رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأحد 15 فبراير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
مستقبل القطاع لا يزال غامضا.. غزة بين عراقيل نتنياهو ومخططات ترامب
28-1-2026
|
00:45
العزب الطيب الطاهر
على الرغم مما يبدو من تحولات على صعيد إنهاء حرب الإبادة فى غزة، فى ضوء الانتهاء من تشكيل جملة من المجالس والهيئات، التى ستتولى إدارته، وفى مقدمتها مجلس السلام ومجلسه التنفيذى، ومديره التنفيذى أو حسب تسميته الرسمية المندوب السامى، السياسى والدبلوماسى البلغارى السابق نيكولاى ملادينوف واللجنة الإدارية الوطنية الفلسطينية.. فإن ثمة مخاوف من العراقيل التى يمكن أن يضخها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لمنع تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، اتساقا مع مكونه الشخصى وقناعاته السياسية الرافضة للانخراط فى أى مسار، من شأنه أن يفضى إلى تهدئة أو سلام أو استقرار أو حل ليس فى القطاع فحسب.
بل بالنسبة للقضية الفلسطينية، فهو ظل ومازال - يناكف ويعطل تطبيق المرحلة الأولى من هذه الخطة، ومارس، وما زال- كل ألوان المراوغات، لذلك كانت زيارة مبعوثى الرئيس الأمريكى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بالإضافة إلى جوش جرونباوم مستشار البيت الأبيض إلى الكيان الإسرائيلى، يومى السبت والأحد الماضيين ومباحثاتهم معه، سعيا للتغلب على بعض لاءاته واعتراضاته، لتمهيد السبيل أمام نجاح المرحلة الثانية.
وطبقا لما كشفه ويتكوف فى هذا السياق، فإن المباحثات تركزت على آليات تنفيذ المراحل المتقدمة من الرؤية الأمريكية للمنطقة المعروفة بـ"خطة ترامب"، متناولة بشكل معمق التقدم المستمر فى الملفات المشتركة، مع التركيز على نحو خاص، على وضع الترتيبات والآليات التنفيذية لهذ المرحلة، واصفا النقاشات التى جرت خلالها بالبناءة والإيجابية للغاية"، حيث تم الاتفاق على الخطوات وجدول أعمال المرحلة المقبلة، مشددا على أهمية استمرار التعاون فى "المسائل الحيوية" التى تمس أمن المنطقة واستقرارها، مشيرا إلى أن التوافق الذى جرى، يمهد الطريق لتعاون أوثق فى المستقبل القريب لمواجهة التحديات الراهنة.
مستقبل غير واضح للقطاع
ومع ذلك، فإن مستقبل قطاع غزة خلال عام 2026 سيبقى غامضاً، حتى يتم التغلب على المعوقات التى قد تعترض خطة الرئيس الأمريكى خلال الأيام والأسابيع المقبلة، أو التوصل إلى توافق بين الأطراف الفاعلة فى هذا الملف، وهو توافق قد يواجه صعوبات؛ إلا إذا قررت الولايات المتحدة، استخدام كامل نفوذها وأدواتها لتمرير الخطة، حتى لو تعطلت لبعض الوقت.
ومن أبرز المعضلات التى ارتفع سقفها خلال الآونة الأخيرة، ارتبطت بفتح معبر رفح من الجانب الفلسطينى والخاضع لهيمنة جيش الاحتلال، والذى أغلقه فى مايو من العام قبل الفائت، فقد أصر نتنياهو ونخبته اليمينية المتطرفة على استمرار غلقه، معلنا - من خلال تسريبات إعلامية - ما يفيد توصله إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية بعدم فتح المعبر، حتى تتم استعادة جثة المحتجز الأخير من القطاع، وهو ما تحقق يوم الاثنين الماضى، حسبما أعلن جيش الاحتلال عثوره على الجثة، غير أنه برز يوم الأحد الماضى موقف مختلف، متجليا فيما أفادت به إذاعة جيش الاحتلال، بأن الولايات المتحدة توصلت إلى تفاهم مع نتنياهو، بشأن فتح المعبر من الجانب الفلسطينى، فى إطار ترتيبات سياسية وأمنية مرتبطة بملف التهدئة فى قطاع غزة، والمفاوضات الجارية فى المرحلة الراهنة، لاسيما أنه يعد المنفذ البرى الرئيسى لسكان غزة، ويقع فى مدينة رفح أقصى جنوب القطاع، ويربط بين القطاع ومصر، ويشكل الطريق الوحيد أمام آلاف المواطنين للسفر خارج القطاع لأغراض العلاج والدراسة والعمل، فضلا عن أنه هو البوابة الرئيسية لدخول المساعدات الإنسانية التى تم التوافق عليها، حسب اتفاق وقف إطلاق النار والمقدرة بـ 600 شاحنة يوميا، بينما لم تسمح حكومة نتنياهو سوى بـ 150 أو 200 شاحنة وتحت رقابة صارمة.
وطبقا، لمصادر مطلعة، فإن التفاهم بين الجانبين، جاء بعد ضغوط مارستها واشنطن لفصل الملف الإنسانى، وعلى رأسه فتح المعبر وإدخال المساعدات، عن ملفات أخرى مثل تبادل الأسرى والمحتجزين، لتخفيف الأزمة الإنسانية المتفاقمة فى قطاع غزة، ويشمل التفاهم آلية تشغيل خصوصًا للمعبر، تتضمن ترتيبات أمنية ومشاركة أطراف دولية، إضافة إلى تنسيق مع الجانب المصرى، بما يضمن إعادة فتح المعبر بشكل تدريجى، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية والحالات الإنسانية من وإلى القطاع.
ونقلت إذاعة جيش الاحتلال عن هذه المصادر، قولها: إن نتنياهو أبلغ الإدارة الأمريكية بموافقته المبدئية على هذه الترتيبات، إلا أن الإعلان الرسمى عن فتح المعبر تأخر بسبب خلافات، داخل حكومة الاحتلال، واعتراض بعض الوزراء على توقيت الخطوة، وربطها بالمسار السياسى والأمنى، وهو ما جرى حسمه خلال الاجتماع الاستثنائى الذى عقده مجلس وزراء الأمنى والسياسى "الكابينت"، بالكيان الإسرائيلى، واستمر حتى ساعة متأخرة من مساء الأحد الماضى، وأعلن مكتب نتنياهو فى أعقابه، الموافقة على فتح المعبر بشكل محدود لعبور الأفراد فقط، ضمن آلية رقابة كاملة من قبل سلطات الاحتلال، لافتا النظر فى بيان، أن "فتح المعبر كان مشروطا بإعادة جميع الأسرى الأحياء والأموات، وبذل حماس أقصى جهدها لإعادتهم"، وفى ضوء هذه الخطوة سيسمح بخروج أشخاص من غزة إلى الأراضى المصرية، من دون تفتيش أمنى مباشر من قبل سلطات الاحتلال، وإن كان سيتم عن بعد فقط، إذ ستتولى بعثة من الاتحاد الأوروبى بالتعاون مع طواقم محلية تابعة للسلطة الفلسطينية إجراءات التفتيش والتدقيق.
وطبقا لمصادر سياسية، فإن الدخول من مصر إلى غزة، سيتم على مرحلتين: تفتيش أولى من قبل بعثة الاتحاد الأوروبى، ثم تفتيش أمنى من قبل سلطات الاحتلال داخل منطقة خاضعة لسيطرتها، بهدف منع التهريب أو دخول غير المصرح لهم، فى حين لم يحدد بعد العدد النهائى للمغادرين والعائدين، لكن التقديرات تشير إلى بضع مئات يومياً، مشيرة إلى أن الشاباك سيوافق مسبقاً على أساس تقييم أمنى على هويات الداخلين والخارجين، متوقعة السماح أيضاً بخروج عناصر منخفضى المستوى من حركة حماس، ممن لا يشتبه بتورطهم فى أعمال قتل بالإضافة إلى أفراد عائلات عناصر الحركة.
ووفقا للمصادر ذاتها، فقد برز خلاف خلال اجتماع المجلس الوزارى المصغر، بشأن "آلية التفتيش"، حيث تبنى جهاز الأمن العام (الشاباك) مقاربة أمنية متشددة وصارمة، فى حين دفع ممثلو جيش الاحتلال نحو تبنى إجراءات أكثر "مرونة" لتسهيل العمليات الميدانية واللوجستية، لكن نتنياهو حسم الجدل، بإعلان تأييده الكامل لموقف جهاز "الشاباك"، مخاطبا رئيس الجهاز بالقول: "أنا معه.. طبقوا الأمر بهذه الطريقة".
وحسب دوائر سياسية فى تل أبيب، فإن قرار فتح المعبر من الجانب الفلسطينى، جاء عقب ضغوط أمريكية كبيرة، وفى ظل رفض مصر القبول بشروط نتنياهو التى تضمّنت، وجودًا مباشرًا لجيش الاحتلال داخله، ونقلت القناة 12 عن مكتب رئيس حكومة الاحتلال، أن نتنياهو وافق على فتح المعبر بشكلٍ محدود، وبما يقتصر على مرور الأشخاص دون البضائع، ضمن آلية رقابة إسرائيلية كاملة من الجانب الفلسطينى للمعبر، وبحسب بيان أصدره، فإن هذه الخطوة بدت مشروطة، بأن تبذل حركة حماس جهدًا بنسبة 100% للعثور على جثمان آخر جندى رانى جويلى، وهو ما تحقق فعليا يوم الاثنين الماصى، بعد أن تعرف عليها جيش الاحتلال فى ضوء المعلومات التى قدمتها كتائب عزالدين القسام – الجناح العسكرى لحركة حماس، وطبقا لثلاثة مصادر مطلعة على الملف رفضت الكشف عن هوياتها نظرًا لحساسية الموضوع، فإن حكومة الاحتلال تسعى إلى تقييد عدد الفلسطينيين الذين سيدخلون غزة عبر المعبر مع مصر، لضمان أن يكون عدد الخارجين من القطاع أكبر من عدد الداخلين إليه، مشيرين إلى أنه لا يزال من غير الواضح، كيف تعتزم تل أبيب فرض هذه القيود، أو ما النسبة التى تسعى لتحقيقها بين أعداد المغادرين والوافدين، موضحين أن تل أبيب ترغب أيضًا فى إنشاء نقطة تفتيش عسكرية داخل قطاع غزة قرب الحدود، يُلزم جميع الفلسطينيين الداخلين أو الخارجين بالمرور عبرها والخضوع لفحوصات أمنية، وهوما أكده مصدران آخران، لكن دون أن يوضحا الكيفية التى سيتم التعامل بها مع الأفراد فى حال منعهم جيش الاحتلال من المرور عبر نقطة التفتيش، لا سيما القادمين من مصر، غير أن مسئولا رفيعا أبلغ وكالة رويترز، أن حكومة الاحتلال هى من ستحدد موعد فتح المعبر، مشددًا على أن الفلسطينيين، لن يتمكنوا من مغادرة غزة أو الدخول إليها دون موافقة سلطاته.
واللافت للنظر، أن وزراء من اليمين المتطرف شنّوا، خلال اجتماع المجلس الوزارى المصغر، هجومًا حادًا على قرار فتح معبر رفح الحدودى، ونقل موقع "واللا " الإخبارى، عن وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير المتطرف، قوله :"قمنا بأشياء عظيمة مثل قتل عشرات الآلاف من العناصر المسلحة، لكننا ما زلنا لم نقضِ على حماس بالكامل"، وأضاف: "علينا تفكيكها ونزع سلاحها، كفى سذاجة جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، فإذا فُتح المعبر سيكون ذلك خطأً كبيرًا ورسالة سيئة للغاية". من جهتها، اتهمت وزيرة الاستيطان والمشاريع القومية أوريت ستروك حكومة الاحتلال، بأنها تسلّم غزة إلى السلطة الفلسطينية، والتى تصرّ على أنه لا يمكن أن يكون لها دور فى إدارة القطاع.
وفى الشأن ذاته نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن مصادر مطّلعة، أن ترتيبات تشغيل معبر رفح أُنجزت فعلياً، وأنه سيقام معبر إضافى ملاصق للمعبر القائم يُعرف بـ "رفح 2"، تتولى سلطات الاحتلال تشغيله، وتُجرى فيه فحوصات أمنية إضافية، لمنع التسلل وعمليات التهريب، حسب تصورها.
وفى التفاصيل، سيتولى تشغيل المعبر الرئيسى فريق بعثة الاتحاد الأوروبى للمساعدة الحدودية، إلى جانب عناصر من جهاز الاستخبارات العامة التابع للسلطة الفلسطينية، بينما تُحال قوائم الداخلين إلى قطاع غزة من طاقم البعثة الأوروبية، إلى سلطات الاحتلال لفحصها أمنياً من طرف جهاز الأمن العام، وتشمل آلية التفتيش فحصاً عن بُعد لصور الوجوه، وبطاقات الهوية، وعمليات المسح والتصوير الأمنى، من دون وجود ميدانى مباشر داخل المعبر.
استعلاء حكومة نتنياهو
هذا أولا، أما ثانيا - ما زالت حكومة نتنياهو تتعامل بقدر كبير من الاستعلاء مع اللجنة الوطنية الفلسطينية المنوط بها إدارة غزة، وهى لم تخف نواياها لإفشالها، بعد أن اعترضت على طريقة تشكيلها، وبدلا من تسهيل مهام اللجنة للانتقال إلى غزة، لبدء العمل وفقا لخطة ترامب، والتى تبناها مجلس الأمن الدولى، أصرت على وضع القيود أمامها، مانعة بذلك الانتقال العملى لـ "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار، يما يعنى مضيها فى خططها لإدامة احتلال أجزاء كبيرة من غزة، والاستمرار فى شن الهجمات الدامية، وهى عبرت وبشكل فاضح -على لسان أكثر من مسئول فيها عن اعتراضها على اللجنة، ولاتزال تمنع أعضاءها ورئيسها من دخول القطاع، خصوصا أنها تحركت منذ الإعلان عن تشكيلها بالقاهرة فى الأسبوع قبل الماضى، فى عدة اتجاهات، فعقدت اجتماعات داخلية اشتملت على بحث الترتيبات التى ستقوم بها، والخطط الواجب تنفيذها فى المرحلة الحالية، وهى خطط تقوم على الإنعاش والإغاثة، إضافة إلى عقد لقاءات مع أطراف عربية ودولية، وذلك بعد بدء عملها بشكل رسمى، وتوقيع رئيسها الدكتور على عبد الحميد شعث أمر بدء العمل، لكن أحد أعضاء اللجنة، فضل عدم ذكر اسمه، عبر عن مخاوف كبيرة من استمرار منع عمل اللجنة بشكل فعلى فى غزة، موضحا أنه تم توجيه استفسارات للوسطاء ومسئولين فى مجلس السلام، حول كيفية عمل اللجنة على الأرض، حيث نوقش ذلك مع مسئولين مصريين، وكذلك مسئولين أمريكيين جرى اللقاء بهم عن بعد، إضافة إلى المدير التنفيذى لـمجلس السلام" نيكولاى ميلادينوف" مبينا أن اللجنة تريد أن يكون أمر انتقالها وخروجها من قطاع غزة بدون أى قيود أو عراقيل، من أجل متابعة عملها على الأرض، ما يتطلب فتح معبر رفح الفاصل عن مصر.
وكانت اللجنة تخطط للانتقال إلى قطاع غزة نهاية الأسبوع المنصرم، بعد أن ركزت فى اجتماعات القاهرة على عدة نقاط مع المسئولين الذين التقتهم لإنجاح خطة الإنعاش، وتشمل الخطة الأولية، دخال كميات أكبر من المساعدات والوقود إلى قطاع غزة، وسلع كانت سلطات الاحتلال ترفض إدخالها طوال الفترة الماضية، من أجل المساهمة فى عمليات الإغاثة العاجلة، وتدوير عجلة قطاعات حيوية توقفت بسبب الحرب والحصار.
ولا شك أن قيود الاحتلال التى فرضت منذ بداية عمل اللجنة، تؤثر على عملية تنفيذ خطط الإغاثة على الأرض، وتحول دون إتمام ترتيبات تسلمها إدارة القطاع، والانتقال العملى إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما عبرت عنه صراحة حماس - على لسان الناطق باسمها حازم قاسم - الذى كشف أن الحركة تتحرك مع الوسطاء للضغط على سلطات الاحتلال، للسماح للجنة بالعمل ميدانيًا داخل القطاع، حيث تواجه قضايا شائكة ومعقدة، تتطلب مستوى عاليًا من المهنية والكفاءة فى إدارتها، مؤكدا أن الجهات الحكومية فى قطاع غزة شرعت باتخاذ إجراءات على المستويين اللوجستى والإدارى، لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور.
وأكد قاسم مجددا، أن حركته لا تضع أى اشتراطات مسبقة، لضمان تشكيل اللجنة أو بدء عملها، وأنها تتوقع منها أداءً مهنيًا وفنيًا مستقلًا، مشيرا إلى أن مصلحة حماس فى غزة تتمثل فى تسهيل وإنجاح عمل اللجنة لضمان تقديم الإغاثة والدعم للشعب الفلسطينى، لافتا النظر فى الآن ذاته إلى أن "مجرم الحرب نتنياهو " ما زال يعمل على تعطيل اتفاق وقف الحرب على غزة، ويمارس أبشع الانتهاكات عبر استهداف المدنيين العزل، وتدمير الأحياء والمرافق العامة، واستهداف مراكز الإيواء، برغم الإعلان عن سريان وقف إطلاق النار فى العاشر من أكتوبر المنصرم، داعيا مجلس السلام، إلى الاضطلاع بمسئوليته لوقف خروقات الاحتلال، وإلزامه باستحقاقات الاتفاق، وفى مقدمتها إدخال المساعدات ومستلزمات الإيواء، وبدء الإغاثة والإعمار، وحمايةً الشعب الفلسطينى من تداعيات الكارثة الإنسانية التى صنعها الاحتلال، لا سيما فى ظل تعرض قطاع غزة لموجات من الأمطار والبرد الشديد.
من جهتها، أكدت حركة فتح، على لسان الدكتور صبرى صيدم، نائب أمين سر لجنتها المركزية، عن خشيتها من مواقف تل أبيب، مشددة على أهمية عدم وجود أى انفصال إدارى بين الضفة وغزة، وأن تكون سلطة واحدة وقانون واحد ومكون إدارى واحد، مشيرا إلى تواصل مستمر مع كل الأطراف لضمان دعم عمل لجنة، إدارة غزة، شريطة أن تلتزم بالرؤية القيادية الفلسطينية التى تضمن انسحاب الاحتلال، وتحقق الترابط الجغرافى، وتواجه مخططات الاستيطان وتوسيع سيطرة القوة القائمة بالاحتلال فى الضفة وغزة، وتوحيد العمل الوطنى بما يخدم مصالح الشعب الفلسطينى، مشيرا إلى أن ملف اللجنة جرى بحثه فى اجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح، وأن الموقف الرسمى الفلسطينى، يدعم أى خطوة بدء عمليات إعادة الإعمار، موضحا أن إنشاء هذه الإدارة يجب أن ينسجم مع قرار مجلس الأمن والمبادرات الدولية الرامية لإنهاء الصراع، مشيرا فى الوقت نفسه إلى أن حكومة الاحتلال تسعى جاهدة لتعطيل عمل اللجنة الوطنية، عبر منع أعضائها من دخول قطاع غزة والرفض المستمر لفتح المعابر، مؤكدا أن هذه الممارسات تمثل محاولة "إعدام للعمل الوطنى الإغاثى " وتندرج ضمن سياسة التنصل من الاستحقاقات الدولية التى تنتهجها تل أبيب بشكل دائم.
غموض تشكيل قوة الاستقرار
ثالثا- ثمة غموض يحيط بالبند الخاص بتشكيل قوة الاستقرار الدولية فى غزة، وذلك بفعل استمرار رفض نتنياهو ضم أطراف إليها، يعتبرها خصما لمشروعه العدوانى، على رأسها تركيا، فضلا عن عدم حسم بعض الدول موقفها النهائى من الانضمام إليها، وكذلك عدم حسم صلاحياتها فى مسألة نزع سلاح المقاومة، ما عطل الإعلان عن تشكيلها على الرغم من تعيين قائدها الجنرال الأمريكى جاسبر جيفرز، وحسب تقارير تعود إلى فترة سابقة، فقد تمت الإشارة إلى عدم وضوح طبيعة القوات المشاركة والدول التى ستنضم إليها، فى ظل استبعاد إدارة ترامب إرسال جنود أمريكيين إلى قطاع غزة، فيما أعلن نتنياهو أن حكومته هى من ستحدد أى القوات الأجنبية ستكون مقبولة بالنسبة لها.
وكانت واشنطن قد أرسلت قبل نحو شهرين، مشروع قرار خاص بإنشاء هذه القوة- حسب ما نقله موقع أكسيوس الإخبارى عن وثيقة رسمية أمريكية - تتمتع بتفويض واسع لحكم غزة، وتوفير الأمن فيها حتى نهاية عام 2027 مع إمكانية التمديد، بالتشاور مع مصر والكيان الإسرائيلى وأعضاء مجلس الأمن، وتتركز مهامها فى تأمين حدود غزة، وحماية المدنيين فى القطاع والممرات الإنسانية، بالإضافة إلى تدريب قوة شرطة فلسطينية، تشارك القوة الدولية فى أداء مهامها، والتى من بينها نزع الأسلحة وتدمير ومنع بناء أى بنية عسكرية فى القطاع، على أن تقدم تقاريرها إلى مجلس الأمن، وهو ما تحفظت عليه تل أبيب آنذاك.
واللافت للنظر أنه لم يكشف النقاب عن مصير هذا المشروع، وإن كان قرار مجلس الأمن رقم 2802، قد أذن للدول الأعضاء العاملة مع مجلس السلام وللمجلس ذاته بإنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة فى غزة، تُنشر تحت قيادة موحّدة مقبولة لدى مجلس السلام، وتُسهم فيها قوات من الدول المشاركة، بالتشاور والتعاون الوثيقين مع مصر العربية والكيان الإسرائيلى، وأن تتخذ جميع التدابير اللازمة للاضطلاع بولايتها بما يتسق مع القانون الدولى، بما فى ذلك القانون الدولى الإنساني.
وتعمل القوة مع كل من القاهرة وتل أبيب، دون مساس باتفاقاتهما القائمة، ومع قوة شرطة فلسطينية جديدة مُدرَّبة ومُدقَّق فى أفرادها، للمساعدة فى تأمين المناطق الحدودية؛ واستقرار البيئة الأمنية فى غزة عبر ضمان نزع السلاح فى القطاع، بما يشمل تدمير البُنى التحتية العسكرية والهجومية ومنع إعادة بنائها، وكذلك الإخراج الدائم للأسلحة من الخدمة من قبل الجماعات المسلحة من غير الدول؛ وحماية المدنيين، بما فى ذلك عمليات العمل الإنساني؛ وتدريب قوات الشرطة الفلسطينية المُدقَّقة وتقديم الدعم لها؛ والتنسيق مع الدول المعنية لتأمين ممرات إنسانية؛ والاضطلاع بما يلزم من مهام إضافية دعماً للخطة الشاملة.
وحسب القرار تقوم القوة بما يلى:
- مساعدة مجلس السلام فى رصد تنفيذ وقف إطلاق النار فى غزة، والدخول فى الترتيبات اللازمة لتحقيق أهداف الخطة الشاملة.
- العمل تحت التوجيه الإستراتيجى لمجلس السلام، وأن يُموَّل عملها من المساهمات الطوعية للمانحين وآليات تمويل مجلس السلام والحكومات.
وكانت العاصمة القطرية – الدوحة - قد استضافت فى شهر ديسمبر الماضى، اجتماعًا دوليًا شاركت فيه أكثر من 45 دولة، لبحث خطط إنشاء قوة الاستقرار الدولية فى قطاع غزة، تمحور حول بحث هيكل القيادة والسيطرة لهذه القوة، ومجال انتشارها الجغرافى وصلاحياتها، إضافةً إلى الجوانب اللوجستية والتمويلية، وعلى الرغم من أنه لم يفض عن قرارات نهائية أو مُلزمة، فإنه جسّد تحوّلًا من التفاهمات السياسية العامة إلى التخطيط العسكرى - الأمنى التفصيلى، إذ يُعدّ نشر القوة عنصرًا أساسيًا للانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترامب للسلام فى غزة، كما عكس توافقًا دوليًا مبدئيًا على ضرورة معالجة الفراغ الأمنى فى غزة، لكنه أُبرز فى الوقت نفسه غياب اتفاق فعلى، حول آلية التنفيذ فى ظل عاملين يمكن اعتبارهما معرقلين لها، أولها تردد عدد من الدول فى إرسال قوات إلى بيئة "عالية المخاطر"، فضلًا عن غياب أفق سياسى يربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسى واضح، وثانيهما تمسك القوة القائمة بالاحتلال خلال مشاركتها فى الاجتماع بحق "الفيتو " على تشكيل القوة، ورفضها القاطع لمشاركة تركيا، وإن كان الاجتماع المرتقب لرؤساء أركان الدول التى سبق لها الالتئام بالدوحة خلال الشهر الجارى، قد يحسم الكثير من النقاط العالقة بفعل تدخل أمريكى قد يكون فاعلا بعد الانتهاء من تشكيل المجالس المنوط بها إدارة قطاع غزة وتعيين مندوب سامى له.
تجدر الإشارة إلى أن موقف مصر من قوة الاستقرار، تمثل فى الإعلان المبكر من جانب وزارة خارجيتها، الذى يطالب بأن تكون مهمة هذه القوة، هى مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتهيئة بيئة آمنة داخل القطاع. وقد يعنى هذا الموقف أن مصر لا تؤيد إيكال مهمة نزع سلاح حماس لأى قوة أجنبية، وتفضل تنفيذ ذلك عبر التفاوض؛ ومن ثم فإنها لن تشارك فى مثل هذه القوة قبل معرفة حدود التفويض الممنوح لها.
خلاصة القول فى هذا السياق، إن قضية نزع سلاح حماس ربما ستكون أخطر العقبات أمام تنفيذ خطة ترامب فى غزة.
رابعا: من الواضح أن حكومة الاحتلال ستستغل غياب مسألة انسحاب جيشها من قطاع غزة فى الإعلان الأمريكى عن بدء المرحلة الثانية، بينما كانت خطة ترامب تضعه ضمن هذه المرحلة عند إطلاقها والشروع فى تنفيذ مرحلتها الأولى فى أكتوبر الماضي؛ وهو ما سيجعلها قادرة على المماطلة فى إنجاز الانسحاب، حتى لو تمت تجزئته بالتوازى مع مراحل نزع سلاح. فقد ذكرت بعض التقارير أن هناك خطة أمريكية لنزع سلاح حماس بشكل تدريجي؛ بحيث تبدأ بتدمير البنى العسكرية التحتية من أنفاق ومصانع أسلحة، يتبعها نزع الأسلحة الثقيلة كالقاذفات والصواريخ، ووضعها فى أماكن لا تُستخدم ضد الكيان الإسرائيلى، والذى سيرفض البدء فى الانسحاب قبل انتهاء مراحل نزع سلاح حماس والفصائل، بحجة أنها لن تغامر بأمنها مهما كانت الضغوط الواقعة عليها؛ ومن ثم يمكن أن يتسبب هذا الموقف فى تأخير تطبيق المرحلة الثانية برمتها، لأمد غير محدد.
خامسا - تبدو مسألة إعادة إعمار غزة مرشحة لقدر كبير من التباين بين منظور فلسطينى وعربى، وفى القلب منه مصرى، يتسم بالشمولية لكل مناطق القطاع، وفق خطة محددة المراحل وآليات التنفيذ والتمويل، تم إقرارها فى قمة عربية طارئة بالعاصمة الجديدة بمصر فى الرابع من مارس الماضى، بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسى، ثم اعتمدها وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامى ووضعتها لجنة إدارة غزة ضمن حركتها المقبلة، ورؤية أمريكية تكشفت ملامحها فى الأسبوع قبل الماضى فى احتفالية التوقيع على وثيقة مجلس السلام على هامش فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس، تحت ما يسمى بمخطط "غزة جديدة" ليعاد من خلاله بناء الأراضى الفلسطينية المدمرة من الصفر، وتم خلالها عرض مجموعة من الشرائح، التى تظهر العشرات من ناطحات السحاب الممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط والمجمعات السكنية فى منطقة رفح، بالإضافة إلى خريطة توضح التطوير المرحلى للمناطق السكنية والزراعية والصناعية الجديدة لسكانها البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.
وطبقا لخريطة "المخطط الرئيسى" فستكون هناك منطقة مخصصة لـ"السياحة الساحلية"، حيث سيكون هناك 180 برجاً، بالإضافة إلى عدد من المواقع لـ"المناطق السكنية" و"المجمع الصناعى ومراكز البيانات والتصنيع المتقدم" و"المتنزهات والمرافق الزراعية والرياضية"، كما سيجرى بناء ميناء بحرى ومطار جديد، وتشير شريحة أخرى إلى أن "رفح الجديدة" ستضم أكثر من 100 ألف وحدة سكنية دائمة و200 مركز تعليمى و75 منشأة طبية، وسيكون هناك "معبر ثلاثى" حيث تتلاقى حدود مصر والكيان الإسرائيلى، غير أن الخريطة تظهر أيضا شريطاً فارغاً من الأرض يمتد على طول هذه الحدود.
ويبدو أن هذا يمثل ما تشير إليه خطة ترامب المكونة من 20 نقطة على أنه "المحيط الأمني" حيث ستبقى قوات الاحتلال "حتى تصبح غزة آمنة بشكل مناسب" بالطبع وفق ما تقرره تل أبيب.. وستنقسم عملية إعادة التطوير إلى أربع مراحل، تبدأ فى رفح ثم تنتقل تدريجياً شمالاً نحو مدينة غزة.. فيما يجرى الاستعداد لاستضافة واشنطن مؤتمرا خلال الأسابيع المقبلة، لجمع مساهمات الدول المانحة وتحديد الفرص الاستثمارية المذهلة" للقطاع الخاص، حسب تعبير "كوشنر" الأكثر حماسا لتنفيذ المخطط، وهو ما يثير مخاوف حول مراميه.. فهل يهدف إلى تغيير المعادلة الحياتية لسكان غزة، أم إعادة إنتاج لتصور ترامب الذى طرحه من قبل بشأن إقامة "ريفيرا شرق أوسطية، فى القطاع لتكون نقطة جذب لأثرياء العالم.. لأن الإقامة بالأبراج والمنتجعات، لن تكون بمقدور الفلسطينيين الذين سيتعرضون لمكابدات من نمط أشد وطأة، وهم يشاهدون أرضهم توظف باتجاه لا يتسق مع تطلعاتهم.
على أى حال، فإنه حتى بعد تشكيل مجلس السلام، لا يزال نتنياهو لا يقبل بالخطوات العملية المطلوبة منه لتنفيذ المرحلة الثانية، حيث يجرى دراسة إمكانية تكثيف الإجراءات، والإصرار على فرض "حق النقض" على معظم متطلبات هذه المرحلة، وهو ما سيتطلب من الرئيس ترامب باعتباره رئيس مجلس السلام، الذى يمثل المرجعية العليا ألا يقبل بانهيار خطته وإثبات فشله فى تحقيق السلام، بوضوح رفض كل مماحكات ومراوغات نتنياهو، والأهم أن يزيحه عن ملف غزة وهو يمتلك مقومات ذلك.. بيد أن المعضلة تكمن فى إعلانه الدائم أنه يحب "بيبو".. فهل يقفز على هذا الحب ليدفع بخطته إلى الأمام؟
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
لقاءات إستراتيجية بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والشيخ محمد بن زايد.. تفاصيل
التعديل الوزارى الجديد.. تكليفات رئاسية محددة وأهداف واضحة
مناقشات الرئيسين عكست الروابط العميقة والمتجذرة.. مصر والصومال علاقات أخوية تاريخية
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام