نحن والعالم



دلالات عودة الحكومة السودانية.. الخرطوم من ساحة حرب إلى عاصمة القرار

22-1-2026 | 02:35
د. محمد فؤاد رشوان - خبير الشئون السياسية الإفريقية

شكّلت عودة الحكومة السودانية، إلى مقرها الدائم فى العاصمة الخرطوم مطلع يناير 2026، خطوة مفصلية، أعادت الأمل لملايين السودانيين بعد غياب قسرى، استمر قرابة ثلاث سنوات، أُديرت خلالها شئون الدولة من بورتسودان بفعل الحرب، ولم تكن العودة مجرد انتقال إداري، بل إعلان عن بداية مرحلة جديدة، فى مسار دولة أنهكتها المواجهات المسلحة والأزمات الإنسانية.
 
الخرطوم، التى كانت أولى ساحات الصراع الدامى منذ إبريل 2023، تحاول اليوم استعادة نبض الحياة، مع استئناف 11 وزارة عملها من مجمع الوزارات ببرج المعادن، فى ظل تطلع شعبى واسع إلى استعادة الاستقرار والخدمات الأساسية التى انهارت خلال سنوات الحرب، وقد تحولت العاصمة إلى رمز لمعاناة السودانيين، جراء النزوح والدمار، وتردى الأوضاع المعيشية، ما يجعل هذه العودة محمّلة بآمال كبيرة فى تطبيع الحياة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
وتعد تلك الخطوة، مؤشرًا لقدرة الدولة على استعادة سيادتها، وبناء مستقبل يتجاوز سنوات الحرب والانقسام، وتعكس تلك الخطوة العديد من الأبعاد السياسية والأمنية والإستراتيجية والإنسانية، له أبعاد متشابكة منها:
استعادة رمزية 
يرتكز البُعد الرمزى لعودة الحكومة إلى الخرطوم، على إعادة تأسيس فكرة “الدولة” ذاتها فى خيال المواطن والمراقب الخارجى، فغياب السلطة التنفيذية عن عاصمة البلاد، لأعوام طويلة شكّل انتهاكاً صارخاً لأحد أركان السيادة التقليدية، وأرسى صورة دولة “هاربة” أو “منفية” داخل حدودها، لذا، فإن العودة تمثل محاولة استباقية لاستعادة المطلق الرمزى للسلطة: المكان.
ومن ثم يأتى تصريح رئيس الوزراء بأنها “عودة حكومة الأمل” باعتباره ليس مجرد خطاب إعلامى، بل هو محاولة لصياغة سردية جديدة، تحوّل الحكومة من كيان يدير الأزمة من الهامش إلى فاعل مركزى يستعيد زمام المبادرة، ويُعيد ربط مفهوم “الدولة” بمقرها التاريخى والحضارى، إنه تغليب لرمزية “المركز” على واقع “الهامش” الذى حكم من بورتسودان.
ومن ناحية أخرى، فإن هذه الخطوة تمثل رسالة سيادية موجهة للداخل تؤكد أن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على العودة إلى مركز ثقلها، وتستهدف كسر حالة “اللامركزية القسرية” التى فرضتها الحرب، أما خارجياً، فهى تسعى لترميم صورة الدولة “الفاشلة” أو “الغائبة”، وتقديم نفسها كطرف وحيد قادر على تجسيد الشرعية، واستعادة وحدة الأرض والسلطة، وهى الحجة الأساسية فى أى مفاوضات إقليمية أو دولية مقبلة حول إعادة الإعمار والشراكة السياسية.
 رسالة سياسية 
تتجاوز دلالة تعزيز الشرعية الناتجة عن عودة الحكومة إلى الخرطوم مجرد تحسين الصورة الإعلامية، فهى تمثل محاولة إستراتيجية لـ إعادة هندسة المشهد السياسى، وإعادة تعريف معادلة الشرعية ذاتها فى السودان، فالشرعية فى سياق ما بعد الصراع الطويل، لا تُستمد فقط من الانتخابات أو الدستور، بل من القدرة الفعلية على الحضور، والسيطرة، وتقديم الخدمات فى القلب الرمزى والمادى للأمة.
عمليًا، تحاول الحكومة من خلال هذه الخطوة، تحويل شرعيتها من “شرعية المقاومة” أو “شرعية الإدارة فى المنفى” فى بورتسودان، إلى “شرعية الحكم الفعلى” فى العاصمة، فهى تسعى لاستعادة الدور المركزى، والمحورى الذى فقدته خلال سنوات الحرب، حيث تعددت مراكز القوى وتقلصت سلطة الحكومة المركزية، وبوجودها فى الخرطوم، ترسخ مفهوم مركز السيادة وصنع القرار، كما تطرح نفسها باعتبارها الطرف المركزى الذى لا يمكن تجاوزه فى أى معادلة سياسية، أو مفاوضات سلام مستقبلية، سواء مع الفصائل المسلحة أم مع القوى المدنية.
أما على الصعيد الخارجى، تُعد هذه الخطوة أداة دبلوماسية بالغة الأهمية، فهى تهدف إلى إقناع المانحين الدوليين، والشركاء الإقليميين، بأن هناك سلطة واحدة قادرة على استلام المساعدات، وإدارة عمليات إعادة الإعمار على الأرض، ومن ثم فإنها محاولة لتحويل الاعتراف الدبلوماسى المجرد إلى شرعية وظيفية تعترف بها الشعوب والمجتمعات المحلية عندما تلمس تحسناً فى الخدمات والأمن.
غير أن التحدى الجوهرى، يكمن فى مدى قدرة الحكومة على سد الفجوة بين الشرعية الرمزية التى اكتسبتها بالعودة، والشرعية الأداتية المتمثلة فى الأداء الحكومى، إذا فشلت فى تحسين الحياة اليومية للسكان، أو فى توسيع نطاق سلطتها خارج المجمع الوزارى، فإن العودة قد تتحول إلى ورطة سياسية، وتعزز السردية التى تطرحها خصومها، بأنها حكومة “محاصرة فى برج” منفصل عن واقع البلاد. باختصار، لقد رفعت الحكومة سقف التوقعات، وأصبح نجاحها أو فشلها فى تحويل الحضور الجغرافى إلى حكم فاعل هو المحك الحقيقى لشرعيتها المستدامة.
 دلالة معنوية 
على المستوى الشعبى، لاقت عودة الحكومة ترحيبًا، من بعض سكان العاصمة، الذين رأوا فيها إشارة رمزية إلى عودة الدولة إلى فضائها الطبيعى، وإلى استعادة شىء من النظام والمعنى فى حياة يومية طالها الاضطراب والفوضى، فالخرطوم لم تكن مجرد عاصمة إدارية، بل كانت مركزًا للذاكرة الجماعية والروابط الاجتماعية والاقتصادية، وغياب الدولة عنها شكّل لدى كثير من المواطنين شعورًا عميقًا، بالانكشاف وفقدان الحماية.
لقد عاشت العاصمة خلال سنوات الحرب، تجربة قاسية من العنف المنظم، والانهيار الشامل للبنية التحتية، وتفكك الخدمات الأساسية، ما ولّد إحساسًا عامًا بانسحاب الدولة من حياة الناس، وتركهم فى مواجهة مصيرهم الفردى، ومن هنا، فإن عودة الحكومة إلى المدينة لا تُقرأ فقط كخطوة سياسية، بل كفعل رمزى يعيد الاعتبار لفكرة “الحضور الرسمي” فى الفضاء العام، ويبعث رسالة مفادها أن الدولة لم تتخلَّ عن عاصمتها ولا عن مواطنيها.
ويتجلى الأثر المعنوى لهذه العودة، فى استعادة حد أدنى من الطمأنينة النفسية، وفى إحياء الأمل بإمكانية الانتقال من منطق البقاء إلى منطق الاستقرار، فالمواطن السودانى، المنهك بالحرب والفقر والنزوح، لا يبحث فقط عن قرارات كبرى أو خطط إستراتيجية، بل عن إشارات ملموسة تشعره، بأن هناك سلطة قادرة على إدارة الشأن العام، وضمان الأمن، وتنظيم الحياة اليومية، ومن هذا المنظور، يصبح الوجود الحكومى فى الخرطوم عنصرًا أساسيًا فى ترميم الثقة المكسورة بين الدولة والمجتمع.
 تحسن الوضع الأمنى
برغم أن الحرب لا تزال مستمرة بشكل رسمى، فى أجزاء واسعة من البلاد، فإن نقل الحكومة إلى الخرطوم يعكس تحسنًا نسبيًا فى الوضع الأمنى داخل العاصمة والمناطق المحيطة بها، خصوصًا بعد سيطرة الجيش السودانى على أجزاء كبيرة من المدينة عقب انسحاب قوات الدعم السريع.
هذا لا يعنى أن الوضع الأمنى قد أصبح مستقرًا بالكامل، فهناك تقارير عن استمرار اشتباكات فى بعض المناطق، وإشكاليات أمنية فى محيط العاصمة، لكن على الأقل عودة الحكومة، تعتبر مؤشرًا على إعادة رسم خارطة التموضع العسكري، إذ إن بسط النفوذ على الخرطوم — باعتبارها مركز الثقل السياسى والعسكرى — يعنى عمليًا نجاح الجيش فى إعادة تنظيم صفوفه، وبناء منظومة متماسكة للقيادة والسيطرة تنطلق من العاصمة، بما يعزز من قدرته على إدارة العمليات وتوحيد القرار الأمنى والعسكري.
وتحمل العودة دلالات أمنية تتجاوز بعدها الميداني، إذ تبعث برسالة طمأنة للشارع السودانى مفادها، أن الدولة استعادت جزءًا معتبرًا من قدرتها على فرض النظام وإدارة شئون البلاد، وفى الوقت ذاته، تشكل رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية، بأن أى مسار سياسى أو تعامل دبلوماسى مستقبلى، لا يمكن أن يتجاوز حكومة موجودة فعليًا فى عاصمتها وتمارس سلطتها من مركزها السيادي
إعادة الخدمات الأساسية
من أولويات الحكومة بعد العودة كان تحسين الخدمات الأساسية فى الخرطوم — المياه، الكهرباء، الصحة، التعليم، والبنية التحتية التى دُمّرت خلال الحرب، وقد أعلن رئيس الوزراء السودانى كامل إدريس أن الحكومة ستعمل على إعادة تشغيل المستشفيات، المدارس، الجامعات (من بينها جامعة الخرطوم)، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه.
هذه الالتزامات تُظهر أن الحكومة، تعتبر وجودها فى الخرطوم ليس رمزًا فقط بل منصة لتحسين حياة المواطنين فعليًا، ولو أن التحديات هنا ضخمة للغاية بالنظر إلى حجم الدمار وطبيعة الأزمة الإنسانية، فسكان الخرطوم حتى الآن لا يتوافر لديهم الحد الأدنى من الخدمات، وبالتالى سيكون الوضع أكثر تعقيدًا حال عودة أكثر من 6 ملايين نازح ولاجئ إليها فى المستقبل القريب، وهو ما يشكل عبئا مضاعفا على الحكومة فى عودة الخدمات فى المستشفيات، التى خرج أكثر من 90 % منها خارج الخدمة خلال السنوات الثلاث السابقة، وعودة والكهرباء والمواصلات العامة الى السكان، وتمكين طلب المدارس والجامعات من استئناف دراستهم  بمختلف المراحل.
استقرار مالى
عودة الحكومة إلى الخرطوم، جاءت أيضًا مصحوبة بإعلان الموازنة العامة للعام 2026، دون فرض أعباء مالية إضافية على المواطنين، مع هدف تقليل التضخم وزيادة النمو الاقتصادى.
فى هذا الإطار، تم استعراض خطط لتعزيز الناتج المحلى الإجمالى، واحتواء التضخم وتقليل الفجوة فى أسعار الصرف الموازية، هذه الإجراءات تحمل دلالات اقتصادية مهمة، إذ تُظهر أن الحكومة لا تهدف فقط إلى العودة الشكلية، بل تسعى إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادى، كجزء من عملية إعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار السياسي.
كما تحمل أيضًا عودة الحكومة دلالة اقتصادية جوهرية، إذ تعنى من المنظور العملى السعى إلى إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية للبلاد، فالخرطوم التى تمثل القلب النابض للاقتصاد السودانى، بما تحتضنه من مصارف ومقار شركات وأنشطة تجارية ومالية، فضلًا عن كونها مركز الثقل الذى يوازن حركة الاقتصاد الوطنى، ومن ثم تهدف تلك الخطوة إلى تحريك الأنشطة المتوقفة وإعادة ضخ الحد الأدنى من الحيوية لشرايين الاقتصاد.
كذلك توجه هذه الخطوة إشارات طمأنينة الى المستثمرين والجهات المانحة بأن الأوضاع تسير نحو مسار أكثر انتظامًا، ما يفتح المجال أمام استئناف الدعم الاقتصادى والإنسانى بصورة أكثر تنظيمًا ومأسسة.
وفى إطار الدلالات الاقتصادية الإيجابية لعودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم، تبرز مؤشرات أولية، تعكس بدء تحريك عجلة الإنتاج واستعادة النشاط الاقتصادى تدريجيًا، سواء فى القطاع الزراعى أم الصناعى أم فى مجالات التشغيل المجتمعي، فقد أشار مدير عام وزارة الرعاية الاجتماعية إلى تحسن ملحوظ فى الإنتاج الزراعى بالريف، مؤكدًا عودة توافر الخضروات المنتَجة داخل ولاية الخرطوم، وهو تطور يحمل أهمية خاصة فى تخفيف الضغوط المعيشية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية التى تضررت بشدة خلال الحرب.
وفى السياق ذاته، كشفت تقارير وزارة الصناعة عن استعداد عدد من المصانع للعودة إلى العمل، بما يعكس بداية تعافٍ تدريجى للقطاع الصناعي، الذى يُعد أحد الأعمدة الرئيسية لأى مسار اقتصادى مستدام، وتكتسب هذه العودة بعدًا إضافيًا فى ظل التنسيق القائم بين وزارتى الصناعة والتعليم العالى، خصوصا فيما يتعلق بتفعيل الورش الموجودة فى الكليات الهندسية، ليس فقط لأغراض التدريب الأكاديمي، بل كرافد عملى لإعداد كوادر فنية قادرة على الانخراط المباشر فى جهود إعادة الإعمار.
ويأتى هذا التكامل المؤسسى ليؤدى دورًا مزدوجًا، يتمثل فى تأهيل الطلاب والحرفيين وخلق فرص عمل، إلى جانب معالجة آثار الدمار الواسع الذى طال البنية التحتية والمرافق العامة، سواء فى شبكات المياه أم الكهرباء أو المباني، بما يحوّل إعادة الإعمار من عبء مالى إلى فرصة اقتصادية وتشغيلية.
وعلى مستوى الاقتصاد المجتمعي، أشار المسئولون إلى طرح مشروعات صغيرة وأسرية عبر لجنة المشروعات المختصة، تستهدف تنشيط الإنتاج الصغير وتحريك المجتمع المحلي، لا سيما من خلال مشروعات السكن التكميلى، واستغلال المساحات المتاحة داخل الأحياء عبر أنشطة شبابية منتجة، وتمثل هذه المبادرات أحد المداخل الواقعية لإعادة دمج الفئات المتضررة فى الدورة الاقتصادية، وتعزيز الاعتماد على الذات، بما يجعل عودة الحكومة إلى الخرطوم محفزًا اقتصاديًا حقيقيًا، لا مجرد خطوة إدارية أو رمزية.
أمل فى المستقبل
وختامًا، تبدو عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم لحظة فاصلة، تحمل فى طياتها مزيجًا معقدًا من الأمل والاختبار، فهى من ناحية تعيد الاعتبار لرمزية الدولة وحضورها فى عاصمتها التاريخية، ومن ناحية أخرى تضع السلطة التنفيذية أمام مسئوليات ثقيلة لم يعد ممكنًا تأجيلها أو إدارتها من الهامش، فالخرطوم، التى تستقبل اليوم مؤسسات الحكم، لا تستقبلها كما غادرتها، بل كمدينة جريحة، مثقلة بآثار الدمار، ومحمّلة بتطلعات مواطنين أنهكتهم الحرب وتآكلت قدرتهم على الاحتمال.
أكبر التحديات التى تواجه الحكومة السودانية، يتمثل فى تحويل هذه العودة من حدث رمزى إلى مشروع دولة متكامل، يبدأ باستعادة الأمن الشامل لا الأمن النسبي، فوجود جيوب مسلحة، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وغياب الاحتكار الشرعى للقوة، كلها عوامل تهدد أى محاولة لتطبيع الحياة اليومية، وتجعل الاستقرار هشًا وقابلًا للانتكاس فى أى لحظة، ولن يكون الأمن ممكنًا دون إعادة بناء مؤسسات إنفاذ القانون، وضبط العلاقة بين الجيش وبقية التشكيلات المسلحة، ضمن رؤية وطنية واضحة تنهى حالة التعدد القسرى لمراكز القوة.
التحدى الثانى الذى لا يقل خطورة، ويتمثل فى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فسنوات الحرب لم تُخلّف دمارًا ماديًا فحسب، بل أحدثت شرخًا عميقًا فى علاقة المواطن بمؤسسات الحكم، بعدما غابت الخدمات وتراجعت قدرة الدولة على الحماية والرعاية، واستعادة هذه الثقة تتطلب أفعالًا ملموسة وسريعة فى مجالات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، لأن المواطن السودانى لم يعد يكتفى بالخطاب السياسى أو الوعود العامة، بل يقيس مصداقية الدولة، بمدى حضورها فى تفاصيل حياته اليومية.
أما التحدى الاقتصادى، فيقف فى صدارة المعوقات التى قد تُفشل أى مسار إصلاحى إذا لم يُدار بحكمة، فالاقتصاد السودانى يعانى من تضخم مرتفع، وبطالة واسعة، وانهيار فى البنية الإنتاجية، إلى جانب محدودية الموارد المالية فى ظل تراجع الدعم الخارجي، وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة، وتحريك المشروعات الصغيرة، تمثل خطوات ضرورية، لكنها تظل غير كافية ما لم تُدمج فى إستراتيجية اقتصادية شاملة تراعى العدالة الاجتماعية، وتحد من اتساع الفجوة بين المركز والأقاليم.
ويبرز تحدٍ آخر يتمثل فى إدارة ملف النزوح واللجوء، حيث ينتظر ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها مؤشرات حقيقية تسمح لهم بالعودة الآمنة إلى منازلهم، وهذه العودة لا يمكن أن تتحقق دون توفير الأمن، وإعادة تأهيل الأحياء المدمرة، وضمان الحد الأدنى من سبل العيش، وهو ما يتطلب تنسيقًا عالى المستوى بين الحكومة والفاعلين المحليين والدوليين، بعيدًا عن الحلول الجزئية أو الموسمية.
فى النهاية، تمثل عودة الحكومة إلى الخرطوم فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، لكنها فى الوقت ذاته لحظة اختبار قاسٍ لقدرة السلطة على الفعل لا الاكتفاء بالرمز، فإما أن تنجح الحكومة فى تحويل هذه العودة إلى بداية مسار تعافٍ حقيقى يلامس حياة الناس، أو تتحول إلى محطة عابرة تضاف إلى سجل طويل من الفرص المهدرة، وبين هذين الاحتمالين، يبقى الشعب السوداني، بصبره وتطلعاته، هو الرهان الأكبر والفيصل الحقيقى فى مستقبل البلاد.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام