواعد لما يُمكن قوله، لطالما كان الأمر متعلقًا بالسلطة أكثر من كونه متعلقًا بالحقيقة أو الإنصاف أو النقاش العقلاني".
بالنسبة لدابهويوالا، فإن قصة حرية التعبير ليست تقدماً بطولياً تصاعدياً بقدر ما هى دورة من الهدم والترميم، إن حرية التعبير ليست مطلقة، بل تجب موازنتها مع اعتبارات أخرى كالنظام العام، والأمن القومى، والقيم العامة، وأعراف اللياقة، واحتياجات الأطفال، والسمعة الشخصية، والكرامة الاجتماعية للأقليات المستضعفة، وقد كتب الفقيه الإنجليزى، ويليام بلاكستون عام 1769 أن حرية التعبير تكمن فى غياب الرقابة المسبقة، لا فى "الحصانة من العقاب على ما يُنشر أو يُقال من أمور جنائية"، أحد أسباب كون حرية التعبير أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه هو أن العديد من الأفعال الضارة التى تتطلب عادةً استخدام الكلمات تُعدّ مخالفة للقانون: التحرش، والتمييز، والسرقة الأدبية، وانتهاكات حقوق النشر، وبيع أسرار الدولة، والرشوة، والتلاعب بالأسعار، والإخلال بالعقود، والتداول بناءً على معلومات داخلية، والتشهير، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف، على سبيل المثال لا الحصر، عند توجيه الاتهام، لا يمكنك الادعاء بأن حقك فى التعبير بحرية قد انتُهك، أم يمكنك ذلك؟ بخاصة فى الولايات المتحدة، حيث تُكفل حرية التعبير دستوريًا، يبقى هذا السؤال محل جدل دائم، وصولًا إلى المحكمة العليا، يُصحح دابهويوالا هنا المفاهيم الخاطئة، فمع أن حرية التعبير تُعتبر فى كثير من الأحيان جزءًا أساسيًا من الروح الأمريكية ، فإن النهج "المطلق" أو غير الاستثنائى لحرية التعبير، بحسب رأيه، هو فى جوهره ابتكار من القرن العشرين، ويستشهد باقتباسات رائعة من بنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسون، اللذين سخرا من فكرة أن حرية التعبير تعنى إفلات الأكاذيب والافتراءات من العقاب، ولم تكن حرية التعبير فى الولايات المتحدة حكرًا على التيار الراديكالى أو التقدمى، بل استخدمها اليمين الأمريكى ضد، على سبيل المثال، اعتصامات النقابات العمالية، والتجاوزات التنظيمية، وقيود الإنفاق على الحملات الانتخابية.
على الرغم من تركيزه على العالم الناطق بالإنجليزية، يكتب دابهويوالا عن الحكم البريطانى فى الهند الاستعمارية، فبعد انحسار الرقابة فى بريطانيا، عادت للظهور فى الهند البريطانية، وينتقد هنا الفيلسوف جون ستيوارت ميل، من القرن التاسع عشر، بسبب نزعته الاستعلائية وتناقضه؛ إذ دافع عن الإمبراطورية باعتبارها وسيلةً لتعليم غير المستعدين للحكم الذاتى، وكتب كتابه " فى الحرية " دفاعًا عن حرية التعبير، بينما كان يشغل منصبًا رفيعًا فى شركة الهند الشرقية القمعية والاستغلالية، مع ذلك، لا تُضعف أيٌّ من هاتين النقطتين رسالة ميل عن حرية التعبير، التى مفادها أن السعى وراء الحقيقة، وتحدى الأفكار السائدة، والتمسك بالآراء غير الشائعة أو الشاذة حتى يثبت زيفها، كلها أمورٌ ضروريةٌ لتجنب القمع الاجتماعى والجمود الفكرى، ليس من السهل تتبع هذا التاريخ، فالتعريفات الثابتة قليلة، وتاريخ حرية التعبير مُسلط عليه الضوء أكثر من كونه مُوثقاً بشكل مُبسط، وتُقدم الحجج المبدئية لحرية التعبير، التى طرحها فلاسفة مشهورون وكتاب منشورات من القرن الثامن عشر لم يعد يُسمع بهم كثيراً، ملخصاً وشرحاً مُفصلاً، ومع ذلك، تبرز رسالة مفيدة: إن خلافاتنا حول حرية التعبير مُضللة، يؤكد كتاب "ما هى حرية التعبير؟" أن معظم الجدالات حول حرية التعبير هى فى جوهرها جدالات حول شيء آخر، يتساءل دابهويلا، عندما يتذرع أحدهم بحرية التعبير، "ماذا يسعى إليه أيضاً؟ وهل تسعى أنت إلى الشيء نفسه؟"، مع ذلك فإن لا لمؤلف لا يسخر من حرية التعبير من حيث المبدأ أو يشكك فى قيمتها، بل يُذكّرنا بأن من يُحددها، ومن يتمتع بها، ومن يُنظمها، إنما هو السياسة فى جوهرها، فى محاولته لوضع التطور الغامض لحرية التعبير فى سياقه، شجع المؤرخ البريطانى بدلاً من ذلك الأنظمة الاستبدادية بجميع أشكالها.
برغم أن هذا الكتاب يعد "تاريخا عالميا رائعا لحرية التعبير"، فإنه ليس كذلك، وإضافة فصل عن الصحافة فى الهند المحتلة سابقا من قبل بريطانيا، وفصل عن قوانين حرية التعبير فى الدول الاسكندنافية فى القرن الثامن عشر، والإشارة إلى الثورة الفرنسية، لا تجعله كذلك فى الواقع، لكنه سرد جدلى لتطور الاستثناء الأمريكى للتعديل الأول للدستور، مع إغفال معظم أنحاء العالم تمامًا، تشعر طوال الوقت بأن المؤلف لديه ما أسماه كيتس "مخططات واضحة" تجاهك، لكنك لا تدرك نواياه تمامًا إلا قرب النهاية.
مسار تاريخ حرية الرأى والتعبير - كما يبدو فى هذا الكتاب - يميل نحو استنتاج مفاده، أن ما سبق قد أدى إلى إلغاء "أى قيد على خطاب الكراهية أو أى خطاب تمييزى آخر، واليوم، يلجأ النازيون الأمريكيون، والعنصريون، وغيرهم من ناشرى الكراهية الجماعية إلى التستر وراء التعديل الأول للدستور، وتتبع شركات الإعلام الأمريكية بفخر المبادئ نفسها، وتصدرها إلى جميع أنحاء العالم، بنتائج متوقعة،" ينسب دابهويوالا الأصل الشعبى لحرية التعبير المطلقة إلى جون ترينشارد وتوماس جوردون، وهما صحفيان إنجليزيان من أوائل القرن الثامن عشر واللذان كتبا الحجة الرئيسية والسطحية لحرية الصحافة - وهى أن حرية التعبير تحسن المجتمع - فى سلسلة من الرسائل بأسماء مستعارة لصحيفة لندن فى أوائل عشرينيات القرن الثامن عشر، لكن هؤلاء الرجال كانوا تجار رقيق وكاذبين، وكانوا مستعدين للانقياد لإغراءات أصحاب النفوذ للتعبير عن آراء مناقضة تمامًا مقابل المال، وهكذا وضعوا معيارًا للصحافة الغربية، وهو معيار يعتقد دابهويوالا - مستخدمًا كلمات مثل "فاسد" و"مرتزق" - أنه تم اتباعه إلى حد كبير منذ ذلك الحين، ومع ذلك، فقد كان لهم تأثير كبير، وتبنى الثوار الأمريكيون أفكارهم ودمجوها فى العديد من قوانين الولايات وفى أول دستور للولايات المتحدة، أو كما يصفهم المؤلف، "مستوطنون متمردون عنيفون لا يثقون إطلاقًا بسلطة الحكومة، ومهووسون بالحرية الفردية للرجال البيض من أصحاب الأملاك"، لم يلتزم هؤلاء المستوطنون العنيفون بالقيود المفروضة على حرية التعبير التى وضعها الثوار الفرنسيون (دون تحديد لونهم) فيما يتعلق بالأمن العام على الرغم من حقيقة أن الاستثناء الفرنسى، ربما، أدى إلى المقصلة.
فى غضون ذلك، طرأ تطور آخر على نقاش حرية التعبير، ففى عام 1859 نشر جون ستيوارت ميل كتابه " فى الحرية"، الذى أكد فيه أن المسألة لا تكمن فى ما إذا كانت حرية التعبير تُحسّن المجتمع، بل فى كونها حقًا أصيلًا للإنسان، ينتقد دابهويوالا هذا الرأى لعدم إدراكه أن الكلام فعل كأى فعل آخر، وكأى فعل آخر، قد يُسبب ضررًا؛ لذا فهو حق منطقيًا، وبالتالى يجب أن يُقيّد بآثاره على الآخرين، هذه ملاحظة يُكررها المؤلف باستمرار فى كتابه، لكن ميل يعانى من عيب آخر، فبصفته مؤيدًا للحكم البريطانى فى الهند، وامتلاكه موقفًا معاصرًا تجاه رعايا الإمبراطورية، يترتب على ذلك أن "حجته كانت متجذرة أيضًا فى افتراض استعمارى عميق: أن الأوروبيين وحدهم يقفون فى طليعة التاريخ، على مستوى أساسى، لذلك، كانت حجة ميل حول حرية التعبير مشبعة بافتراضات إمبريالية حول التاريخ و"التقدم" وتقسيم حاد بين الأوروبيين "المتحضرين" والآخرين "البرابرة".
ضع فى اعتبارك الطبيعة المزدوجة لحرية التعبير – فما يُسمح به للبعض قد يُسمح به للآخرين أيضاً، وأن ما يسميه الكاتب "الشعارات الليبرالية" كانت أفكاراً شجعت وساعدت أجيالاً من المعارضين والمفكرين الأحرار، لكن بالنسبة له، "منذ صياغتها قبل 300 عام، أصبحت "حرية التعبير" شعاراً يُستخدم كسلاح دائم، يستخدمه الأقوياء ضد الضعفاء بقدر ما يستخدمه الضعفاء ضد الأقوياء"، يكتب دابهويوالا أن "حتى فى أحلك الظروف، تظل حرية التعبير عصية على الكبح، بل وربما تخريبية، فليس من الممكن حقًا منع الناس من التواصل، تمامًا كما لا يمكننا منعهم من التفكير"، إن كلمة "حقًا" هنا لها دلالة واضحة، فبإمكانك.
أحد الأسئلة التى لا يجيب عنها الكتاب يتعلق بما إذا كان على سبيل المثال السماح لسلمان رشدى بنشر رواية "آيات شيطانية" ، أو ما إذا كان هذا يندرج ضمن فئة الضرر الاجتماعى المتمثلة فى "إهانة أقلية مهاجرة ضعيفة" من خلال السخرية من "أقدس معتقداتهم"؟
يظهر رشدى بالفعل ظهورًا خاطفًا، لكن فقط كمدافعٍ عن حرية التعبير المطلقة، الذى، كما يُلمّح دابهويوالا، "يشعر بالرضا" لمعارضته الرقابة، لم يُذكر اضطهاد رشدى على أيدى المتطرفين الدينيين، وهو أمرٌ لافتٌ للنظر، بخاصةً أنه أثناء كتابة الكتاب تعرّض لهجومٍ كاد أن يودى بحياته.
حرية التعبير كسلاح
يروى المؤلف فى مقدمة الكتاب علاقته بالفكرة التى يكتب عنها قائلا:عندما انتقلتُ إلى أمريكا صيف عام 2016 للعمل فى وظيفة جديدة، بعد فترة وجيزة، استيقظتُ ذات يوم لأجد أن مواطنى وطنى الجديد لم ينتخبوا هيلارى كلينتون رئيسةً لهم.
لكن الطريقة التى تحدث بها الأمريكيون عن "حرية التعبير"، بل واحتفلوا بها بشكلٍ مفرط، كانت مختلفة تمامًا عن كيفية تصورها فى بريطانيا، أو أوروبا، أو حتى فى الهند، أو الصين، أو إندونيسيا، أو أى مكان آخر أعرفه، لماذا هذا الاختلاف؟ متى نشأت هذه الاختلافات الثقافية؟ وكيف، كما بدأت أتساءل، يمكن لتتبع تاريخ حرية التعبير أن يساعدنى فى فهم معالمها فى العالم الحديث؟
وعن اختلاف تعامل الثقافات حول العالم مع حرية التعبير؛ يقول المؤلف فى المقدمة: لفهم الاختلافات، لا بد من مقارنة الثقافات ببعضها، واستكشاف أوجه التشابه والاختلاف فى مساراتها التاريخية، وهناك سبب آخر يجعل النهج العابر للحدود لحرية الرأى والتعبير ضروريًا، لطالما كانت حرية التعبير وحرية الصحافة مفاهيم دولية، تُستعار وتُعاد صياغتها باستمرار عبر الحدود، عندما استند الناس إلى هذه الحريات فى الماضى، كانوا يقارنون وضعهم بما حدث فى أماكن أخرى، فى أزمنة وأماكن مختلفة، وما زلنا نفعل ذلك، تختلف معانى حرية التعبير باختلاف الثقافات، لكنها فى الوقت نفسه مفهوم عالمى أصيل، يتطلب تاريخًا عالميًا، هذا لا يعنى كتابة تاريخ شامل لحرية التعبير فى كل حقبة ومكان - فهذا كتاب يصعب قراءته، كما أنه سيكون من المستحيل كتابته، لأنه لا يوجد تاريخ واحد لحرية التعبير، على الرغم من رغبتنا الواسعة فى رؤية تاريخ حرية التعبير كقصة تقدم فكرى، وعلى الرغم من براعة منظريها عبر العصور، فقد ظلّت دائمًا شعارًا يُستخدم كسلاح، بدلًا من كونها مفهومًا متماسكًا تمامًا.
الكتاب يحاول أيضا الإجابة عن عشرات الأسئلة مثل:
من يستطيع الكلام، ومن يُكمَّم صوته؛ من تُضخَّم أصواته، ولماذا، وتأثر هذه الاختلالات بتغير المشهد الإعلامى على مدى الخمسمائة عام الماضية وأكثر، من المجتمعات التى كانت تعتمد بشكل أساسى على التواصل الشفهى، مرورًا باختراع الطباعة وانتشارها، وصولًا إلى ثورات الإعلام العالمية فى عصرنا الحالى، هذه هى الأسئلة الأعمق والأكثر إضاءةً حول تاريخ حرية التعبير تناولها هذا الكتاب، وسلط الضوء على ما بدا أنه أهم المواضيع والأحداث فى ابتكار وانتشار هذه المجموعة المراوغة من المُثُل، لكنها فى الوقت نفسه جذابةٌ دائمًا، يقول المؤلف: تُعدّ القوانين وتطبيقها مؤشرات أساسية لكيفية تعريف الثقافات لحرية التعبير وممارستها، فضلاً عن توزيع السلطة داخل تلك المجتمعات، ولذا، تلعب التطورات القضائية دورًا مهما فى هذا السياق، مع ذلك، لا يتناول هذا الكتاب التاريخ القانونى، بل سياسات حرية التعبير بشكل عام، وتطورها عبر الزمن، لا سيما كمفهوم مثالى، ويضيف أنه: كما سيتضح، لطالما تخلّفت نظرية حرية التعبير عن ممارستها، إذ تتجاوز الجشع والتغير التكنولوجى والمصلحة السياسية دائمًا المشرعين والفلاسفة، تُعدّ حرية التعبير فكرة خطيرة لسببين: أولهما قدرتها على زعزعة المسلّمات، وإعطاء صوت للمتمردين والمخالفين، وحثّ الناس على العمل، ولهذا السبب نميل إلى الاحتفاء بها، أما السبب الثانى فهو أكثر إثارة للقلق، على مر التاريخ، تم التلاعب بهذا المثال المؤثر باستمرار من قبل الأقوياء، والخبيثين، والانتهازيين لتحقيق مكاسب شخصية، أو لإسكات الآخرين، أو لبث الفتنة، أو لتزييف الحقيقة، ويمكن أن تتخذ حرية التعبير أشكالًا عديدة من الملابس والسلوك إلى الأفلام والموسيقى والرسوم المتحركة والفنون بجميع أنواعها، لكن تاريخها الحديث مرتبط بشكل خاص بوسيلة الطباعة، ففى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما تحولت حرية التعبير إلى أيديولوجية مؤثرة عالميًا، كانت المطبعة أقوى تقنية اتصال شهدها العالم على الإطلاق.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
كرم الدكتور سليمان العسكرى فى دورته الـ31.. مهرجان «القرين الثقافى» إرث كويتى يتجدد
أيام الشارقة التراثية.. ثقافات العالم تحت مظلة واحدة
صدمة الخروج من الكادر اقتصاد الشيخوخة .. استثمار المستقبل
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام