مقالات رئيس التحرير



فلسطين.. القصة الأصلية

1-2-2026 | 00:25
جمال الكشكي

التوترات الإقليمية غير المسبوقة فى منطقة الشرق الأوسط، تؤكد دون شك أن "فلسطين وحدها هى القصة الأصلية"، وإذا ما فككناها إلى عناصرها الأساسية، وأعدنا الحقوق للشعب الفلسطينى، فإن الاستقرار يعود إلى الشرق الأوسط، ويصبح منطقة جاذبة للاستثمار والتعاون الدولى، ويستعيد بحق موقع قلب العالم، وصاحب إرث الحضارات الحيوية الممتدة والمستمرة إلى الآن.
فمن مصلحة الجميع أن تستقر هذه المنطقة الحيوية، ولا يختطفها أحد قراصنة السياسة، مستغلا ما جرى منذ غزو العراق عام 2003، مرورا بما يسمى الربيع العربى، الذى لا يزال يلقى بظلاله على المنطقة، يشكل الجرح الكبير الذى أضر بالقضية الفلسطينية.
أذكر أن الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبو مازن، تحدث مرة وقال: إن هذا الربيع لم يضر بالدول التى تصادفت معه، وإنما أضر بجوهر القضية الفلسطينية، وجعلها معزولة ومنسية، فكل دولة واجهت هذه المحنة، اهتمت بذاتها ومصالحها الداخلية، وتباعدت عن القضية الفسطينية.
منذ السابع من أكتوبر إلى لحظة توقف الحرب بانعقاد مؤتمر شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025، اكتشف العالم أن فلسطين هى القصة الأصلية، ومنها تفرعت كل القصص والروايات التراجيدية فى المنطقة، مثلا كان لبنان من حظ الجغرافيا الدامية، فقد كان الدولة الأولى التى واجهت الاحتلال الإسرائيلى منذ عام 1948 مع نشأة إسرائيل.
حتمت الجغرافيا على لبنان أن يكون خط الدفاع الأول عن هوية فلسطين العربية، ووجد نفسه بين فكى كماشة داخلية وخارجية، وخاض جميع الحروب العربية - الإسرائيلية، ولا يزال فصلا داميا فى تلك الروايات،
وإذا انتقلنا إلى سوريا الحديثة، فسنجد أنها فقدت أراضيها فى الجولان، ولا يزال محتلا، أيضا كان ذلك نتيجة لتفريعاتها عن القصة الأصلية.. فلسطين.
إذا نظرنا إلى خرائط المنطقة لوجدنا أن مصر كانت الأمة التى دفعت أثمانا باهظة لتلك القصة، منذ عام 1948 إلى الآن، وخاضت حروبا شبه عالمية، سواء فى عام 1948 أم عام 1956، أم عام 1967 أم حرب الاستنزاف أم فى انتصار أكتوبر 1973، وصولا إلى المفاوضات الشاقة من أجل السلام واسترداد الأرض، وقد نجحت فى ذلك، ولا تزال هى النواة الصلبة للقضية الفلسطينية، والدرع الواقية لإبقاء هذه القصة الأصلية حية تروى فى المحافل الدولية، وتبقى كالجمرة فى الإستراتيجية العالمية.
نعود هنا إلى تفريعات ثانوية من فصول القصة الداخلية، فنجد أن الحروب التى دارت فى منطقة الشرق الأوسط، لم تكن بعيدة عن التخطيط الإسرائيلى، من أجل إرباك واستنزاف أدوات المنطقة - شعوبا ودولا - نتذكر الحرب العراقية - الإيرانية التى استمرت لثمانى سنوات، واستنزفت قدرات البلدين، وخرجا منها خاسرين، وقد اعترف طرفاها بأنهما تورطا فى حرب عبثية أهلكت الموارد، وراح ضحيتها ملايين الضحايا من الطرفين.
ونذكر أن غزو العراق للكويت فى أغسطس عام 1990 كان نتيجة مباشرة لهذه الحرب العبثية، وكان الحبل على الجرار، فقد اندلعت حرب الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب عام 1994، وثمة حروب فى مسار أصغر، مثل العشرية السوداء فى الجزائر، التى حصدت آلاف الأرواح، وكذلك الحرب بين الشمال والجنوب السودانيين، والتى أفضت إلى تقسيم السودان إلى دولتين، شمالية وجنوبية، ولا تزال الحرب مندلعة فى القسم الشمالى، منذ 15 إبريل عام 2023.
بالتأكيد إذا عدنا إلى لبنان، سنجد أن حرب يوليو عام 2006 هى نفسها الحرب الدائرة الآن فى الجنوب اللبنانى بنفس الأطراف، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام فوضى خلفتها أحداث 11 سبتمبر عام 2001، ولم تعان منطقة عالمية من هذه الأحداث، مثلما عانت منطقتنا، فقد حدث أن تم تدمير دولة العراق، العضو بجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، وإسقاط نظامها بالضد من القانون الدولى، بزعم امتلاكه أسلحة نووية.
كانت فلسطين ولا تزال هى القصة الأصلية، حتى فى هذه الحرب الأمريكية على العراق، وكانت القضية الفلسطينية سببا مباشرا فى اندلاع فوضى عام 2011، فقد رفع الجميع - المحب والكاره لها - شعار فلسطين، وكأنها حائط المبكى، الذى يستخدم فى أوقات معينة، برغم أضرار هذه الفوضى بها، كما أشرنا آنفا.
هنا ونحن إزاء دخول جديد إلى فلسطين، بعد نقاط دونالد ترامب العشرين بإيقاف الحرب، وتشكيل لجنة وطنية فلسطينية جديدة، تستعيد ذاكرة دخول الرئيس ياسر عرفات إلى غزة عام 1994 من أجل بداية إقامة الدولة المستحقة لكتابة نهاية حقيقية للقصة الأصلية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام