حياة الناس



تعليم افتراضى وتقنيات توفر الكثير من الجهد والوقت.. المدارس والجامعات العربية فى زمن الذكاء الاصطناعى

22-1-2026 | 02:48
د. شاهيناز العقباوى

30 مليار دولار قيمة سوق الذكاء الاصطناعى فى قطاع التعليم بحلول عام 2032 
 
الألسكو : رغم الدعاية غير المدفوعة للذكاء الاصطناعى لا يزال استخدامه  فى مراحله الأولى
 
سهام السعيد: مجال التعليم هو الأهم والمصنع الذى يعد لنا أجيال الغد عدة الأمة وعتادها
 
محمد حسن : الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية فى العملية التعليمية يفقدها البعد الإنسانى
 
خالد السحاتى: يعزز وسائل الإيضاح المتعددة ويسهم فى صناعة محتوى علمى تفاعلى ويبسط العلوم المختلفة
 
 
شهدت الفترة الأخيرة، ابتكار كثير من التقنيات الرقمية التى تستهدف تسهيل العملية التعليمية، فمن الشريحة الذكية التى يرغب  الملياردير  إيلون ماسك، فى زراعتها فى العقل البشرى ليصبح الاستيعاب، والإلمام  أكثر سهولة ويسرا، وصولا إلى مدارس ومكتبات  افتراضية  تموج بها شبكة الإنترنت يسهل على طالب العلم استخدامها، والاعتماد عليها على مدار اليوم دون أن يغادر منزله، ناهيك عن عشرات التطبيقات المتوفرة على الهواتف الذكية، التى توفر المعلومات بالشرح والتحليل،  مدعومة بالصور والفيديوهات، التى بات إنتاجها  سهلا وبسيطا بفضل الذكاء الاصطناعى.
الطفرة التى يشهدها قطاع التعليم  فى العالم، وتسابق الشعوب العربية إلى  الاستعانة بها  فى مراحل التعليم المختلفة، فتحت الباب أمام كم كبير من التحديات والتناقضات، فهناك من يرى  أنه يسهم فى الارتقاء بالمنظومة التعليمية، بكل فروعها بداية من الطلبة، وصولا إلى المدرسة والمدرس والكتب، فإن هناك من يرى  أنه خطر على سير العملية التعليمة فى ظل تجاوز تقنياته الكثير من المحاذير، التى من شأنها أن تؤثر بشكل سلبى على القطاع  التعليمى كاملا . 
 
وفقًا لـمنظمة اليونسكو، يتبع أقل من 10 %  من المدارس والجامعات إرشادات رسمية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعى، فى العملية التعليمية،  مما يسلط الضوء على فجوة حرجة، فى تبنى هذه التكنولوجيا ودمجها فى التعليم فى المستقبل القريب.
وفقًا للـمؤسسة البحثية الأمريكية Global Market Insights ، من المتوقع أن يتوسع سوق الذكاء الاصطناعى فى التعليم إلى 30 مليار دولار فى عام 2032 من 4 مليارات دولار فى 2022، وذلك فى  أعقاب الميل المتزايد نحو التعلم المخصص، وفى السياق ذاته، ذكرت العديد من الدراسات التأثير الإيجابى لاستخدام الذكاء الاصطناعيّ فى أداء الطلبة، حيث بيّنت أنّ الطلبة الذين استخدموا نظام التعلّم القائم على الذكاء الاصطناعى، كان أداؤهم فى التقييمات أفضل من الطلبة الذين تلقّوا التعليمات تلقّيًا تقليديًّا، ووجدت دراسة أخرى أنّ خطط التعلّم المخصّصة التى طورت باستخدام الذكاء الاصطناعى، أدّت إلى تحسين مشاركة الطلبة وتحفيزهم.
نقاط إيجابية
من جهتها، تؤكد الخبيرة التعليمية السورية سهام السعيد، وجود نقاط إيجابيّة مهمّة يضيفها الذّكاء الاصطناعى لمجال التّعليم، من حيث تحسين جودة التعليم، وتذليل صعوبات التّعليم، لدى الطلاب من خلال إجراء الاختبارات والتّمارين الداعمة الّتى تساعدهم على تركيز المنهج، وتثبيت بالإضافة إلى تقديم التغذية والرماجعة المستمرة، والمتوفّرة للطلاب بشكل دائم.
وأضافت: أصبح بإمكان الطلاب تطوير مهاراتهم، والاعتماد على التّعلّم الفردى، وتقييم قدراتهم بشكلٍ مباشر، يمكّنهم من توفير الوقت والجهد وتطوير الذّات معتمدين على أنفسهم، ما يكسبهم مهارة تقييم الذّات بشكلٍ أفضل، ممن يعتمدون على أساليب التّقييم والتقليدية، مما يزيد من تحفيز الطلاب، وجعلهم يقبلون على التّعلّم بشغف ومتعة، ويسيرون على طريق التميز، وينمى إبداعهم  وتابعت قائلا:  يمكن أن يفيد الذّكاء الاصطناعى فى أتمتة المهمات الإدارية، كوضع الدّرجات والتّقييمات وهذا يخفّف العبء المترتّب ما على المعلم، ويجعله يستغل وقته وطاقته لرفد العملية التعليمية .
وبينت السعيد، أنه وسط هذه الإيجابيات الّتى يضيفها  الذكاء الاصطناعى لعالم التّعليم، هناك آثار سلبيّة لا يمكن غضّ الطّرف عنها، إذ إنّ استخدام الذّكاء الاصطناعى من قبل المعلم، والمتعلم يمكن أن يحد من النّشاط البشرى، ويقلّل من التّفاعل النّشط للمعلّم والمتعلّم، مما يؤدى إلى  انخفاض المهارات بين الطلاب، ويؤثّر سلبا على الاندماج ين الطلاب والمعلمين، ويضعف روابط الألفة والتّواصل البناء بينهم، وهو العامل الأهم الذى يدفع عجلة العملية التعليمية نحو الأمام، ويبث الحياة فيها، كما أن الاعتماد على الذّكاء الاصطناعى على حد قولها قد يفقد العملية التعليمية روحها يبرمج المعلّم والمتعلّم على آلية العمل الفردى بعيداً عن الاندماج بالآخر والتّعاون معه، ونحن نسعى لتعميق التّواصل الإنسانى لا قطعها .
وطالبت بضرورة حماية الواقع التّعليمى، وتثقيف المعلّم والمتعلّم، ليكون أكثر وعياً فى استخدامه للذّكاء الاصطناعى، بما يتناسب مع ثقافتنا ومبادئنا الهادفة الّتى لا نحيد عنها، انطلاقاً من كون مجال التّعليم، هو المجال الأهمّ والمصنع، الّذى يُعِدّ لنا أجيال الغد عدّة الأمّة وعتادها.
بيئة أكثر شمولاً
هذا التحول إلى أدوات الذكاء الاصطناعى، لا يحسن فقط النتائج التعليمية، ويجهز الطلاب للنجاح فى القرن الحادى والعشرين، بل إنه يحدث ثورة فى الفصول الدراسية لخلق بيئة أكثر شمولا وجاذبية، تلبى احتياجات المتعلمين المتنوعة.
 وفى هذا السياق، أوضحت مؤسسة «الألسكو» أنه، وعلى الرغم من الدعاية غير المدفوعة التى حظى بها الذكاء الاصطناعى، لا يزال استخدامه فى مراحله الأولى، وهناك إمكانات كبيرة لتطويره فى المستقبل، إذ يعد الاعتماد عليه أحد مجالات النمو المحتمل لتطوير خبرات تعلم تفاعلية، مثل الواقع الافتراضى والواقع المعزز وهو ما يعنى  أن استخدامه وأدواته الرقمية، دون أن تحل مكان العنصر البشرى، بل على العكس دمج التكنولوجيا مع التعليم التقليدى يخلق بيئة تعليمية أكثر مرونة، يتمكن فيها المعلمون من تخصيص المحتوى وتحليل أداء الطلاب بشكل فاعل، وتعزيز مهاراتهم الاجتماعية وقدرتهم على التفكير النقدى والابتكار.
عدو التعليم
فى مقابل  هذه الفوائد المحتمَلة لاستخدام الذكاء الاصطناعيّ فى التعليم، هناك بعض العيوب، التى تتمثل وفقا لدراسة صادرة عن  مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء المصرى عن التعليم والذكاء الاصطناعى كشفت فيها عن أنه من المحتمل أن يصبح  عدوا للتعليم إذا تم الاعتماد عليه بشكل مفرط، حيث يمكن أن يؤدى إلى فقدان التواصل الإنسانى بين المعلمين والطلاب الذى يؤثر بدوره سلباً على مهارات التواصل الاجتماعى ويحد من قدرة الطالب على حل المشكلات، من جهة أخرى يعزز من الفجوة الرقمية بين الطلاب الذين يمتلكون وصولاً أفضل للتكنولوجيا وغيرهم. كذلك يمكن القول إن الذكاء الاصطناعى يزيد من الإدمان على الأجهزة الرقمية الذى قد يؤثر على الصحة العقلية والجسدية للطلاب، كذلك يقلل  من التفاعل المباشر بين المعلمين والطلاب وبين الطلاب أنفسهم، وهو ما يؤثر على تطور مهارات الطالب فى التواصل والتفاعل والتعاون.
التحول الرقمى
 يرى الدكتور محمد حسن أحمد، كلية الإعلام وتكنولوجيا المعلومات بجامعة فلسطين، أن التعليم  يتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بالتحول الرقمى الشامل، وهو ما يشكّل فى الوقت ذاته فرصةً للتطوير وتحديًا جوهريًا أمام المؤسسات التعليمية، ومن أشكال الدعم التى يقدمها الذكاء الاصطناعى للتعليم  مما يتيح للمحاضر التركيز على الجوانب الفكرية والإبداعية، ويفتح المجال أمام تطبيقات الإعلام الرقمى فى التعليم مثل إنتاج المحتوى الذكي، وتحليل البيانات الاتصالية، وبناء إستراتيجيات تواصل فعّالة داخل الصفوف الافتراضية.
وكشف عن أن أهم التهديدات والتحديات فتتمثل بخطر فقدان البعد الإنسانى فى العملية التعليمية إذا تم الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية، مع احتمالية تراجع مهارات التفكير النقدى والإبداعى لدى الطلبة نتيجة تسهيل الوصول إلى الإجابات الجاهزة، وتصاعد مشكلات الانتحال والمحتوى المولّد آليًا دون وعى نقدى كاف.
دور المعلم
يعزز تبنى التقنيات الناشئة فى التعليم، خصوصا الذكاء الاصطناعي، من إمكانات تغيير أساليب التدريس، وتخصيص تجارب التعلم، وتبسيط العمليات الإدارية. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعى يمكنه التفوق فى مهام مثل تقديم محتوى متنوع وتحمل الكثير من الأعباء الإدارية، فإن عملية التعلم المعقدة تتطلب أكثر من مجرد نشر المعلومات، لذلك، يجب أن يكون دور الذكاء الاصطناعى تعزيز دور المعلم وليس استبداله.وذلك كما ورد فى دراسة  للباحثة  نشوى رفعت عن توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى العملية التعليمية، أشارت من خلالها إلى أنه يمكن للذكاء الاصطناعى أن يوسع نطاق الأنظمة التعليمية المستقبلية، ويعزز فاعليتها فى إعداد الطالب للمستقبل، ومع ذلك، فهناك تحديات ومخاطر تواجه كلًّا من المعلمين والمتعلمين، ويجب معالجتها للتغلب عليها وتحقيق وعود التكنولوجيا التعليمية فمن خلال تحرير المعلمين من المهام الروتينية، يمكن للذكاء الاصطناعى تمكينهم من التركيز على بناء العلاقات، وفهم احتياجات الطلاب الفردية، وتعزيز التحفيز، وهذه الشراكة بين الذكاء الاصطناعى والمعلمين لا تعزز فاعلية التعليم فقط، بل تؤكد أيضًا على أهمية العنصر البشرى فى التعليم.
وذكرت الدراسة أن من أهم التحديات تلك المتعلقة بسرية البيانات وحماية خصوصيتها، حيث يتضمن استخدام الذكاء الاصطناعى جمع وتحليل بيانات حساسة بواسطة محركاته، مثل: الأداء الأكاديمى للطلاب، وعادات التعلم، والمعلومات الشخصية، ويصبح هنا، من الضرورى أن تضع المؤسسات التعليمية سياسات خصوصية وبروتوكولات أمان صارمة لحماية بيانات الطلاب والمعلمين، وذلك لضمان سريتها ومنع الاستخدام الاحتيالى لها.
صناعة المحتوى
ومن جهته، أشار الدكتور خالد السحاتى، الخبير التربوى بدولة ليبيا، إلى أن  الذكاء الاصطناعى أصبح يستخدم بشكل واسع فى مجالات التعليم المختلفة، فهو يعزز من وسائل الإيضاح المتعددة، ويساهم فى صناعة محتوى علمى تفاعُلى رصين، يوضح ويبسط العلوم المختلفة، فى كل المراحل الدراسية، كذلك يقدم الذكاء الاصطناعى حلولا علمية مبتكرة، تساعد فى تحسين وتطوير البيئة التعليمية فى المدارس والجامعات، ومن ذلك مثلا:  استخدام التكنولوجيا والأنظمة الذكية لتنفيذ المهام والعمليات تلقائياً بأقل تدخل بشري، لتحقيق سرعة ودقة أعلى، وتقليل الأخطاء والتكاليف، وهى تشمل مجالات واسعة كالصناعة وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الإدارية، وفى مجال التعليم تتضمن إدارة التسجيل، وإعداد المنظومات الدراسية الذكية، وتصحيح الاختبارات آليا.
وبين أن هناك جوانب سلبية للذكاء الاصطناعى فى التعليم، منها الهجمات السيبرانية، اختراق المنظومات الدراسية، وتسريب الامتحانات، وغير ذلك، ناهيك عن التأثيرات السلبية على الأداء العلمى لبعض الطلاب فى مراحل دراسية مختلفة، بسبب اعتمادهم شبه الكامل على تطبيقات هذا الذكاء فى أداء واجباتهم، وحلول التدريبات، بل فى كتابة البحوث والدراسات، التى يكلفون بها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام