نحن والعالم



الأقاليم وراء البحار تتحول إلى أوراق سياسية.. الأرض تضيق على أوروبا

22-1-2026 | 02:40
رشا عامر

مبدأ «مونرو» لم يكن مجرد إعلان دبلوماسى بل تعبير مبكر عن قناعة مفادها  أن أوروبا يجب أن تبقى خارج الحديقة الخلفية للأمريكيين
 
هناك معارضة قوية داخل الولايات المتحدة، ضد فكرة استخدام القوة لضم أراض خارج سيطرة الحكومة
 
أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدى أمام أية محاولة توسعية أمريكية حتى لو جاءت من إدارة ترامب
 
بدأ دونالد ترامب عام 2025، بوعده بالاستيلاء على قناة بنما وجرينلاند، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى «خليج أمريكا»، واختتمه بقصف سفن أمريكا الجنوبية، وإرسال أكبر حاملة طائرات فى العالم إلى منطقة الكاريبى، واختطاف الزعيم الفنزويلى نيكولاس مادورو.
وفى تحول جذرى فى السياسة الخارجية الأمريكية، أصبح نصف الكرة الغربى، محور اهتمام واشنطن الرئيسى، فإلى جانب التهديدات والعمليات العسكرية، تستخدم إدارة ترامب، التعريفات الجمركية العقابية،
ويزعم ترامب أنه يريد منع دخول المخدرات والمهاجرين إلى الولايات المتحدة، لكن الواقع بناء على تصريحات كبار المسئولين فى الإدارة الأمريكية، أن الهدف الرئيسى للولايات المتحدة، يتمثل فى الهيمنة على نصف الكرة الغربى، والذى يبشر بمزايا كبيرة مثل الموارد الطبيعية الهائلة، والمواقع العسكرية الإستراتيجية، والأسواق المربحة، وبدعم من الصقور، ذوى العلاقات التاريخية مع أمريكا الجنوبية، يعيد دونالد ترامب، صياغة السياسة الأمريكية فى المنطقة، لضمان هذه المكاسب.
 
مبدأ مونرو
ويطلق الخبراء على النهج الأمريكى الجديد، اسم "مبدأ مونرو"، وهو نسخة ترامبية من مبدأ مونرو، الذى أعلنه الرئيس جيمس مونرو، عام 1823، والذى كان مصمما على تحييد أى نفوذ للقوى الأوروبية فى الأمريكيتين.
مبدأ مونرو، لم يكن مجرد إعلان دبلوماسى، بل كان تعبيرا مبكرا عن قناعة أمريكية مفادها، أن أوروبا يجب أن تبقى خارج الحديقة الخلفية للأمريكيين، لكن المفارقة أن أوروبا نفسها، لم تغادر تماما، ففرنسا وهولندا والدانمارك وبريطانيا، (قبل خروجها من الاتحاد الأوروبى)، احتفظت بأقاليم فيما وراء البحار فى الكاريبى، وأمريكا الجنوبية، والمحيط الأطلنطى.
هذه الأقاليم هى بقايا الإمبراطوريات الأوروبية، لكنها فى الوقت ذاته كيانات حية يسكنها بشر، وتخضع لقوانين حديثة، وليست أطلالا تاريخية، وبالتالى فما يزعج العقلية الترامبية، ليس وجود هذه الأقاليم بحد ذاتها، بل رمزيتها إذ كيف تبقى أوروبا حاضرة جغرافيا فى منطقة ترى واشنطن أنها مجالها الطبيعى؟ فمنذ القرن التاسع عشر، تعاملت الولايات المتحدة مع النصف الغربى من الكرة الأرضية، بوصفه مجالا حيويا خاصا.
والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن لترامب أن يسيطر على هذه الأراضى التى تعرف بأقاليم ما وراء البحار؟
أولا: لابد من توضيح عبارة "السيطرة على أراضى”، ففى عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية، تغيرت قواعد العلاقات الدولية بشكل جذرى، فأصبح الاحتلال أو الضم القسرى لأراضى دولة ذات سيادة، عملا مدانا فى القانون الدولى، ومحظورا بموجب ميثاق الأمم المتحدة واتفاقياتها، وجهود أى دولة حتى لو كانت بقوة الولايات المتحدة، لضم أو السيطرة على أراضى دولة أخرى بدون موافقتها، خصوصا إذا كانت تحتوى على حكم ذاتى، أو جزء من دولة عضو فى الاتحاد الأوروبى، يعد خرقا صارخا للقانون الدولى، ويمكن أن يشكل سببا لحرب أو عقوبات عالمية، وعزل سياسى، وهذا يعنى أن احتمالية سيطرة ترامب، أو أى رئيس أمريكى على الأراضى الأوروبية، فى نصف الكرة الغربى بالقوة العسكرية، أو ضمها سياسيا، تبقى أمرا غير قانونى، وغير واقعى فى إطار القانون الدولى الحديث، ما لم تقع حرب عالمية كبرى، تغير النظام الدولى بأكمله.
أما بالنسبة لمبدأ مونرو، فهذا المبدأ لا يعنى فعليا أن أمريكا ستحتل أراضى تابعة لأوروبا بالقوة، لكنه يشير إلى سياسة ضغط اقتصادى وسياسى وعسكرى، لمنع أى قوة دولية (بما فيها أوروبا أو الصين أو روسيا)، من إيجاد أى نفوذ قوى فى أمريكا اللاتينية والكاريبى، ولعل أقرب مثال حديث لما يشبه محاولة سيطرة أمريكية، هو ما يجرى بشأن جرينلاند، وهو إقليم تابع لأوروبا جغرافيا فى نصف الكرة الغربى، وهو ما استفز الأوروبيين، باعتباره محاولة غير قانونية، وجعل المسئولين الدانماركيين يؤكدون، أنه لا يمكن بيع جرينلاند، لأنها جزء من دولة ذات سيادة، بل إن الجرينلانديين أنفسهم لا يريدون ذلك، وهذا يبين أن الضغوط الأمريكية، قد تتجه لمحاولة السيطرة على نقاط إستراتيجية معينة داخل نصف الكرة الغربى، ولكنه ليس سيطرة شاملة على أراضى أوروبية، إنما محاولة إحداث توترات سياسية أو ضغط إستراتيجى.
وحتى داخل الولايات المتحدة، هناك معارضة قوية ضد فكرة استخدام القوة لضم أراض خارج سيطرة الحكومة، وبالتالى هناك احتمال طرح تشريعات لمنع العسكريين من الإشراف على احتلال أراضى حليفة، مثل جرينلاند، أو ما شابهها من دول حلف الناتو، وأى تحرك من هذا النوع داخل النظام الأمريكى، يجب أن يمر بموافقة الكونجرس. 
 
ردود أوروبا والتحالفات
بالطبع لن تقف أوروبا مكتوفة الأيدى، أمام أية محاولة توسعية أمريكية حتى لو جاءت من إدارة ترامب، فالدول الأوروبية من الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، شددت على أن جرينلاند ستظل جزءا من الدانمارك، وأن أمنها يندرج ضمن التزامات الحلف، كما أن الاتحاد الأوروبى يعمل على تقوية قدراته العسكرية والدفاعية الذاتية، مع زيادة الميزانيات والدعم الإستراتيجى للقطب الشمالى، وأية محاولة لانتهاك السيادة الأوروبية، يمكن أن تؤدى إلى إجراءات اقتصادية، وعقوبات مضادة، وكذلك إجراءات فى مجلس الأمن ضد الولايات المتحدة.
إذن، فالولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة السيطرة على أراض أوروبية فى نصف الكرة الغربى، سواء بالقوة، أم من خلال ضمها بشكل دائم، لأن القانون الدولى أولا يمنع ذلك، باعتبارها عملا احتلال غير مشروع، ثانيا لأن الدول الأوروبية وحلفاءها الدوليين، لن يقبلوا ذلك وسيردوا دبلوماسيا، ثالثا لأن العلاقات العسكرية والقانونية داخل الناتو تمنع ضم أراضى حليفة، رابعا لأن أى تحرك من هذا النوع، سيؤدى إلى أزمة سياسية عالمية قد تؤدى إلى عقوبات أو حتى صراع دولى أوسع.
 
أوراق الضغط
لكن هل تمتلك أوروبا أوراقا لمواجهة رغبة ترامب الجامحة، للسيطرة على كل الأراضى فى النصف الغربى للكرة الأرضية؟
أول ورقة قوية تملكها الدول الأوروبية، هى القانون الدولى الذى يمنع ضم أراضٍ بالقوة، وهناك نصوص مثل ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن تمنع استخدام القوة لضم أراضى دولة لها سيادتها، وإذا حاولت أى دولة الاستحواذ على أراض بالقوة، فإنه يمكن للاتحاد الأوروبى والحلفاء تصعيد هذه القضية أمام الأمم المتحدة، وإصدار قرارات تدين هذا العمل، وهذا بالطبع يمنح أوروبا دعما قانونيا دامغا، للرد على أى تحرك غير قانونى، هناك أيضا حلف الناتو، وهو أقوى تحالف عسكرى فى العالم، وتشترك فيه الولايات المتحدة مع دول أوروبية كثيرة، تحت مبدأ الدفاع المشترك، وهذا يعنى أن أى عدوان على أية دولة أوروبية، هو عدوان على جميع الدول الأعضاء، كما أن سعى أوروبا لتوسيع قدراتها العسكرية، سوف يزيد من قدرتها على ردع أية محاولة توسعية أو ضغط عسكرى.
الأوروبيون يمتلكون أيضا، اقتصادا ضخما وقوة تجارية واسعة، فالاتحاد الأوروبى، هو ثانى أكبر سوق اقتصادى فى العالم، بعد الولايات المتحدة وبإمكان أوروبا، فرض عقوبات اقتصادية مضادة على الولايات المتحدة، أو سحب التسهيلات التجارية، ما سيؤثر على الاقتصاد الأمريكى داخليا، فالعقوبات الاقتصادية يمكن أن تكون ردا أقوى من الرد العسكرى فى الكثير من الحالات، خصوصا فى عالم يعتمد على التبادل التجاري.
هناك أيضا ورقة العلاقات الدولية، والتحالفات المتعددة، فأوروبا ليست معزولة، إذ لها علاقات قوية مع الصين ومعظم الدول فى الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن هنا يمكنها توسيع الدعم الدولى ضد أى محاولة للسيطرة على الدول الأخرى، وخلق جبهة دبلوماسية عالمية للدفاع عن سيادة الدول والمنظومة القانونية الدولية.
وخلافا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد بدأت أوروبا فى تطوير قدرات دفاعية مستقلة عن الولايات المتحدة، وأنشأت قوات مشتركة أوروبية قابلة للتدخل مع زيادة ميزانيات الدفاع الوطنية والتعاون فى الصناعات العسكرية الأوروبية، وهذه الخطوات تقلل من اعتماد أوروبا على الحماية الأمريكية، وتمنحها قدرة ذاتية أعلى على مواجهة أى تهديد.
هناك أيضا الشراكات التجارية والاستثمارات، فالأوروبيون يمتلكون شراكات تجارية ضخمة فى نصف الكرة الغربى نفسه وخصوصا فى أمريكا اللاتينية، حيث يمكنهم استخدام هذه العلاقات لتقويض النفوذ الأمريكى عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول أمريكا اللاتينية، وتقديم بدائل للاستثمار الأوروبى مقارنة بالولايات المتحدة، واستثمار الرأسمال الأوروبى فى البنى التحتية للدول الأخرى لمنحهم خيارات إستراتيجية.
وأخيرا يأتى الرأى العام والحراك الشعبى الأوروبي، فدول الاتحاد الأوروبى لديها شعوب ووسائل إعلام قوية تدافع بشدة عن سيادتها وحقوقها، وإذا ظهرت محاولات للسيطرة على الأراضى بالقوة، فإن الضغط الشعبى الأوروبى ضدها سيكون عاملا سياسيا قويا يصعب على أى حكومة مواجهته.
وفى نهاية المطاف، فإن أكثر ورقة قوة لدى الأوروبيين ليست فقط الرد، بل منع مثل هذا التوسع من البداية، أو كما نقول «منع البلاء قبل وقوعه»، وذلك من خلال بناء كتل سياسية موحدة قوية وتعزيز مؤسسات الاتحاد الأوروبى، لتكون أكثر قدرة على الرد على التهديدات وتوسيع التعاون الإستراتيجى مع الولايات المتحدة، فى مجالات تقلل من فرص نشوء أزمات مثل النزاع على الأراضى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام