ثقافة



مى التلمسانى: رواياتى إعادة تشكيل للواقع‬

26-1-2026 | 19:29
حوار أجراه - السيد حسين‬

اختياراتى الفنية قائمة على طموح التجديد فى الكتابة
إدوار الخراط كاتب مغامر يهوى الألعاب الكتابة 
أصبحت هوية فأقدم نفسى كاتبة لا أكاديمية
أحب أن أدهش نفسى أولا قبل إدهاش القارئ
أهتم بالمكان فى كل ما أكتب وهى علاقة لم تنشأ من تجربة الهجرة
السفر ضرورة حتمية تثرى الكتابة بأشكال تتجاوز الحدود
 
تُعد مى التلمسانى، واحدة من أبرز الأصوات الأدبية فى مصر والعالم العربى، إذ تنتمى إلى جيل التسعينيات، الذى أسهم فى تجديد الكتابة السردية، وتوسيع آفاقها الجمالية والفكرية، ولدت التلمسانى فى القاهرة فى يوليو عام 1965، وشقت مسيرتها بين الإبداع الأكاديمى والكتابة الأدبية، حيث تعمل أستاذة للدراسات العربية والسينمائية بجامعة أوتاوا فى كندا.
قدمت التلمسانى للمكتبة العربية أربع روايات، هي: «دنيا زاد»، «هليوبوليس»، «أكابيللا»، و«الكل يقول أحبك»، إلى جانب كتاب «للجنة سور (يوميات)»، وثلاث مجموعات قصصية، واستطاعت روايتها «دنيا زاد» أن تحقق صدى واسعا، لما تنطوى عليه من معالجة إنسانية عميقة لتجربتى الأمومة والفقد، وهو ما توج بحصولها على جائزة الدولة التشجيعية فى مصر، كما ترجمت الرواية إلى ثمانى لغات، ونالت عنها أيضا جائزة «آرت مار» من جنوب فرنسا.
 ‪ ‬‫  
إلى جانب منجزها الروائى، تكتب مى التلمسانى القصة القصيرة والنقد الثقافى، ومن مجموعاتها القصصية: «نحت متكرر»، «خيانات ذهنية»، و«عين سحرية»، كما أن لها إسهامات أكاديمية بارزة فى مجالات النقد الثقافى والسينمائى، ترجمت من الفرنسية إلى العربية، من بينها: «السينما العربية من الخليج إلى المحيط»، و«فؤاد التهامى وزهرة المستحيل»، و«لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكى»، و«المدارس الجمالية الكبرى» وقد نالت فى عام 2021 وسام الفنون والآداب الفرنسى بمرتبة «فارس»، تقديرًا لإسهاماتها فى مجالات الثقافة والفنون والآداب.
تقيم مى التلمسانى فى كندا، منذ أواخر الثمانينيات، حيث تواصل نشاطها الأكاديمى والثقافى، وتدرس تاريخ السينما العالمية لطلاب قسم السينما فى جامعة مونتريال، فى تجربة تجمع بين البحث والمعرفة والإبداع وإلى الحوار:
< الكتابة عملية شاقة وكذلك الأمومة.. كيف استطعت التوفيق بين الاثنتين فى ظل عملك أيضا  دكتورة فى الجامعة وكاتبة؟
بأشكال متنوعة، ولأنى كاتبة فإننى أيضًا أمارس القراءة وأمارس النقد وأمارس الترجمة، وكلها أشكال وممارسات لها علاقة بالكتابة، وبعملى بصفة عامة، سواء ككاتبة روائية، أم كباحثة أكاديمية أم كمترجمة إلى آخره، وكل هذه الأنشطة والممارسات، هى تستغرق جزءًا كبيرًا من وقتى بطبيعة الحال، ولكن فى نفس التوقيت الذى بدأت فيه الكتابة والترجمة والبحث الأكاديمى، صرت أيضًا أُمًا، وكان من الضرورى بطبيعة الحال، أن أخصص وقتًا واهتمامًا ورعاية، وجزءًا كبيرًا من الطاقة النفسية، بالإضافة للطاقة الجسمانية أيضًا لتربية الولدين، أنا لدى ابنان، وبين الابن والآخر خمس سنوات، يفصل بينهما خمس سنوات، فربما تكون الفترة الأولى فى حياتنا معًا وفى ممارستى لدورى كأم، الفترة الأولى حتى بلغ الصغير عشر سنوات، والكبير نحو 15 عاما، فى هذه الفترة أتصور أننى كنت أخصص نصف الوقت تقريبًا لأولادى.
كلما كبرت فى السن، وتقدم العمر أصبحت أشعر أنهما مستقلان إلى حد كبير عنى كأم، يستطيعان رعاية أنفسهما بأشكال، ربما ليست رعاية كاملة، لكن بأشكال يعنى إيه ممكن أثق فى أنهما يعنى سيجيدان ممارستها، شجعت فيهما هذا الإحساس بالاستقلال، وبعد ذلك بعدة سنوات وهم، وهما على مشارف السن يعنى قبل بلوغ العشرين حتى، غادرا منزل أو بيت العائلة، واستقر كل منهما فى مدينة بعيدة عن مدينة السكن أو مدينة إقامتى، أحدهما ذهب إلى أوروبا فى قارة غير القارة، والآخر انتقل إلى مدينة أخرى، تبعد نحو خمس ساعات بالقطار. فأصبحت هناك علاقة أمومة مختلفة، عن العلاقة التى كنت أشعر بها عندما كان يسكنان فى نفس المكان، وفى نفس البيت وفى نفس المدينة إلى آخره، ولكنها تجارب كلها تخص الهجرة والمهاجرين، وأعتقد أننى لست استثناءً فى هذا، لكن بطبيعة الحال تظل الأمومة، ذلك الوتر المشدود بين الأم، وبين ابنين هما فى نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من حياتها اليومية. وعادةً أشعر، وكأن التوفيق بين الكتابة الإبداعية، وبين الأمومة لم يكن عسيرًا، لأننى كنت فى المقام الأول، أقيم وزنًا أكبر لدورى كأم عن دورى ككاتبة، حتى انفصلا تمامًا عنى، وأقاما فى يعنى مدن مختلفة، فأصبح الوقت متاحًا يمكن بصفة عامة للممارسات الإبداعية وكذا.
وربما كلمة أخيرة، أعتقد أننى أرفض حتى التصور الدارج، أو السائد عن أن الكتابة هى شكل من أشكال الأمومة، وكأننا نلد أو نخلق كتبًا وروايات وأعمالًا إبداعية، وأعمالًا أكاديمية إلى آخره بحثية، أعتقد أننى أرفض تمامًا مثل هذه الاستعارات البالية، وأجد أن عملية الإبداع، وعملية الخلق لا علاقة لها على الإطلاق بفكرة الأمومة، خصوصا لمن مارس مشاعر الأمومة، ويعرف جيدًا كيف تنبنى العلاقة بين الأم وأبنائها.
 
< كيف تكتبين أعمالك، هل تتحكم الرواية بتفاصيلها بك؟
حتى اليوم، أردت بوعى تام وكامل، أن أخالف التسلسل الزمنى المتفق عليه بين الماضى والحاضر والمستقبل، على سبيل المثال، أو تسلسل الأحداث بشكل زمنى، من بداية لوسط لنهاية، وفضلت أن أخلط بين الأزمنة، بحيث يكون التسلسل قائمًا على فكرة التسلسل النفسى، يعنى أو الشعورى، فترتبط الأزمنة ببعضها البعض على اختلافها، لأن بينها علاقات شعورية، وتصبح الحالة النفسية أو الحالة الشعورية، التى أريد أن أوصلها للقارئ، هى العامل المسيطر على بنية النص.
فى بعض الأحيان، يصبح انعدام التسلسل الزمنى السائد، أو المتفق عليه أو الخطى، ما يسمى بالتسلسل الخطى، يكون عائقًا أمام بعض القراء فى القراءة، لأن تلك الانتقالات الزمنية بين ماضٍ وحاضر، استخدام الفلاش باك على سبيل المثال، قد تزعج بعض القراء، لكن فى اعتقادى أن ذلك الاختيار الفنى بالأساس يسمح لى ككاتبة، بالتجريب على مستويات أخرى من الكتابة.
وعلى سبيل المثال تشكيل المشهد، تشكيل المشهد سينمائيًا، تعودنا فى السينما على إدراك أهمية الفلاش باك على سبيل المثال، وفى بعض الأحيان هناك ما نسميه بالفلاش فورورد، فورورد يعنى للأمام، يعنى استشراف مستقبل ما أو تصور مستقبل ما، ما قد يحدث فى المستقبل والجمع بين كل تلك الأزمنة فى مشهد واحد، يجعلها أقرب للمشهدية السينمائية، المشهدية التشكيلية، وهذا النوع من التجريب فى الكتابة يستهوينى بشدة، ولذلك أعتقد أن القارئ الذى تعود على قراءة الأدب والذى يدرك تمامًا تلك الألعاب التى يمارسها الكتاب فى علاقتهم بالزمن، هذا القارئ قادر على الاستمتاع، بما أكتب لهذا السبب تحديدًا، لأنه يدرك حجم التجريب، يدرك حجم المجازفة أو المخاطرة فى بعض الأحيان بثبات المعنى، بأن المعنى ثابت أو المعنى واضح، أو المعنى يصل بسهولة للقارئ، بل يشارك القارئ فى صنع هذا المعنى، لأنه يضطر للتعامل مع الزمن بالمنطق الذى أتعامل به مع الزمن، وهو زمن شعورى، زمن عاطفى، مرتبط بالحلم بالذاكرة، وفيه تختلط أزمنة مختلفة وعصور مختلفة فى بعض الأحيان، مما يستدعى جهدًا أكبر من جانب القارئ، لفهم ما يحدث فى الرواية، وتلك الاختيارات الفنية هى بالأساس اختيارات يعنى قائمة على طموح التجريب على طموح التجديد فى الكتابة، وبالطبع أتمنى أن تصل للقارئ كما كتبتها.
 
< فى «صدى يوم أخير» يرى البعض التجربة الثنائية، ويصفها بأنها «شكل من أشكال الكتابة التفاعلية التى بدأت بالانتشار على الإنترنت»، حيث «جاءت بلا خطة مسبقة وبلا سقف للتوقعات» وفق قولك ما الذى شجعك على ذلك؟
فى الرواية المشتركة مع إدوار الخراط كان الهم الأساسى، وقد كتبت منذ نحو 20 عاما، هو أن نخوض تجربة الكتابة بيدين، كما أشرت فى مقدمة الرواية، وتجربة الكتابة بيدين تسمح بذلك التفاعل الخاص جدا، بين كاتب من جيل إدوار الخراط وبين كاتبة من جيلى، فى تلك الفترة كنت أيضا أعانى من نوع من أنواع سندروم الصفحة البيضاء، وكانت بضع عدد من السنوات، لا أستطيع فيها أن أدخل فى مشروع رواية جديدة.
فأتاحت لى تلك الفرصة، التفاعل مع كاتب كبير بحجم وقيمة إدوار الخراط، وأن أخوض معه المغامرة أيضا، لأن إدوار الخراط كاتب مغامر وكاتب يهوى الألعاب، التى تتجاوز الأنواع الأدبية المتعارف عليها، لديه على سبيل المثال بعض المجموعات القصصية، التى يطلق عليها نزوات روائية، فأعتقد أننا كنا على نفس الموجة، وأدركنا أننا بممارسة هذه الكتابة، هو يكتب فصلا وأنا أكتب فصلا للرد عليه، نمارس شكلا من أشكال التجريب فى الأدب.
وقد يكون نزوة أيضا بمنطق إدوار الخراط، وقد يكون أيضا وسيلة لتجاوز أو للحفر فى تجليات أو أشكال جديدة للكتابة الفنية، ليست مطروقة بالضرورة، أو ليست منتشرة، وإن كنا لسنا أول من يمارس الكتابة الإبداعية باللغة العربية أو بلغات أجنبية، ولكن هى كانت مغامرة فى حد ذاتها، وبالطبع أقرب لفكرة التفاعل، على الرغم من أننا لم نلتقِ، ولم نعلق على ما كتبنا، وكنت أكتب وأنا فى كندا، وكان هو يكتب وهو فى مصر، ونتبادل الفصول عن طريق الفاكس آنذاك، فبالطبع كانت تجربة جميلة فى حد ذاتها، وكانت مغامرة تستحق أن نخوضها معا، وأشعر حتى بالامتنان لإدوار الخراط، لأنه أتاح لى هذه الفرصة، وهو بالأساس من اختارنى لأن أخوض المغامرة معه.
 
< هل يمكن اعتبار عنوان الرواية مرثية للكاتب الراحل وتقديرًا منك لصداقتك معه؟
بالتأكيد، صدى يوم أخير، جملة وردت فى أحد فصول الرواية كتبها إدوار، حين أعدت قراءة الرواية بهدف النشر، لم أقم بأى تعديل يخص نص إدوار، لكنى راجعت فصول الرواية التى كتبتها، وأجريت عليها بعض التعديلات، التعديل الوحيد الذى أجريته كان يخص العنوان، وقد تبدل وتغير عدة مرات أثناء الكتابة والنشر فى مجلة سيدتى، صدى يوم أخير يتردد فى ذاكرتى عن لقاءات باتت مستحيلة منذ رحيله، وربما صدى يوم كتابة أخير، تحية لهذه الصداقة التى امتدت بيننا، ودخلت حيز الشعور بالانتماء لعائلة بأكملها، وكأنى ابنته بمعنى من المعاني. تهمنى تلك المشاعر وتؤثر فى علاقتى بالآخرين، وإدوار لم يضن علىّ يوما بالمحبة والونس والدعم والنصح.
 
< الكتابة الثنائية فى العالم العربى قليلة جدًا وقد تكون غير ناجحة باستثناء رواية «عالم بلا خرائط» لعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، فما الذى جعلك تقبلين على هذه التجربة؟
اختيار إدوار لى كما أبلغتنى هاديا سعيد حين عرضت على المشروع، كان الحافز الأساسى للقبول، ولم أكن قد قرأت حينها تجربة الكتابة المشتركة بين منيف وجبرا، لكنى أعرف فى فن الموسيقى مقطوعات كتبها كبار الموسيقيين للبيانو، يعزفها عازفان على بيانو واحد، أو على آلتين منفصلتين، كما قرأت أعمال الفيلسوف الفرنسى جيل دولوز، الذى شارك فيليكس جتارى كتابة عدد مهم من الكتب الفلسفية، وهذا كان بالنسبة لى حافز مهم لقبول الدعوة، سبب آخر شخصى، هو شعورى بالعجز عن الكتابة بعد الهجرة، صارحت العزيز إدوار بهذا الشعور فى لقاءات عديدة، وربما تكون الفكرة قد راودته لخوض التجربة معى، وكأننا كاتبان يتكئ أحدهما على الآخر  درءا لخطر “الصفحة البيضاء”. 
 
< فى روايتك «الكل يقول أحبك» يحضر المكان بقوة، ويصبح بمقام الشخصية الفاعلة، أى أنه مكون أساسى لا يمكن إسقاطه وإلا اختل العمل، لماذا؟
فى رواية الكل يقول أحبك، المكان بالطبع يقوم بدور رئيسى وإن كان دور المكان يتراجع فى خلفية المشهد أكثر منه فى مقدمة المشهد، خصوصا أن الأمكنة التى تدور فيها أحداث الرواية تتكون من نوعين، هناك نوعان من الأمكنة، النوع الأول هو مكان الترانزيت، المكان الذى يسمح بالانتقال من مكان إلى مكان، فأحداث كثيرة من الرواية تبدأ فى قطار أو تبدأ فى محطة أو مطار أو تبدأ فى محطة باصات، أو تحدث بعضها أيضا من داخل القطار أو من داخل الطائرة، وهذا نوع من الأمكنة الذى يعد مكانا بين بينين، هو مكان للوصل وليس مكانا للاستقرار، هو مكان للحركة وليس مكانا للاستقرار، أما النوع الآخر من الأمكنة، فهو المدن التى يعيش فيها أو تعيش فيها شخصيات الرواية، والرواية قائمة على فكرة أن على عدد من الشخصيات الروائية كل هذه الشخصيات شخصيات من الأزواج. والفكرة الرئيسية، هى أن كل زوج أو زوجة يعمل فى مدينة تبعد عن مدينة الآخر بعدة ساعات من السفر، فقضية الرواية الرئيسية هى طبعا الحب عن بعد، والسؤال الرئيسى ما الذى يحدث للزوجين حين يعمل كل واحد منهما فى بلد غير البلد التى يقيم فيها الآخر؟
وذلك النوع من الأمكنة، ومعظم المدن التى تحدثت عنها، هى مدن إما كندية أو مدناً أمريكية، تعطينا فكرة وجيزة عن نمط الحياة فى أمريكا أو فى أمريكا الشمالية، القارة سواء فى كندا أم فى الولايات المتحدة. وتعطينا أيضا تصورا قد لا يكون حاضرا، فى ذهن القارئ العربى عن مشقة السفر، عن فكرة أن من داخل الهجرة وكل الشخصيات، هم عرب من أصول عربية أو لهم أب وأم عربيان، إنه من داخل الهجرة ثمة هجرة أخرى، فمن هنا يأتى تعقيد مستويات الحركة فى هذه الرواية بين الأمكنة، ومعظم الشخصيات إما على سفر، إما على أهبة الاستعداد للسفر، فهناك دائما تلك الحركة المستمرة، بين مدن كثيرة، ولكن من داخل تلك الهجرة التى قام بها هؤلاء العرب، كمهاجرين إلى كندا أو إلى أمريكا بسبب ظروف العمل، تضطرهم هذه الظروف أيضا للهجرة من داخل الهجرة بمعنى الانتقال من المدن، التى استقروا فيها لزمن والتى وصلوا إليها كمهاجرين لمدن أخرى، تبعد عنها آلاف الكيلومترات فى بعض الأحيان بهدف العمل، لذلك أجد أن للمكان دورا مهما فى الرواية ولكن ذلك الدور الذى يتسلل فى خبايا الرواية، ولا يبرز باعتباره الشخصية الرئيسية فى الرواية، هو المكان هو الذى يحفزنا على فهم طبيعة حياة الشخصيات فى المهجر، وطبيعة علاقتهم بأوطانهم الأم وطبيعة الحركة التى يضطرون إليها كمهاجرين.
 
< أين يبدأ الخيال؟ وأين ينتهى الواقع فى أعمالك الروائية؟ كيف تعيشين مخاض الكتابة والإبداع؟
لا أعتقد أن الخيال منفصل عن الواقع، الواقع نفسه قائم على الخيال والخيال جزء لا يتجزأ منه، لأن الخيال خيال إنسانى، فإذا لم يوجد الإنسان فى الواقع فإذن الخيال نفسه لا يوجد فى الواقع، ولكن الإنسان موجود فى الواقع، فبالتالى الخيال أيضا موجود فى الواقع، لكن الخيال هو شكل من أشكال إعادة تشكيل وترتيب، وتنظيم هذا الواقع، وبالخيال نتصور الواقع، بالخيال ننتج بعض التصورات عن هذا الواقع وننظمها بأشكال وبنيات معينة، هى التى تؤدى فى النهاية إلى كتابة القصة، أو إلى كتابة الرواية إلى آخره، وبالتالى لا أرى انفصالا بين الاثنين ومعظم رواياتى، هى فى الحقيقة إعادة تشكيل لهذا الواقع.
وسواء إذا قلنا على سبيل المثال رواية مثل هليوبوليس وهى رواية تتحدث عن حى مصر الجديدة بالقاهرة فى فترة السبعينيات، وتتحدث عن واقع هذا الحى وسكان هذا الحى فى تلك الفترة الزمنية تحديدا، من وجهة نظر طفلة صغيرة فى بداية الرواية، يكون عمرها خمس سنوات وفى نهاية الرواية تكون فى سن الخامسة عشرة، إذن هو إعادة تركيب لواقع الحى ولواقع الطبقة المتوسطة فى هذا الحى، من وجهة نظر محددة، هل وجهة النظر مبنية على مشاهدات وذكريات تخصنى أنا شخصيا؟ بالطبع ثمة علاقة بين حياتى الشخصية فى حى مصر الجديدة، ومولدى فى هذا الحى وبين الرواية، ولكن فى نهاية الأمر حين كتبت هذه الرواية فى سنة 2000 تشكل خيالى، بشكل مختلف عن خيالى وأنا طفلة فى الخامسة أو فى العاشرة من العمر، وبالطبع خيال الكاتبة يضاف إلى خيال هذه الطفلة، ويضاف أيضا إلى الخيال كل المعارف التى استقيتها عن هذا الحى عن تاريخه إلى آخره لكى نصنع الرواية، إذن هى مزيج متكامل من كل هذه العناصر، ولا يمكن الفصل بين أى عنصر من تلك العناصر أو الاستغناء أثناء الكتابة عن أى من تلك العناصر. الخيال، تصور ما عن الواقع، المعرفة المستقاة من الكتب عن هذا الواقع، ثم إعادة تركيب كل هذه العناصر لتظهر فى صورة روائية بشخصيات، وأحداث وأماكن وتطور فى تلك الأحداث وحوارات إلى آخره.
 
< ماذا عن تأثير المكان فيك، وأثره على رواياتك؟
فيما يخص حساسية المكان فى رواياتى، أعتقد أننى من الكاتبات اللاتى اهتممن بشكل أساسى بالمكان فى كل ما أكتب، وهى علاقة لم تنشأ فقط من تجربة الهجرة، فقد جاءت تجربة الهجرة، بعد أن كتبت ونشرت فى مصر روايتين ومجموعتين قصصيتين، وهما الأربعة كتب الأولى فى تاريخى ككاتبة، ثم جاءت بعض الأعمال فيما بعد بعد الهجرة، إذن الهجرة ليست هى السبب الرئيسى فى اهتمامى بالمكان، ولكنى أعتقد أن المكان هو إشكالية نسائية، يعنى تخص المرأة بصفة خاصة، أقول هذا لأن المرأة ترتبط بالأمكنة، المرأة ترتبط بالبيت، ترتبط بالشارع، ترتبط بالمدينة التى تقيم فيها التى ولدت فيها أو انتقلت إليها، ترتبط بالحى كما ذكرت من قبل فيما يخص رواية مثل رواية هليوبوليس.
الجديد فى رواية مثل «الكل يقول أحبك» على سبيل المثال، أن المكان هنا أضيف إلى المكان الذى ترتبط به النفس، وترتبط به الذكريات وتنشأ فيه علاقات الصداقة، وتتحدد فيه مسارات الشخصيات إلى آخره، هناك أيضا أمكنة أضفت إلى تلك الأمكنة الرئيسية والأساسية، والتى تهتم بتفصيلها النساء بصفة عامة، والحفاظ عليها أيضا، فالمرأة أيضا هى من تحافظ على جمال البيت على سبيل المثال، أضفت إلى هذا فى الكل يقول أحبك الأماكن الانتقالية، الأماكن الوسيطة، الأماكن التى تشبه المطارات والقطارات إلى آخره. لأنها حقيقة واقعة فى حياة المهاجر، وهذا أحد التغيرات فى تجليات المكان فيما أكتب، هو إضافة علاقة المهاجر بالمكان وإحساس المهاجر بعدم الاستقرار. وكذلك الشخصيات النسائية، حيث النساء فى تلك الرواية هن من يحافظن على البيت، لأن البيت يصبح هو الجزء الذى يمثل الكل، هو الجزء الذى يخص تلك المرأة أو تلك الشخصية النسائية فى الرواية، الذى من خلاله تستطيع أن تصنع وطنا. فلو كانت مهاجرة على سبيل المثال تتمسك بشكل أكبر بالبيت، لأنه يصبح وطنا جديدا بالنسبة لها. أكثر من الشارع والحى والمدينة التى تسكن فيها.
فهذا شكل من أشكال التفصيل، ولكن فى رواية مثل أكابيلا على سبيل المثال أشرت إلى كونها رواية فى مكان مدينى، فهى مدينة والمدينة تقع على نهر لكنها ليست بالضرورة القاهرة، يمكن أن تكون هذه المدينة وهذا النهر فى أى مكان من العالم، فى تصورى فى مكان عربى بطبيعة الحال، فالشخصيات شخصيات عربية.
لكن أردت أن ينفتح المكان قليلا، ليسمح بمساحة خيال أكبر وتركيز أكثر على الشخصيات، بحيث لا نربط بالضرورة بين الشخصيات، وبين المكان ولا يصبح المكان، هو أحد أدوات تفسير الشخصية، كما يمكن أن يحدث فى رواية «هليوبوليس»، لكن فى «أكابيلا» لا يؤثر المكان على الشخصيات بشكل مباشر، على العكس من رواية “الكل يقول أحبك” وقصصى القصيرة، التى تتناول أيضا أماكن كثيرة، المكان الحقيقة هو قضية تشغلنى بشكل خاص وربما تشغلنى أكثر من فكرة الزمن.
 
< ترجمت بعض أعمالك للغات الأجنبية، كيف كان الصدى؟
 طبعا يمنح هذا لأى كاتب عربى، فرصة التواصل مع العالم الخارجى، عبر هذه اللغات، “دنيا زاد” تحديدا ترجمت إلى ثمان لغات منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية إلى آخره، ولى أعمال أدبية أخرى ترجمت إلى اللغة الفرنسية تحديدا مثل «هليوبوليس» و «أكابيلا»، كما ترجمت أيضا «للجنه سور»، وهى يوميات الهجرة إلى اللغة الفرنسية فى كندا، كل هذه الترجمات هى تشكل بابا مفتوحا على الآخر، تسمح للكاتب العربى بالتواصل مع هذا الآخر، البعيد عبر الترجمة إلى لغة أجنبية، وهى باب يفتح العالم أمام الكاتب العربى.
ربما يدرك البعض أن الترجمة تتيح فرصة لقاء هذا القارئ بلغته، بلغة الترجمة، فلقاء هذا القارئ خارج حدود الوطن العربى مهم، لدعم المشاعر الإنسانية، لدعم تصوراتنا عن كوننا لا نختلف كثيرا كبشر عن بعضنا البعض، ولنا نفس الأشواق ولنا نفس الطموحات وتواجهنا نفس الأزمات.
كل هذه المشتركات الإنسانية، أعتقد أنها تتفتح كنتيجة مباشرة للترجمة، هناك جانب من القراء الغربيين بالطبع، يثير فضولهم الكتابة العربية، خصوصا الكتابة التى تكتبها النساء، ويتوقعون أن يكون فى هذه الكتابة نوع من البوح، أو الإفصاح عن مكنون المرأة العربية.
وربما يصاحب ذلك شكل من أشكال التلصص على حياة المرأة العربية، أو محاولة تأكيد النمط السائد فى الذهن الغربى عن المرأة، وأعتقد أن الدور الذى تلعبه الترجمة فى هذه الحالة هو مناهضة، أو مقاومة تلك الأشكال النمطية وتلك التصورات النمطية عن المرأة، وربما يكون هذا ما أطمح إليه أيضا فى الكتابة.
وتغيير بعض التصورات النمطية فى الغرب، ليس فقط عن طريق الكتابة باللغة العربية للجمهور العربى، ولكن أيضا عن طريق السعى نحو ترجمة هذه الأعمال، إلى لغات أجنبية تسمح بتغيير النمط وتسمح أيضا لنا ببناء بعض الجسور بين الأفراد، لأن بناء الجسور بين الدول وبين المجتمعات ربما يكون أصعب بكثير، لكن التغيير على المستوى الفردى فى بعض الأحيان، قد يؤدى إلى نتائج مهمة فى المستقبل البعيد.
إننا نبدأ بتغيير تصور فرد أو فردين، أو مئة فرد أو ألف فرد نتيجة لقراءة رواية، أو نتيجة للقاء حول رواية كتبت على بعد آلاف الكيلومترات. تلك القضية قضية أساسية بالنسبة لى، وهى قضية تحاول أن تجد للأدب أيضا دورا قياديا لقيادة هذا التغيير، وأيضا نفس الشىء عندما أكتب للعرب أحاول تغيير الصورة النمطية للغرب لدى القارئ العربى، ربما رواية “الكل يقول أحبك” تؤدى هذا الدور إلى حد ما.
 
< ماذا أعطتك الكتابة حتى الآن وهل هى جديرة بالتضحية من أجلها على حساب ربما أمور حياتية أخرى أكثر حتمية وأكثر ضرورية؟
الكتابة بالطبع، ومع الوعى الذى أتحدث به اليوم، وأنا أمارسها منذ 35 عاما، قد بدأت الكتابة والنشر منذ عام 1990، وأصبحت لو أردت استرجاع هذا الماضى، أصبحت أكثر وعيا بحتميتها، وكأن كل المحاولات الأولى للتجريب فى بدايات التسعينيات، فى البحث عن بصمتى الخاصة فى الكتابة، كل تلك المحاولات الدؤوبة فى السنوات العشر الأولى من تاريخى ككاتبة، أتصور أننى لم أكن على نفس الوعى بحتمية وضرورة الكتابة. رواية “دنيا زاد” كانت من الممكن أن أقول إنها بداية الشعور بتلك الحتمية، خصوصا أنها قائمة على سيرة ذاتية، وعلى أم تفقد ابنتها لحظة الولادة، وكان من الضرورى بل ما هو من الحتمى، أن أكتب لكى لا أصاب بالجنون بسبب فقد ابنتى.
لكن فيما بعد، أصبحت هذه الضرورة أكثر التصاقا بتصورى عن نفسى كإمرأة، كعربية، ككاتبة. بمعنى أن الكتابة أصبحت هوية. فأقدم نفسى عادة باعتبارى كاتبة وليس باعتبارى الدكتورة مى التلمسانى الأكاديمية، معظم الأحيان أتنازل عن لقب دكتورة، وأكتفى بلقب كاتبة، بمعنى أننى لا أرى نفسى سوى ككاتبة، وبالإضافة للكتابة أمارس أشكالا أخرى من الكتابة، منها الكتابة البحثية والأكاديمية والترجمة والنقد. ولكن بالأساس الكتابة الإبداعية، الكاتبة الروائية مى التلمسانى بالنسبة لى هى الصفة، أو اللقب الذى أصبح حتميا أو ضروريا، لتفسير من أنا ولتقديمى للآخرين.
وبالتالى فحياتى كلها أصبحت تدور فى فلك هذه الهوية، الممارسة اليومية لا تنفصل عن تلك الهوية، أول ما يطرأ على ذهنى فى الصباح، هو هل سأتمكن من كتابة نص جديد اليوم، أو جزء من نص أو فقرة فى نص؟ أول ما يطرأ على بالى فى بداية كل يوم، هل ستتاح لى فرصة التفرغ للقراءة ولو لمدة ساعة؟ التفرغ للترجمة ولو لمدة ساعة؟ ما متطلبات اليوم التى يمكن أن أتخلى عنها فى سبيل الجلوس إلى مكتبى، والتفرغ للكتابة؟ تلك هى الأسئلة اليومية التى تطرح بشكل دائم.
فبالتالى بسبب تلك الحتمية، أو بسبب تلك الضرورة، يصبح من الصعب أن نتخلى عن تلك الهوية، نحن نتنازل عنها فى بعض الأحيان، لكن يأتى هذا على حساب الراحة النفسية، على حساب إحساس التحقق، على حساب إحساس النجاح، وفى مقابل ذلك يصبح النشر على سبيل المثال أو التواصل مع القراء مسألة ثانوية تماما بالنسبة لضرورة وحتمية الكتابة، فعل الكتابة فى ذاته، ويمكنك أن تتخيل أن فكرة التقييم أو الاحتفاء بتلك الكتابة بعد نشرها، تصبح أيضا فى الدائرة الأوسع من حيث كونها ثانوية.
 
< من خلال روايتك «الكل يقول أحبك»، كيف تتعاملين مع ذاكرة الأمكنة فى كتاباتك السردية؟
المكان حى فى الزمن، لا مكان ينفصل عن الزمن سواء المعيش أم المتخيل فى الذاكرة، لكن الذاكرة تحتفظ من الأماكن بشذرات وتكوينات، عادة ما تكون مغلوطة، يشوبها الخلط والتكرار، تكون فى شارع فى مونتريال أو ويندسور يذكرك بمصر الجديدة أو الظاهر، تتجول فى شارع بالظاهر فتتمنى لو ظل على حاله، كما ظلت مدينة ديروتا الإيطالية على حالها عقودا، وهكذا فإن فعل التذكر يشارك فى التشويش أيضا بقدر، ما هو فعل حفظ وتدوين وأرشفة، كل أرشيف هو فى أصله واقعى، وفى جوهره انتقائى ومتخيل، لذا يصلح للكتابة الروائية، ويصلح لإثارة الخيال والاعتراف بتحولات النفس وأشواقها، التى تضفى عليه ألوانا جديدة بمرور الزمن، أعود لحى هليوبوليس بنفس المنطق، من الرواية التى نشرت بهذا العنوان عام 2000، للمجموعة القصصية التى نشرت بعنوان عين سحرية فى 2016، ذاكرة المكان تتبدل وماديته، وطريقة التعبير عنها تتبدل أيضا، يصبح الهاجس الأول فى المجموعة استعادة تاريخ النظر، وليس تاريخ المكان فى ذاته.
 
< تتميزين بعشقك للحياة وحبك للسفر، ما الذى أضافه كل منهما إلى تجربتك الروائية والإبداعية؟
السفر ضرورة باتت حتمية، أثرت الكتابة بأشكال متنوعة، منها السعى لتجاوز الحدود القومية، والحدود الفنية المفروضة علينا ككتاب عرب. توسيع رقعة العالم، واكتشاف رحابته لهما بالتأكيد تأثير على نوع الكتابة التى أطمح لإنجازها هى كتابة عابرة للحدود، تنتصر للحرية بكل أشكالها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام