رياضة



وسائل الإعلام تنشر مذكرات احتضان مصر لأسرة الزعيم باتريس لومومبا

16-1-2026 | 01:39
⢴ علاء عزت

دائما وأبدا ما يكون هناك نجم أول وأوحد لأى بطولة رياضية، وغالبا ما يكون هو المتوج بالذهب، سواء كان لاعبا أم لاعبة أم حتى مدربا.. ولكن فى بطولة كأس الأمم الإفريقية المقامة حاليا فى المغرب، كان النجم «استثنائيا» بمعنى الكلمة، نجم لم يتألق على البساط الأخضر، ولكنه تألق فى المدرجات.
المؤكد أن الكل يعرف الآن من هو النجم الاستثنائى فى «الكان».. نعم هو.. مشجع منتخب الكونغو الديمقراطية كوكا بولادينجا، أو الملقب إعلاميا باسم «المشجع التمثال»، بعد أن ظهر فى مدرجات ملاعب المغرب واقفا وصامتا طول زمن كل المباريات التى خاضها منتخب الكونغو، رافعا يده دون أن يحتفل بأى هدف أو انتصار يحقق منتخب بلاده، ودون أن يتفاعل مع مجريات الأمور داخل الملعب، وكان حقا تمثالا حيا لا يحرك ساكنا.
لم يكن يدرى الجميع، أن هذا المشجع بطريقته وزيه وطقوسه، كان يحيى الذكرى الـ 60 لرحيل زعيم أمته ودولته ورمزها التحررى "باتريس لومومبا"، الذى وهب حياته، وهو يكافح الاستعمار فى بلاده، ونجح هذا المشجع أن يعرف العالم أجمع قصة كفاح زعيم وطنه، قبل أن يتحول هو إلى نجم البطولة عن جدارة، وحديث الفخر والإعجاب فى كل وسائل الإعلام العالمية.
وبسببه تحوَلت خسارة منتخب الكونغو الديمقراطية أمام الجزائر، فى الدور ثُمن النهائى من كأس أمم إفريقيا 2025، إلى واحدة من أكثر الليالى تأثيرا فى البطولة، ليس فقط بسبب الهدف الجزائرى القاتل فى الدقيقة 119، بل بسبب المشهد الإنسانى الذى أعقب صافرة النهاية، حين انهار المشجع الكونغولى الشهير المعروف باسم «لومومبا» بالبكاء فى المدرجات، فى لقطة انتشرت عالميا، ولامست مشاعر جماهير كرة القدم فى كل مكان.
كان «لومومبا» قد أصبح خلال البطولة، أحد أبرز الوجوه فى المدرجات، بطاقته الدائمة، ووقوفه المتواصل طوال زمن المباريات، وهتافه المستمر دون توقف، وتحفيزه للجماهير واللاعبين من الدقيقة الأولى حتى اللحظات الأخيرة، وهو ما جعله رمزا للجمهور الكونغولى، وإحدى أكثر الصور تداولا فى كأس أمم إفريقيا 2025، فى تلك اللحظة، التقطت الكاميرات «لومومبا» وهو ينهار نفسيا، ويجهش بالبكاء غير القابل للسيطرة، وهو يراقب حلم منتخب بلاده يتلاشى أمام عينيه، بينما حاول المشجعون من حوله مواساته واحتضانه، ورفع معنوياته بعد أن كان هو نفسه مصدر الطاقة والتحفيز لهم طوال البطولة.
 
تكريم دولى ووطنى
حظى المشجع الكونغولى بتكريم ربما لم يحظ به أى مشجع فى العالم من قبل، وحرصت كل الدول المشاركة فى البطولة القارية على تكريمه والاحتفاء به، وكانت البداية من جانب الدولة المنظمة للبطولة، المغرب، التى وجهت له دعوة ليكون ضيف شرف نهائى البطولة الذى يقام غدا الأحد، فيما كرمته بعثة منتخب الجزائر، فى حفل عشاء أقيم على شرفه بمقر إقامة البعثة بالمغرب قبل العودة للجزائر بعد الخروج من المونديال الإفريقى، وقدمت البعثة اعتذارا رسميا له على ما بدر من لاعب المنتخب "عمورة"، الذى احتفل بعد فوز منتخب بلاده على الكونغو، حيث وقف أمام المشجع وقلد وقفته قبل سقوطه على الأرض بطريقة ساخرة، وإن كان لاعب الجزائر بادر بتقديم اعتذار رسمى للمشجع وإلى دولة الكونغو الديمقراطية، مؤكدا أنه لم يكن يعرف رمزية وقوف المشجع، ورفع يديه طيلة وقت المباراة، وخلال هذا اللقاء الرمزى، قام مسئولو الاتحاد الجزائرى بتكريم كوكا بولادينجا، ومنحه قميص المنتخب الوطنى الجزائرى، يحمل اسم الزعيم التاريخى باتريس لومومبا.
وعقب عودته إلى وطنه، حظى كوكا بولادينجا باستقبال جماهيرى، وحرص وزير الشباب والرياضة الكونغولى على استقباله وتكريمه، بإهداء سيارة دفع رباعى، فيما ذكرت الصحافة الكونغولية أن ميشيل كوكا الملقب بـ"لومومبا" سيحظى أيضا باستقبال من رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدى فى كينشاسا، ووفقا للتقارير الإعلامية فإنه سيتم منح المشجع الكونغولى جواز سفر دبلوماسى، كما تدرس وزارة الثقافة اعتماده رمزا حيا يجسد ذاكرة الزعيم التاريخى باتريس إيميرى لومومبا، الشخصية الوطنية والعالمية التى يحتفى بها فى 17 يناير من كل عام .
ولأن المشجع التمثال أصبح أيقونة حقيقية، فقد حرص آدامز، نجم منتخب نيجيريا على الاحتفاء على طريقته، فبعد  تسجيله الهدف الحاسم فى مرمى الجزائر، توقف آدامز ورفع ذراعه فى وضعية تشبه التمثال، تكريما للزعيم الكونغولى باتريس لومومبا، 
ووصف الفنان بولادينجا تجربته فى البطولة، بأنها "مذهلة ومربكة" فى آن واحد، حيث أكد فى تصريحات صحفية أنه لا يستطيع مغادرة غرفته فى الفندق بسبب تدافع الجماهير لالتقاط الصور وإجراء المقابلات معه، معتبرا أن هذا الاهتمام مصدر فخر لبلده، ويقدم صورة إيجابية عن الكونغو فى كل مكان يذهب إليه فى المغرب.
 
سر فخر المصريين 
كان تفاعل الشعب والجماهير المصرية مع المشجع التمثال مختلفة عن بقية شعوب العالم، فى البداية كان التفاعل الكبير عبر منصات التواصل الاجتماعى حتى أصبح بولادينجا "تريند" مصر، وتداول كثيرون صور الشارع الذى يحمل اسمه فى محافظة الإسكندرية، فيما جاء تفاعل الإعلام المصرى من خلال إحياء دور مصر فى دعم حركة التحرر فى الكونغو الديمقراطية، وزعيمها باتريس لومومبا، الذى اختار فى أوقات المحنة مصر، لتكون مستقرا لزوجته وأبنائه فى ستينيات القرن الماضى، قبل أن يدفع حياته ثمنا لكفاحه ضد الاستعمار بنهاية مأساوية، وتبار الإعلام المصرية فى نشر المذكرات القديمة، وانتشرت مقاطع فيديو توثق لحظات استقبال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لأسرة لومومبا، كما نشرت صورا ومقاطع فيديو للمظاهرات، التى قام بها المصريون فى شوارع القاهرة دعما للزعيم لومبوما.
فى خمسينيات القرن الماضى، خاض باتريس لومومبا حركة المقاومة ضد الاستعمار البلجيكى، وفى أكتوبر عام 1958 أسس الحركة الوطنية الكونغولية كأول حزب سياسى على مستوى البلاد، ليقع رهن الاعتقال لعدة أشهر من قبل سلطات الاحتلال بتهم التحريض على العنف، وفى أول انتخابات تعرفها البلاد، حقق حزب لومومبا فوزا مدويا، وتم تكليفه بتشكيل الحكومة فى 24 يونيو 1960.
أصبح لومومبا رئيسا للوزراء، وهو لا يزال فى الرابعة والثلاثين من العمر، حيث انتخب فى الأيام الأخيرة من الحكم الاستعمارى، وترأس حكومة البلاد التى كانت قد نالت الاستقلال لتوها، وفى يونيو عام 1960، وفى مراسم تسليم السلطة، أشاد بودوان ملك بلجيكا بالإدارة الاستعمارية، وقال إن سلفه الملك ليوبولد الثانى هو من أدخل الحضارة والمدنية إلى البلاد، دون ذكر للملايين الذين لقوا حتفهم، أو تعرضوا للتعذيب فى عهده، وفى تلك المراسم لم يكن لومومبا بنفس القدر من التحفظ، ففى خطابه الذى لم يكن مدرجا على البرنامج الرسمى، تحدث رئيس الوزراء عن العنف والإذلال الذى عانى منه الكونغوليون بعبارات تخللها تصفيق حار من الحضور.
لم يستمر لومومبا طويلا فى السلطة، وأرغم على ترك منصبه فى 5 ديسمبر، حيث تم وضعه قيد الإقامة الجبرية، تحت أنظار مصر، التى كانت راعية مسيرة الكفاح فى الكونغو وسائر الدول الإفريقية التى ناضلت شعوبها للخلاص من قوى الاستعمار. وبحسب ما نشرته بى بى سى، وصف الأكاديمى لودو دى فيته الذى ألف كتابا، تضمن سردا غير مسبوق لتفاصيل اغتيال الزعيم الإفريقى، إن البلجيكيين أصيبوا بالذهول من خطاب لومومبا، فلم يكن أى شخص إفريقى، حتى ذلك الحين قد امتلك الجرأة على الحديث بهذه الطريقة أمام الأوروبيين، واعتبر أن خطاب لومومبا كان بمثابة توقيع على حكم إعدامه.
 
مصر تدعم نضال الكونغو 
فى أروقة الأمم المتحدة، كانت بعثة مصر الأممية داعما رئيسيا لنضال الكونغو وباتريس لومومبا ضد الاستعمار البلجيكى، وعن دور القاهرة والزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تحدث رولان لومومبا نجل المناضل الكونغولى فى حوار سابق، قائلا: " شعر والدى أنه فى خطر ونصحه المقربون بمغادرة البلاد، إلا أنه لم يتقبل الفكرة واكتفى بأن يخطط لمغادرة أخوتى ووالدتنا للبلاد، ليفكر بادئ الأمر فى الرحيل إلى غينيا، فى ضيافة الرئيس أحمد سيكوتورى، قبل أن ينصحه الأخير بالذهاب إلى مصر".
وتابع: "والدى وجمال عبد الناصر لم يلتقيا ابدأ.. لكن أسرتنا لاقت فى مصر كل الحب والرعاية والحماية، فى نهاية المسار وافق لومومبا، أن يتكفل واحد لا يعرفه بأسرته فقط، لأن لهم نفس الفكر ضد الاستعمار، وقرر أن تذهب له زوجته وأولاده"، وكان الأبناء الذين وصلوا ثلاثة هم: فرانسوا وباتريس وجوليانا، بينما بقيت والدتهم مع طفل رضيع (هو الابن رولان) لم يتجاوز عامه الثانى فى الكونغو، ثم لحقا بهم فى مصر بعد سنوات.
وفى مذكراته، يروى السفير مراد غالب الذى كان ممثلا لمصر داخل الكونغو فى ذلك الحين تفاصيل إجلاء زوجة وأبناء لومومبا، قائلا: "استطاع لومومبا أن يفلت من طوق الحصار المفروض من حوله، ويهرب فى منزل بوسط العاصمة ليوبولدفيل، وبعث إلى برسالة تعرفنى بمكانه، ووصلت إلى مخبئه، ووجدت حالته سيئة للغاية، كانت عيناه زائغتين، كتبت برقية إلى عبد الناصر، أبلغته فيها أن لومومبا على قيد الحياة عكس الأنباء التى تداولت حينها بمقتله، وأنه يرغب فى نقل زوجته وأولاده إلى مصر، وأنه أصبح المصدر الوحيد لأخباره".
وأشرف فريق مصرى على خطة تهريب أبناء لومومبا، حيث تم تغيير جواز سفر مستشار فى السفارة المصرية، يدعى عبد العزيز إسحق، ووثق أنه متزوج من امرأة كونغولية وبصدد السفر برفقة زوجته والأبناء لقضاء إجازة فى لشبونة، لتنجح بذلك خطة تهريب أسرة لومومبا.
ويروى الكاتب الراحل الكبير، الأستاذ محمد حسنين هيكل، فى كتاب "سنوات الغليان"، أن زوجة لومومبا كتبت خطابا إلى عبد الناصر، قالت فيه: "إننى امرأة لم تتعلم، لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة الحصول عليه، لكنى مع إدراكى البسيط أفهم مثل كل امرأة وطنية فى إفريقيا، أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا، إننى بلسان امرأة - والمرأة هى موضع أسرار الرجل - أؤكد لكم أننا عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك".
مضت أيام الأم والأبناء مستقرة فى ضيافة مصر والزعيم جمال عبدالناصر، أما فى الكونغو، فكان الصراع يحتدم يوما تلو الآخر. وفى 17 يناير 1961، نُقل باتريس لومومبا ورفيقاه جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، جوا إلى مدينة لوبومباشى فى الكونغو، وهناك سلموا إلى النظام الانفصالى فى كاتانجا ومستشاريه البلجيكيين، وتروى هيئة الإذاعة البريطانية "بى. بى. سى" تفاصيل آخر أيام لومومبا، قائلة : فى وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم لومومبا وأوكيتو ومبولو رميا بالرصاص تحت قيادة بلجيكية، وبرغم أن جثثهم دفنت فى البداية فى قبور ضحلة، ثم استُخرج من الأرض ونقل مسافة 200 كم، ثم دفن ثانية، ثم تم استخراجه مرة أخرى وقُطع إربا إربا، وأخيرا ذُوب فى مادة حمضية..وأشرف مأمور الشرطة البلجيكى جيرار سوتى على عملية التخلص من رفات لومومبا، واعترف لاحقا بحسب بى. بى. سى، بأنه أخذ أحد أسنانه، وأجزاء من جثمانه، وفى برنامج وثائقى عرض عام 1999، وصف سوتى الأجزاء التى أخذها من جثمان لومومبا.
وفى العام 2018، اعترفت بلجيكا بعظمة لومومبا، وشجاعته وروعة نضاله لتحرير مستعمرتها الإفريقية السابقة التى ارتبط اسمها بنهر الكونغو العظيم، وأعرب ملك بلجيكا الحالى فيليب ألبيرت عن أسفه، عما وقع فى الحقبة الاستعمارية للكونغو من انتهاكات على يد أجداده، وهى البلد التى كان جده ليوبولد يعتبرها "مزرعته الخاصة"..كذلك أطلقت الحكومة البلجيكية اسم باتريس لومومبا، على أحد أهم ميادينها الكبرى فى بروكسل العاصمة، لكن أنصار لومومبا يقولون إن ذلك "غير كاف" بالنسبة لهم، إذ تسعى منظمات مدنية كونغولية لدى السلطات البلجيكية، لاستعادة أسنان لومومبا التى انتزعها قتلته بعد إعدامه، وهو السعى الذى تدعمه السلطات الكونغولية لرمزيته السياسية. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام