ثقافة



أحمد اللباد بعد اختيار والده شخصية معرض الطفل: أبى سيظل ملهما لأبناء المهنة والقراء

16-1-2026 | 01:27
⢴ حوار أجرته - حسناء الجريسى

 
مشوار والدى تجربة لا مثيل لها.. ترك كنزا فى تصميمات الكتب وأغلفتها
 
لم يكن اختيار الفنان محيى الدين اللباد  شخصية معرض الطفل هذه الدورة، مجرد تكريم مستحق لاسم كبيرفى عالم الفن التشكيلى، بل استدعاء لروح لاتزال تنبض فى أعماله، بضحكات الصغار وألوانهم، الفنان الكبير يحضر هذه الدورة بصوته وخطه وظلال أفكاره، بينما يحضر ابنه أحمد اللباد وريثه فى عالم الفن والفكر بالامتداد الإنسانى  والإبداعى لتلك المسيرة.
العلاقة بين الأب والابن، هنا ليست مجرد علاقة دم، بل سلسلة نور من الفن والتكوين والوعى بالجمال ، لم يكتف أحمد اللباد بأن يكون ابنا لفنان كبير بل أصبح شريكا فى حمل الرسالة، يحاور أعمال والده بحبره الخاص، ويستكمل مشواره دون أن يفقد جذوة الأصل، يقف أمام لوحات والده كوارث للحلم وحارس لذاكرة الألوان، فى هذا الحوار لا نبحث عن علاقة الابن بوالده لكن نقف طويلا أمام العلاقة الرفيعة بين أب ترك أثره فى العالم العربى كله، وابن لم ينفصل عنه إلا بقدر ما يسمح به الإبداع، ليعود فى كل مرة ويكتشف نفسه فى ظل أبيه .. وظل أبيه فيه، فى هذا الحوار نستكشف هذا الخيط الرفيع  بين الأب ووريث حلمه من خلال حديث الابن الفنان التشكيلى عنه.
■ يحتفى معرض القاهرة الدولى للكتاب هذه الدورة، باختيار الفنان محيى الدين اللباد، شخصية معرض كتاب الطفل، كيف تقيم هذا الاحتفاء ؟
بالطبع فرحت بهذا الاختيار، خصوصا أن اللباد كان مرتبطا بشكل خاص بالإبداع الموجه للأطفال، وهو الذى قضى أكثر من خمسين عاما من عمره فى العمل عليه، والتخصص فيه، ولم يتوقف حتى شهوره، أو قل أسابيعه الأخيرة عن الإنتاج فيه، حتى إنه أنهى كتابه الأخير «حواديت الخطاطين»، قبل وفاته مباشرة، وكذا تخصصه فى صياغة الكتاب كوسيط معرفى وفنى خاص، تحيز لصناعته واحتراف العمل فى كل تفاصيله، وفخره دائما بلقب «صانع الكتب»، والأهم أن ذلك الاختيار خاص ببلده مصر.
لذلك فأنا أتصور أن هذا الاختيار، كمكان وكمناسبة وكتاريخ موفق جدا بالفعل.
■ هل هناك تفاصيل فى حياة الفنان الكبير محيى الدين اللباد لم يذكرها فى كتابه «كشكول الرسام» الذى سرد فيه الكثير من سيرة حياته؟
هذا الكتاب يمثل إضاءات من تجربته بالفعل، لكنه لا يمثل سيرة حياته، ولا ننسى أنه رسمه وكتبه وأصدره فى عام ١٩٨٨، يعنى قبل وفاته باثنين وعشرين عاما.
وحياة شخص كثيف الإنتاج، يأخذ حياته وعمله بجدية واحترام، بالتأكيد ستكون حياته مترعة بالتفاصيل والأحداث والاكتشافات، اللباد أيضا، شخصية متأملة، تبحث عن المعانى ويجدها فى أدق التفاصيل، ودائما هو فى خضم تقليب وإعادة الرؤية حتى مكتسباته هو الشخصية واستخلاص معان أكثر نفاذا وتعبيرا.
ونستطيع أن نرى تجلى ذلك فى أعماله مباشرة، فى أسلوبه الفنى مثلا وطريقة وتقنيات رسمه، وتطوره المثير منذ بدأ فى الرسم الاحترافى، نهاية الخمسينيات، وحتى وفاته فى ٢٠١٠، وكذلك كاريكاتيراته، وحتى إخراجه الجرافيكى، وكتاباته للأطفال والكبار.
كان اللباد يعتبر أن الثبات دون تطور وتحديث وتفاعل مع المستجدات والمكتسبات، من تجارب شخصية وعامة، هو نوع من الإهدار والموت، حتى ولو كانت النقطة التى وصل إليها المبدع، لاقت الإعجاب والرواج، واتفق عليها من المتلقين، لهذا كان اللباد متحديا لنفسه فى محاولات التجاوز واكتساب أراض جديدة فى أعماله فى الوسائط المختلفة.
■ فى كتابه الأيقونى «كشكول الرسام»، ذكر أن الرسام الشاطر، هو الذى يستطيع أن يخلط الذكريات والمعارف، وعند ذلك تخرج من ريشته ذئاب حقيقية جميلة، كيف ترى ذلك؟
أخلص اللباد دائما لاكتشافاته الشخصية التى منحت له عبر عمل ومراقبة ذاتية صافية، وكذلك لهويته وثقافته العربية الأصيلة، لأنه طالما دعا كتابة وقولا ورسما أن يرسم الشخص من خبرته ومخزونه الخاص، وبما يشبهه ويشبه روحه وتكوينه، وليس كالعكس لنماذج منتشرة ومكررة، مهما كانت مضمونة وأن كل شخص يستطيع أن يرسم ذئبا، ليس كمثله ذئب، فيه قراءة ومفاجأة وتميز خاص، وهذا هو جوهر الإبداع.
أما بخصوص وجه الثقافة العربية فى المقولة، فهو مرتبط بنوع التفكير والأداء فى الرسم، فالرسم مثلا فى ثقافتنا العربية، والذى تجدينه فى المخطوطات القديمة، أو منفذ تطبيقا على الخزف والزجاج والمعادن، لكل ما يراه وجيها، مهما كان مصدره، وبعد مرور كل تلك السنوات، أرى بوضوح حجم وعمق تجربته الفريدة بالغة الثراء، التى يدهشنى نقلها ومدى كثافتها، والأفنية المتشعبة العديدة التى حفرها عبر وسائط فنية مختلفة، وكيف أن مشروعه عظيم المنتج للأطفال، والذى أصدر فيه عشرات الكتب المرسومة والمكتوبة، بقلمه أو بأقلام آخرين للأطفال، والعديد من الملصقات وتصميمات المحلات والمطبوعات المتنوعة للصغار.
كان ما حققه فيه كافيا، لتقدير يضعه فى مكانة عالية، فهو صاحب كتب: كشكول الرسام، أو حواديت الخطاطين، أو تى شيرت، وملاحظات وحكاية الكتاب، ولغة بدون كلمات، و30 سؤالا، ومن القلب للقلب، والقط ذو الكف الأسود، وأسطورة الخوف، وقاموس الكائنات الخرافية، ومذكرات مصباح كهربائى، والرعب فى الشباب وصورة الأرض والصحراء والمحيط، والفيل يجد عملا، والبيت، ومائدة القط، والريش الجميل، وبيت للورقة البيضاء، وغيرها الكثير.
وكذلك اشتراكه فى تأسيس مشاريع عربية ومحلية مؤثرة فى تاريخ المهنة، واشتراكه فى تأسيس دار الفتى العربى، بيروت 1974، وتأسيسه الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال بالقاهرة، وتصميم الماكت الرئيسى لمجلة العربى الصغير بالكويت 1985، هذا غير رسومه الفارقة فى مجلة سمير، والمشاركة لسنوات منذ 1986، بنشر حلقات متنوعة بمجلة ماجد فى الإمارات العربية المتحدة، هذا غير إصدار عدد تجريبى فى مجلة ياسين وياسمين 1983، بالقاهرة، هذا غير كتب أطفال اختارها بعناية ومحبة من الثقافات الأخرى، وكذلك محاضراته للمتخصصين فى مجال الإبداع للأطفال.
ومشروع اللباد، احتوى أيضا على مشوار فذ فى رسم الكاريكاتير الاجتماعى والسياسى، بدءا من مجلة صباح الخير فى 1964، مرورا بـ«روز اليوسف»، والمساء والجمهورية والأسبوع الثقافى بليبيا، والطبعة العربية لجريدة اللوموند، الفرنسية، والمصور المصرية، والعديد من المطبوعات العربية، وقدم الآلاف من الرسوم الناقدة المستبصرة.
وقدم أيضا فى مشواره تجربة لا مثيل لها فى الإخراج والتصميم الجرافيكى، وترك كنزا فى تصميمات الكتب وأغلفتها، والمجلات والملصقات والمطبوعات التحريرية، والشعارات أصبحت نموذجا سيظل طويلا ملهما لأبناء المهنة والقراء.
هذا غير ألبوماته الأربعة المعنوية بنظر والموجهة للكبار، التى نشر صفحاتها عبر سنوات فى مجلة صباح الخير، ثم جمعها فى ألبومات، وهى التى تقدم بجلاء انحيازانه الإنسانية والفنية من خلال مقالات اجتماعية فنية عن الحضور البصرى بتنوعاته وفى حياتنا، وما يعكسه من معان، وأظن أن تأثير وحجم مشروع محيى اللباد، المتنوع الواسع يزداد حضورا وجدارة بمرور الزمن، أو هذا ما أتصوره بعد مرور السنين بعد مغادرة الرجل لنا، فمنطقه مختلف تماما عن الرسم الغربى الذى اعتمد المنظور الهندسى البصرى والتدرج اللونى.
منطق الرسم العربى، وقبله كل فنون الشرق، يعتمد على أهمية العناصر وحضورها فى مخيلة الفنان، لا على واقع أحجامها وبعدها، أو قربها فى المشهد، الرسام العربى يرسم بما يعرفه، لا ما يراه، يرسم ذكرياته وانطباعه عن الذئب، ولا يرسم الذئب المعروف المكرر، وهو ما يؤمن به اللباد، ويدعو إليه.
■ ورثت حب الفن البصرى من والدك فما الذى تعلمته منه؟ وما النصائح التى كان يوجهها لك؟ وكيف ترى عالمه اليوم بعد كل هذه السنوات بين الريشة والقلم؟
مجاورة شخص كمحيى الدين اللباد، قيمة ثمنية، أعرف قدرها، وأمتن للأقدار كثيرا عليها، وأظن أن طلب تسجيل ما تعلمته منه فى سطور محددة، هو أمر غاية فى الصعوبة، لكننى أوجز بعضها: أولها هو أن العمل جزء من الكرامة الشخصية، يجب أن تتفاعل معه بإخلاص وجدية فى أعلى مستوياتها، وأن الحياة تعاش بمزيج من التواضع والامتلاء، وأن وصول الشخص المبدع لصوته الخاص هو أسمى فوز، وأن التوقف عن التفاعل والتعلم هو الموت الحقيقى، وأنك الوحيد المسئول عن محصلة حياتك.
اللباد برغم كرمه وسخائه، لم يكن من النوع الذى يوجه أو ينصح بشكل مباشر، هو كان يحمل فى عمقه شخصية أستاذ، بكل معنى الكلمة، وقد أجمع على هذا كل من تفاعل معه، والأستاذ الحقيقى لا يقدم النصائح والشكل التقريرى الشفهى المباشر، بل عبر تفاعل وتجارب عملية، والأهم أنه كأستاذ ممتلئ بنفسه كان يستمع بإصغاء تام.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام