مقالات



‫أمريكا فكرة.. (1-2)‬

22-1-2026 | 02:47
د. إيمان طاهر

فى عام 1625 وصل أندس توماس مع من أطلقوا على أنفسهم الحجاج الإنجليز لعالم وأرض جديدة، وسرعان ما بنوا مستعمرة «بليمونث»، ومنذ لحظة وصولهم أدرك أندس نياتهم والخطر الذى سيمثله شعبه على أصحاب هذه الأرض، فتركهم وذهب ليعيش بين هنود البيكو فى «مارى ماونت»، واشتغل معهم بالتجارة وكون ثروات هائلة ليست فقط من النقود بل من المعلومات والحقائق وشهادات من أصحاب هذه الأرض، والتى لو كانت هناك عدالة دولية بحق - كما يزعمون - لما أصبحت أمريكا الآن!!
وبات أندس يمثل خطرا حقيقيا على خطط إنجلترا المستقبلية، فشكلوا قوة عسكرية اعتقلته، وعادت به لإنجلترا وحاكمته بتهمه بيع أسلحة للهنود، وسرعان ما خرج من تلك التهمة وعاد مرة أخرى، على الرغم من تهديدات السلطات الإنجليزية التى لم يعرها اهتماما، فاعتقلته مرة أخرى وأعادته لبريطانيا، وأحرقت كل منطقة مارى ماونت، لقطع «دابر العادات الشريره فى أرض إسرائيل»، هذا هو الاسم الذى أطلقته إنجلترا على مستعمراتها الجديدة، لأن الهنود كانوا وثنيين ولهم قدرات خاصة على معالجة جميع الأمراض، وحتى المستعصى منها بالأعشاب الطبيعية، ولهم ثقافات وأخلاقيات خاصة بهم وبراعة تقنية مذهلة وحس جمالى لاتحادهم مع الطبيعة واحترامهم لها، وهذا أثر على سلوكياتهم التى اتسمت بالتسامح والبراءة والصدق، فكانوا كالأرض البكر التى يقطنونها، لذا سهل على الإنجليز بطبيعة عقلهم الخبيث المراوغ خداعهم عبر نزع ثقافتهم لاستبدال ثقافة بأخرى ليسهل بعد ذلك استبدال شعب بشعب.
ومن مفارقات الأقدار الأليمة أن يذكرنا التاريخ كل عام بتلك المذابح فى هيئة احتفال أو ما يسمى بعيد الشكر!! الذى توجوا فيه تاريخهم الاستعمارى وإبادة شعب كامل بنهايتهم السعيدة، مستمدين من تاريخ أهل كنعان أو العبرانيين القدماء مفاهيم وتصورات لا تمت للحقائق بصلة، بل هى وحى من خيال مريض بالوحشية والسادية والاستحواذ على ما يملكه الغير، لذا أطلقوا عليها أرض إسرائيل الجديدة أو أرض المعاد، كما فعلوها بأرض فلسطين.
هنا لابد أن ننتبه للفكر الذى يمهد للفعل وما لم تستطع إدراكه أغلبية العقول الطبيعيه هو الاختلافات بين البشر، التى قد تصل كما شاهدنا - وما زلنا - عبر عصور لكل هذا الشر المطلق. 
ومن خلال هذا التقمص الشيطانى لإباحة القتل والعنف والإرهاب اجتاحوا أرض الهنود وقتلوهم، فى سلسلة هى من أطول وأبشع إبادة حدثت فى تاريخ الإنسانية، وتلك كانت خطوتهم الأولى للسيطرة والهيمنة بأى بقعة على هذه الأرض. 
ظنا منهم تفوقهم العرقى والثقافى وقدرتهم على التوسع اللا نهائى، فأباحوا التضحية بشعوب كاملة كقربان لأهدافهم الوحشية وبلا ذرة ضمير. 
استطاع أندس جمع كل تلك المعلومات والحقائق فى كتاب «كنعان الجديدة الإنجليزية»، فضح فيه كل أكاذيب التاريخ الإنجليزى والأمريكى، وكيف استخدم الإنجليز أسلحة جرثومية من أوبئة العالم القديم سرا على سفنهم، عند وصولهم للشواطئ من أول يوم.
وفوق مساحة أكبر من أوروبا بنصف مليون ميل مربع، كانت تنتشر بالشمال الأمريكى أكثر من أربعمائة شعب وأمة وقبيلة، أى نحو 112 مليون إنسان تمت إبادتهم بعامل الأمراض مثل الجدرى والتيفوئيد والخناق والحصبة، فكان من السهل على المستعمر الإنجليزى كسب تلك الحرب التى لم يكن الشعب الأصلى يملك مناعة لها ولم يعرفها من قبل، بدلا من قتلهم بالرصاص أمام أعين العالم.
ليسجلوا ويرسخوا فى الذاكرة الإنسانية جريمة أخرى تضاف لتاريخهم الحافل بالسادية والعنف والدم، هى الكذب والتزييف، والحقيقة ليست تلك هى المشكلة لأننا مسبقا نعلم وندرك مدى خبث تلك الدول الاستعمارية، ولكن الأدهى والمثير للسخرية والعجب والمؤلم بأن يصدقهم العالم للآن!! 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام