وجوه عبر الزمن



‫فريد عبد الكريم.. نقاء السياسة فى زمن التلوث (1 من 3)‬

22-1-2026 | 02:59
إلهامى المليجى

ثمة أسماء لا تحتاج إلى صخب كى تُرى، ولا إلى منابر كى تُسمَع.
تسير فى الذاكرة كما يسير الضوء فى الغرفة: لا يفرض نفسه، لكنه يكشف كل شيء. فريد عبد الكريم من هذا الطراز النادر من الرجال. ليس لأنه كان سياسيًا ناجحًا بالمعنى الشائع للكلمة، بل لأنه كان سياسيًا نقيًا فى زمن صار فيه النقاء عبئًا، والمبدأ تهمة، والاستقامة ضربًا من السذاجة.
فى عالمٍ تُقاس فيه القيمة بقدرة المرء على المناورة، لا بقدرته على الثبات؛ وتُقاس فيه الكفاءة بحجم ما يستطيع أن يساوم عليه، لا بحجم ما يرفض التفريط فيه؛ يبدو فريد عبد الكريم كأنه قادم من زمن آخر… زمن كانت فيه السياسة امتدادًا للأخلاق، لا بديلًا عنها.
لم يكن خطيبًا شعبويًا، ولا زعيمًا استعراضيًا، ولا صاحب صوت عالٍ فى ساحات الإعلام.
كان رجل تنظيم وفكرة، ورجل صبر لا رجل ضجيج، ورجل مبدأ لا رجل فرصة.
أسّس الحزب الاشتراكى الناصرى، ثم الحزب العربى الديمقراطى الناصرى، لا بوصفهما منصتين للسلطة، بل كمساحتين أخلاقيتين داخل حقل سياسى يتآكل، كأنه كان يبحث - فى قلب المعترك - عن مكان صغير نظيف يمكن للسياسة أن تتنفس فيه.
لم يكن طامحًا إلى حكم، ولا ساعيًا إلى منصب، ولا مهووسًا بالواجهة.
كان مأخوذًا بسؤال بسيط فى لغته، عميق فى معناه: كيف يمكن أن تكون ناصريًا بعد عبد الناصر، دون أن تتحوّل إلى نسخة باهتة؟
كيف يمكن أن تكون وفيًّا لفكرة العدالة الاجتماعية دون أن تدخل بازار الشعارات؟
وكيف يمكن أن تحمى المعنى حين تفسد الأدوات؟
لهذا بدا، طوال مسيرته، كأنه يقف خطوة واحدة خارج الزمن السائد: قريب بما يكفى ليؤثر، وبعيد بما يكفى ليبقى نظيفًا.
لم يكن معصومًا، ولا منزَّهًا عن الخطأ، لكنه كان - فى الحد الأدنى - منزَّهًا عن الدناءة.
وكان هذا وحده كافيًا ليصير استثناءً.
هذه ليست سيرة رجل بقدر ما هى سيرة موقف.
ولا حكاية حزب بقدر ما هى حكاية محاولة لإنقاذ السياسة من نفسها.
ومن هنا نبدأ.
 
المشهد الأول: الاسم الذى سبق اللقاء
كان اسم فريد عبد الكريم يسبق الرجل بسنوات طويلة.
كان اسمًا لامعًا على مستوى مصر، يتردّد فى الصحف، وفى بيانات التنظيمات، وفى أحاديث النخب السياسية، ثم - على نحو خاص - فى قريتنا الصغيرة.
هو من قرية كفر أبو ذكرى، التى لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن قريتنا.
وفى أواخر الستينيات، وأنا فتى أتابع - بشغف مرتبك - نشاطات الاتحاد الاشتراكى، كان اسمه يمرّ أمامى كعنوان لشيء أكبر من الأشخاص: عنوان لصلابة نادرة، ولموقف لا يلين.
ثم جاءت لحظة الاعتقال، على إثر ما سُمّى بثورة 15 مايو 1971 - أو «انقلاب 15 مايو» كما كان يصرّ كثيرون على تسميته - وكان السادات قد بدأ بها إعادة ترتيب المجال السياسى على نحو قاسٍ وحاسم.
فى تلك السنوات، سمعت اسمه يتردّد على لسان الراحل ميشيل كامل، ممثل الحزب الشيوعى فى الخارج، أثناء لقائه مع إبراهيم قليلات، رئيس حركة الناصريين المستقلين “المرابطون”.
قال ميشيل كامل - وما زالت الجملة عالقة فى ذاكرتى - إن أكثر المعتقلين ثباتًا وقوة فى السجون المصرية هو فريد عبد الكريم، وإنه حتى حين اشتد عليه المرض، مرض تآكل الأطراف، وطُلب منه أن يقدّم التماسًا صحيًا إلى السادات للعلاج، رفض بشدة.
رفض لا لأنه لا يحتاج العلاج، بل لأنه لا يعترف بشرعية سلطة جاءت - فى نظره - عبر انقلاب على يوليو، وعلى مشروعها، وعلى معناها.
يومها شعرتُ بفخر شخصى غريب، وأخبرت ميشيل كامل بعد خروجنا من عند قليلات أن فريد عبد الكريم «بلدياتى» - أو بالأحرى من قرية تبعد بضعة كيلومترات عن قريتنا.
كأن الجغرافيا صارت فجأة أخلاقًا.
فى منتصف الثمانينيات، التقيته للمرة الأولى فى دمشق، ضمن وفد مصرى من أحزاب المعارضة.
قدّمنى إليه الراحل أحمد مجاهد، وحين عرف اسمى سألني:
أنت من عائلة المليجى بالبجلات؟
وحين أكدت، احتضننى وقال: نحن «نسايب».
ولم أفهم.
قال لى بهدوء شديد، كأنه يذكر أمرًا عاديًا لا فاجعة فيه:
إن إبراهيم المليجى كان قد عقد قرانه على ابنة عمى - وهى ابنة شقيقة الوزير أحمد عبده الشرباصي.
ثم سكت.
وأنا لم أسأله.
لكن الاسم وحده فتح فى ذاكرتى بابًا قديمًا.
كنت أذكر - من أحاديث بعيدة فى العائلة - أنها توفيت ليلة الدخلة، فى ظروف لم تتضح يومًا، وبقيت معلّقة فى الذاكرة كحزن بلا تفسير.
كانت هناك همسات، لا أكثر...
تأويلات ناقصة، حكايات غير مكتملة، تتردّد ثم تخفت، ولا تستقر على رواية، ولا تُمسك بمعنى.
ولذلك لم أقل له شيئًا.
لم يكن المقام مقام ظنون، ولا الزمن زمن أسئلة.
المفارقة فقط - تلك التى لا يصنعها أحد - أن عمى إبراهيم المليجى تزوّج بعد ذلك من البجلات شقيقة الدكتور أحمد الشرباصى، الأستاذ المعروف بجامعة الأزهر، ورئيس لجنة الفتوى الأسبق.
هكذا، عبر المصادفة وحدها، تشابكت السياسة بالقرابة، والتاريخ العائلى بالتاريخ العام، والخاص بالعام، دون أن يقصد أحد هذا التشابك، ودون أن يملك أحد القدرة على فكه.
فى دمشق حضرت لقاءات الوفد المصرى مع الرئيس حافظ الأسد، ومع القيادات السورية والفلسطينية المقيمة هناك، واكتشفت فيه ما لم تكن تصنعه الصورة العامة وحدها:
ثقافة عميقة، رؤية قومية ووطنية صلبة، اعتداد بالنفس أمام كبار المسئولين، وبساطة شديدة مع الناس.
لا يتصنّع الوقار، ولا يستعرض المعرفة، ولا يرفع صوته ليؤكد حضوره.
كان حضوره طبيعيًا، كثيفًا، وهادئًا فى آن.
منذ ذلك اللقاء تعمّقت علاقتنا، واستمر التواصل بيننا.
وحين عدت إلى مصر فى أواخر الثمانينيات، كنت أحرص على زيارته المتكررة فى مكتبه بوسط القاهرة، لا بوصفه زعيمًا حزبيًا، بل بوصفه أحد أولئك القلائل الذين يمكن أن تجلس معهم، فتتذكر لماذا دخلت السياسة أصلًا.
 
من السيرة إلى السؤال
لم يكن فريد عبد الكريم - كما عرفته - رجل لحظة، بل رجل مسار.
لا تُختصر صورته فى اعتقال، ولا فى موقف، ولا فى حزب، بل فى ذلك الخيط الخفى الذى ظلّ يشدّ كل هذه التفاصيل إلى معنى واحد: أن تبقى وفيًّا لما تعتقده حقًا، حتى حين يصبح الوفاء عبئًا.
من الاسم الذى سبق اللقاء، إلى اللقاء الذى عمّق المعنى، إلى الصداقة التى كشفت الجوهر، يتكوّن أمامنا رجل لم يتعامل مع السياسة بوصفها مهنة، بل بوصفها اختبارًا يوميًا للأخلاق.
 الخاتمة من هنا، لا ننتقل فى القسم التالى إلى مرحلة جديدة من حياته فحسب، بل إلى امتحان جديد للفكرة نفسها… فى الواقع، لا فى الذاكرة:
كيف يحاول رجل مثل فريد عبد الكريم أن يحمى المعنى حين يدخل المعترك، وأن ينقذ السياسة من نفسها وهو فى قلبها؟
هذا ما نحاول أن نقرأه فى القسم الثانى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام