نحن والعالم



حين تستعيد الدولة أنفاسها.. عودة الحياة إلى المدن السودانية بعد انحسار الحرب

28-1-2026 | 00:49
د. محمد فؤاد رشوان - خبير الشئون السياسية الإفريقية

عودة مؤسسات الحكم السودانية إلى مقرها الطبيعى فى الخرطوم تشكل نقطة تحوّل مفصلية بعد غياب اضطرارى دام قرابة ثلاثة أعوام
 
تاريخ الدولة السودانية الحديث يكشف عن أزمة مزمنة فى الفصل بين السيطرة الأمنية والحضور المؤسسى
 
التحدى الأكبر أمام الدولة الآن هو الانتقال من «منطق البقاء» الذى فرضته الحرب إلى «منطق الخدمة» الذى يفرضه السلام 
 
لم تكن عودة الحركة إلى بعض شوارع الخرطوم وأم درمان وبحرى، مجرد مشهد عابر فى سياق الحرب السودانية الممتدة، بل عكست تحوّلًا أعمق فى طبيعة الصراع نفسه، فبعد شهور من الفوضى وتفكك مؤسسات الدولة، بدأت المناطق التى استعادت الحكومة السودانية السيطرة عليها، تشهد محاولات جادة لإعادة تشغيل الحياة العامة، فى اختبار حقيقى لقدرة الدولة على الانتقال، من منطق البقاء إلى منطق الاستعادة.
 
فى هذا السياق، جاءت عودة مؤسسات الحكم السودانية إلى مقرها الطبيعى فى الخرطوم، مطلع يناير 2026 الجارى، لتشكل نقطة تحوّل مفصلية، بعد غياب اضطرارى دام قرابة ثلاثة أعوام، أُديرت خلالها شئون البلاد من بورتسودان تحت ضغط الحرب وتداعياتها المتشابكة. ولم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء إدارى لملء فراغ مكانى، بل حملت أبعادًا سياسية ورمزية لافتة للنظر، بوصفها إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة تسعى فيها الدولة إلى احتواء آثار الصراع المسلح واستعادة توازنها المؤسسى المفقود.
وبالعودة إلى العاصمة التى مثّلت الشرارة الأولى للاقتتال منذ إبريل 2023، بدأت الخرطوم تستعيد حضورها الوظيفى تدريجيًا، مع مباشرة عدد من الوزارات أعمالها من مقارها المركزية، فى وقت يعلّق فيه الشارع السودانى آمالًا واسعة على تحسن ملموس فى مستوى الخدمات واستقرار الأوضاع العامة. فبعد أن تحولت المدينة إلى رمز للنزوح الواسع والدمار وتدهور الأحوال المعيشية، تكتسب هذه العودة دلالة خاصة، باعتبارها محاولة لإعادة تطبيع الحياة العامة، وترميم العلاقة المتآكلة بين الدولة والمواطنين، على أساس استعادة الدور الخدمي، لا الاكتفاء بالحضور الرمزى.
ومن منظور أوسع، تبرز هذه التطورات لتعيد طرح سؤال جوهرى حول طبيعة الدولة فى سياق النزاعات المعاصرة؛ إذ لم يعد حضورها يُقاس بمدى سيطرتها العسكرية وحدها، بل بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، من توفير الأمن وتقديم الخدمات إلى ضمان حد أدنى من الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى، ومن ثم، تتجاوز التحركات الأخيرة فى بعض المدن السودانية بعدها الأمنى المباشر، لتتحول إلى اختبار سياسى مركزى: هل تنجح الدولة فى ترجمة السيطرة الميدانية إلى استعادة حقيقية للحياة؟
من استعادة الأرض إلى إعادة تشغيل الدولة
تاريخ الدولة السودانية الحديث، يكشف عن أزمة مزمنة فى الفصل بين السيطرة الأمنية والحضور المؤسسى، ففى مراحل سابقة، كثيرًا ما استعادت الحكومة مناطق جغرافيًا، دون أن تنجح فى إعادة بناء الثقة مع المجتمعات المحلية، أو استعادة وظائف الدولة الأساسية، غير أن المشهد الراهن يفرض مقاربة مختلفة، حيث باتت استعادة الحياة اليومية شرطًا أساسيًا لتكريس الاستقرار.
فى المناطق التى استعادت الحكومة السيطرة عليها، ظهرت مؤشرات أولية على عودة الدولة بوصفها فاعلًا خدميًا، من خلال إعادة فتح بعض المستشفيات، واستئناف العمل فى المرافق الحكومية، وعودة أقسام الشرطة، فضلًا عن تشغيل محدود لمحطات المياه والكهرباء، وبرغم محدودية هذه الخطوات، فإنها تمثل فارقًا جوهريًا بين مناخ الفوضى وبداية استعادة النظام العام.
الخدمات العامة: عودة مشروطة بالاستقرار 
عودة الخدمات الصحية والتعليمية، تمثل أحد أبرز مؤشرات استعادة الدولة لوظيفتها الاجتماعية. ففتح المستشفيات، حتى بقدرات محدودة، يخفف من العبء الإنساني، بينما تعكس عودة المدارس - ولو جزئيًا - محاولة لاستعادة الاستقرار النفسى والاجتماعى.
وفى مجال الصحة دشنت وزارة الصحة بولاية الخرطوم حملة واسعة لطوارئ فصل الشتاء ومكافحة نواقل الأمراض، بمشاركة قيادات الوزارة ومحلية أم درمان، وبالتنسيق مع مفوضية العون الإنسانى، ومنظمة رعاية الطفولة الداعمة للحملة، وتركز الحملة على تكثيف أعمال التفتيش المنزلى والبيئى، للحد من انتشار حمى الضنك والأمراض المنقولة، على أن تستمر لمدة شهر، فى مسعى لخفض معدلات الإصابة وتقليل نسب الوفيات، بما يعكس توجهًا نحو استعادة الدور الوقائى للدولة فى المجال الصحي، بعد مرحلة طويلة من تراجع الخدمات تحت وطأة الحرب.
فى سياق استعادة المرافق الصحية الحيوية، جرى إعادة تشغيل عدد من المستشفيات المرجعية فى ولاية الخرطوم، من بينها مستشفى الخرطوم بحرى التعليمى ومستشفى أحمد قاسم، فى خطوة تعكس عودة تدريجية للقطاع الصحى إلى أداء دوره الخدمى بعد فترة طويلة من التوقف والضغط الشديد الذى فرضته الحرب، وتأتى هذه الخطوة ضمن مسار أوسع، لإعادة بناء المنظومة الصحية داخل العاصمة، بما يلبّى الاحتياجات الأساسية للسكان، ويخفف من الأعباء المتراكمة على الخدمات العلاجية.
وتشير المعطيات المتاحة إلى تحقيق تقدم ملموس فى استعادة وتشغيل المؤسسات الطبية داخل الخرطوم، حيث تجاوزت نسبة عودة المرافق الصحية إلى الخدمة الغالبية العظمى من المنشآت الطبية، بما يعكس تحسنًا نسبيًا فى قدرة القطاع على استيعاب الحالات المرضية، وتقديم الخدمات الأساسية. كما شملت جهود التأهيل إدخال تجهيزات طبية متقدمة، من بينها أجهزة تشخيصية ومحطات لإنتاج الأوكسجين، إلى جانب الترتيب لبدء خدمات طبية تخصصية كانت متوقفة خلال فترة النزاع، بما فى ذلك عمليات القسطرة وبرامج زراعة الكلى.
وفى بعده الإستراتيجى، تندرج هذه التطورات ضمن توجه، يستهدف توطين الخدمات الطبية المتقدمة داخل البلاد، والحد من الاعتماد على العلاج فى الخارج، بما يسهم فى تقليل الأعباء الاقتصادية على المواطنين والدولة على حد سواء، كما يُنظر إلى مشاريع التطوير الصحى الكبرى فى العاصمة، باعتبارها ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة فى القطاع الصحى الوطني، وخطوة داعمة لتعزيز مكانة السودان مستقبلًا، فى مجال الخدمات الطبية المتخصصة والسياحة العلاجية، ضمن مسار طويل لإعادة التعافى بعد الحرب.
أما على الصعيد الأمنى، فقد عادت قوات الشرطة إلى ممارسة مهامها بكامل طاقتها، فى خطوة تستهدف إعادة فرض الأمن العام، ومواجهة المخاطر المتراكمة، وتأمين المواطنين من المظاهر السلبية التى تفاقمت خلال فترة الحرب، وشملت هذه الجهود المشاركة فى ملاحقة فلول الميليشيات بولاية الخرطوم، وضبط الخلايا النائمة، والتصدى لظاهرة انتشار السلاح، وذلك فى إطار مساعٍ أوسع لاستعادة هيبة الدولة.
 وقد نفذت الشرطة أكثر من ثلاثين طوقًا أمنيًا، أسهمت فى تحسين الأوضاع الأمنية وخفض معدلات الجريمة فى المناطق المستهدفة. كما استكملت الأجهزة الشرطية جاهزيتها اللوجستية، من خلال إعادة تشغيل غرفة بلاغات الطوارئ، وتأهيل غرفة المراقبة المركزية المزودة بالكاميرات، إلى جانب انتظام العمل الجنائى وخدمات المرور فى مختلف الأقسام المختصة، مع استمرار تطوير القدرات الشرطية، بما يتواكب مع متطلبات مرحلة ما بعد الحرب.
إلا أن هذه العودة تظل مشروطة بعوامل متعددة، أبرزها استدامة الوضع الأمنى، وتوافر الموارد، وقدرة الدولة على إدارة هذه المرافق فى بيئة ما بعد النزاع. فالتحدى لا يكمن فى إعادة الفتح فقط، بل فى ضمان الاستمرارية والجودة، وهو ما لا يزال يمثل معضلة حقيقية. 
الأسواق والاقتصاد اليومى: مقاومة المجتمع للانهيار
وبالتوازى مع عودة الدولة، يلعب المجتمع المحلى دورًا محوريًا فى استعادة مظاهر الحياة الاقتصادية، فقد بدأت الأسواق الشعبية تعود تدريجيًا فى بعض المدن، وعادت حركة النقل والتبادل التجارى المحدود، فى مؤشر على قدرة المجتمع السودانى على التكيّف مع الأزمات.
ففى سوق أم درمان، الذى يعد من أقدم أسواق السودانية الشعبية، ويمثل القلب النابض للحياة التجارية ومقصدًا للمواطنين من داخل المدينة وخارجها بدأ فى استعادة النشاط به بشكل تدريجى، يبشر بقرب استعادة وضعه الطبيعى برغم نقص إمدادات المياه والكهرباء إلى السوق.
بينما فى سوق الخرطوم المركزي، تعود ملامح الحياة بحذرٍ واضح، الفاكهة والخضراوات عادت لتملأ الممرات الضيقة، وإن كانت بأحجام أقل وعلى أكشاك مؤقتة تعكس آثار الحرب، ولا تزال الحركة محدودة، لكن وجود الباعة والمتسوقين يمنح السوق نبضًا افتقده طويلًا، وبرغم تحسن الأوضاع الأمنية مقارنة بفترة القتال، فإن السوق لم يستعد عافيته الكاملة؛ فارتفاع الأسعار، وصعوبة وصول البضائع، وتدهور العملة، كلها تحديات تثقل كاهل النشاط التجاري، ومع ذلك، تمثل عودة السوق إشارة رمزية إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وبداية مسار بطيء لتعافى الحياة الاقتصادية فى قلب العاصمة.
لكن هذا التعافى يظل هشًا، ومعرضًا للانتكاس فى ظل تقلب الأوضاع الأمنية، وضعف العملة الوطنية، وغياب رؤية اقتصادية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب.
الزراعة وعودة الريف إلى معادلة الاستقرار
لا يمكن الحديث عن تعافى المدن السودانية بمعزل عن الريف، فالزراعة تمثل العمود الفقرى للاقتصاد والمجتمع، وعودة النشاط الزراعى فى بعض المناطق الآمنة نسبيًا، تساعد فى إعادة التوازن بين المدينة والريف، وتقليص موجات النزوح، وتحسين الأمن الغذائي.
ففى أعقاب سنوات قاسية من الحرب الممتدة منذ عام 2023، بدأ القطاع الزراعى السودانى يتحسس طريقه ببطء نحو التعافي، بعد أن كان أحد أكثر القطاعات تضررًا بفعل النزاع المسلح. فقد أعادت الحرب رسم المشهد الريفى، ودفعت الزراعة من موقعها التقليدى كركيزة أساسية للاقتصاد الوطنى إلى دائرة الإنهاك والهشاشة، نتيجة تراجع الإنتاج، وتضرر أنظمة الري، ونهب الآليات والمخازن، وتعطّل سلاسل الإمداد فى ولايات زراعية محورية مثل الجزيرة وسنار والنيلين الأبيض والأزرق. ومع انكماش المساحات المزروعة وتقييد حركة المزارعين، فقدت مواسم زراعية كاملة قدرتها على الإسهام فى الأمن الغذائي.
وبرغم قتامة المشهد، لم يتوقف النشاط الزراعى كليًا، ففى ولايات أكثر استقرارًا نسبيًا، مثل القضارف وأجزاء من شرق السودان، استمرت عمليات الزراعة بوتيرة متفاوتة، مع تسجيل مساحات واسعة مزروعة بمحاصيل إستراتيجية، أبرزها الذرة والقمح. هذا الصمود الجزئى حال دون الانهيار الكامل، وفتح نافذة أمام تدخلات دولية وتنموية، استهدفت تثبيت الإنتاج الزراعى ومنع تفاقم أزمة الغذاء.
وفى هذا الإطار، برز مشروع “ثبات” الذى يديره البنك الدولى بوصفه إحدى أهم المبادرات المنظمة لإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي، حيث ركز على دعم المدخلات الزراعية وتمكين المجتمعات الريفية، وربط التعافى الزراعى بالصمود المجتمعي. وقد أسهم توفير التقاوى والأسمدة والتدريب الفنى لآلاف المزارعين فى استعادة الحد الأدنى من الدورة الإنتاجية، وظهرت مؤشرات أولية على تحسن الحصاد فى بعض المناطق، لا سيما خلال موسمى الخريف والشتاء، بما أعاد جزءًا من الثقة إلى الأسواق المحلية.
غير أن هذا التعافى يظل هشًا ومحدود النطاق. فمعاناة الزراعة فى السودان لم تكن فنية فقط، بل بنيوية، إذ ترافقت الحرب مع انسحاب الدولة من أدوارها التنظيمية، وتراجع التمويل الزراعي، وتآكل شبكات الحماية الاجتماعية، ما جعل صغار المزارعين والنساء الريفيات الأكثر عرضة للصدمات، وقد شهدت غالبية الأسر الزراعية انخفاضًا حادًا فى الإنتاج والدخل، بفعل صعوبة الوصول إلى الأراضي، وارتفاع كلفة المدخلات، وتعطل الطرق المؤدية إلى الأسواق.
وتتجلى خطورة الوضع بشكل أكبر فى مناطق النزاع النشط، حيث أدى تراجع النشاط الزراعى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتسريع دوامات الفقر والنزوح، ما جعل الزراعة عاملًا حاسمًا فى معادلة الاستقرار المجتمعي، وليس مجرد قطاع اقتصادى متضرر. وحتى فى الولايات التى تراجع فيها العنف، مثل الجزيرة، لم يستعد النشاط الزراعى زخمه السابق، نتيجة تدهور البنية التحتية وضعف الثقة بين المنتجين والأسواق.
فى المحصلة، تشير المؤشرات الراهنة إلى أن القطاع الزراعى السودانى، لم يفقد قدرته الكامنة على التعافي، لكنه يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، واستثمارات موجهة، وإصلاحات مؤسسية حقيقية، حتى يتحول التعافى الجزئى إلى مسار مستدام، يعيد للريف دوره بوصفه قاعدة الأمن الغذائى والاستقرار الاقتصادى فى مرحلة ما بعد الحرب.
المجتمع بين الأمل والحذر
تعيش المجتمعات فى لحظات التحوُّل التاريخى لحظةً مركَّبةً، يتداخل فيها شوقٌ جامحٌ نحو الغد مع ذاكرةٌ موجعةٌ من الأمس، وهذه الحال بكل تفاصيلها تعيشها السودان اليوم، حيث تتقاطع بوادر الأمل مع قدر عميق من التحفُّظ والحذر، مشكِّلةً نسيجًا اجتماعيًّا معقَّدًا، يحمل فى طيَّاته رغبةً فى الانطلاق وخوفًا من الانتكاس.
فمن ناحية، تُلمس مظاهر إيجابية تبعث على التفاؤل؛ عودة بعض مظاهر الحياة الطبيعية إلى شوارع الخرطوم، واستئناف عمل مؤسسات الدولة، وبدايات عودة النازحين إلى ديارهم، هذه الخطوات، وإن كانت أولية، فإنها تمثِّل انفراجًا بعد سنوات من الانغلاق، وتُشعِل شمعة أمل لدى كثيرين بأن الحرب قد بدأت تُطوى صفحاتها الأخيرة.
لكن من ناحية أخرى، يصطدم هذا الأمل بجدار حذرٍ عالٍ، تشيِّده الذاكرة الجمعية للسودانيين. سنوات من الصراع المرير تركت آثارًا عميقة؛ نزوحٌ جماعيّ، ودمارٌ هائل، وانعدامٌ للأمن، وانهيارٌ للخدمات الأساسية. هذه التجربة المُرّة جعلت المواطن أكثر واقعيةً، بل شكاك، لقد تعلَّم أن التغيُّرات السطحية لا تضمن استقرارًا دائمًا، وأن البناء أبطأ وأصعب من الهدم.
يتجسَّد هذا الحذر الواعى فى حركة النازحين أنفسهم، فالعودة إلى الديار لا تتم باندفاع عاطفي، بل بحسابات أمنية باردة وتدريجية، فكثيرون يعودون بشكل “مؤقَّت”، كاستطلاع للمشهد واختبار لجدية التحسُّن واستدامته. إنها عودة تبحث عن ضمانات ملموسة، قبل أن تتحوَّل إلى إقامة دائمة. فالمواطن الذى دفع ثمن الصراع من دمه وعرقه وماله، لم يعد يُسْكِته خطابٌ تفاؤليٌّ عام، بل ينتظر برهانًا عمليًّا على أن الدولة قادرة حقًّا على حمايته وخدمته.
هذا التوتر بين الأمل والحذر ليس ضعفًا، بل قد يكون قوة، إنه مؤشِّر على نضجٍ مجتمعى اكتسبته السودان بثمن باهظ. فالأمل بلا حذر قد يقود إلى خيبات متجددة، والحذر بلا أمل قد يُمرض الإرادة ويعطِّل الحركة. السودان اليوم، بهذا المزاج الوجدانى المعقَّد، يبنى غده خطوةً بخطوة، حيث يتحوَّل الحذر إلى ضمانة لعدم العودة إلى الماضي، ويُصبح الأمل محرِّكًا صامتًا نحو المستقبل. إنها عملية شاقة لاستعادة الثقة، لا فى النظام السياسى فحسب، بل فى إمكانية الحياة نفسها.
وختامًا، تمثل عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم مجرد بداية لرحلة طويلة ومعقدة: رحلة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، بعد سنوات من الحرب والصدمة الجماعية، فالمواطن السودانى، الذى عاش مرارة الانهيار الأمنى وغياب الخدمات، لا يكفيه اليوم إعلان الاستقرار، بل ينتظر برهاناً عملياً على تحول الدولة من كيان مسيطر إلى جهة خادمة وحامية.
لذا، فإن معادلة الثقة فى مرحلة ما بعد الحرب لا تحلّها الأعلام المرتفعة أو الخطابات الرسمية وحدها، بل تحلّها المؤشرات اليومية الصغيرة؛ عودة المياه والكهرباء بانتظام، استقرار أسعار الغذاء، استجابة الشرطة لمخاوف الناس، حضور الطبيب فى المستشفى، هذه التفاصيل الحياتية هى اللغة التى يفهمها المواطن ويترجمها إلى ثقة.
إن التحدى الأكبر أمام الدولة الآن هو الانتقال من “منطق البقاء” الذى فرضته الحرب، إلى “منطق الخدمة” الذى يفرضه السلام، كل خطوة فى استعادة الخدمات، كل جهد لاستئناف التعليم والصحة، كل تحسن فى الأمن اليومي، هو لبنة فى جسر الثقة المنهار، بناء هذا الجسر يتطلب صبراً واستمرارية، لأنه يستعيد، مع الحياة اليومية، إيمان الناس بإمكانية العيش المشترك تحت سقف دولة واحدة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام