نحن والعالم



بعد تراجع ترامب المفاجئ عن الاستيلاء عليها.. السيناريوهات المتوقعة لـ «جرينلاند»

28-1-2026 | 01:04
رشا عامر

الحل المستدام لا بد أن يحقق ثلاثة شروط أساسية أولها احترام سيادة الدانمارك وحقوق الجرينلانديين
 
فتح مسار تفاوض ثلاثى رسمى بين الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة جرينلاند بوساطة حلف الناتو وأوروبا سيضمن الشفافية
 
السيناريو الأكثر احتمالية عمليا تحديث اتفاقية دفاعية تمنح الولايات المتحدة وأحيانا حلفاء الناتو حقوق وصول وتشغيل طويلة الأمد مصحوبة بحوافز اقتصادية لجرينلاند
 
 
استمر تصدر موضوع جرينلاند للعناوين الرئيسية العالمية، خصوصا بعدما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أنه توصل إلى إطار عمل لاتفاق مستقبلى بشأن الجزيرة بعد لقائه بأمين عام الناتو مارك روته على هامش منتدى دافوس، الإعلان أعاد إشعال نقاشات قديمة، حول النفوذ العسكرى والاقتصادى فى القطب الشمالى، وأثار ردود فعل متباينة من الدانمارك وجرينلاند وحلفاء آخرين، من هنا كان لابد من تحليل آفاق الحلول الواقعية، سواء سياسية أم قانونية أم أمنية أم اقتصادية، وعرض السيناريوهات المتوقعة مع إلقاء الضوء على أهم المعوقات.
 
القصة بدأت بعدما أعلن ترامب أنه أبرم إطار عمل مع أمين عام الناتو يضمن - على حسب ما قاله ترامب - وصولا دائما وممتدا للولايات المتحدة إلى مناطق فى جرينلاند، بما فى ذلك إمكانية تأمين الوجود العسكرى الأمريكى فى مواقع إستراتيجية مثل قاعدة بيتوفيك، ومن هنا بدأت المشكلة، حيث أكدت الدانمارك وجرينلاند أن سيادة جرينلاند خط أحمر، ثم جاءت أوروبا لتعبر عن قلقها إزاء أية تسوية تمس قواعد القانون الدولى أو تهمش الأطراف المحلية، وبالتالى تم نقل تقارير تعلن أن تفاصيل الإطار غير واضحة، وأن المباحثات بين العسكريين والدبلوماسيين لا تزال جارية.
يتضح من هنا عناصر المشكلة التى يجب حلها، وهى أولا السيادة القانونية فجرينلاند هى دولة تابعة للمملكة الدانماركية ولها حكم ذاتى كبير، وأى تعديل فى وضع السيادة أو تنازل عنها، سيستلزم موافقات دستورية وسياسية معقدة داخل الدانمارك وعلى مستوى القانون الدولى، ثانيا، هناك القبول المحلى والمتمثل فى رأى سكان جرينلاند أنفسهم، والذى جاء حاسما بالرفض الشعبى القاطع لأى فكرة بيع أو تنازل عن الأرض وبناء عليه فإن أى تجاهل لهذا العامل سيؤدى إلى أزمة شرعية كبيرة، ثالثا هناك البعد الإستراتيجى، حيث إن الوجود العسكرى فى جرينلاند مهم للولايات المتحدة وحلف الناتو، خصوصا للمراقبة الفضائية والإنذار المبكر، كما أن المنافسة الجيوستراتيجية مع روسيا والصين تعطى الموضوع بعدا أمنيا، رابعا وأخيرا هناك العلاقات الدانماركية - الأمريكية مع حلف الناتو والتى تعنى أن أى حل يجب أن يحافظ على تحالفات الأطراف، وإلا فستحدث اضطرابات دبلوماسية واسعة النطاق.
من هنا تبرز محاولة إيجاد معايير واقعية لحلول مقبولة، الواقع يقول إن الحل المستدام لابد أن يحقق ثلاثة شروط أساسية، أولها احترام سيادة الدانمارك وحقوق الجرينلانديين، ثانيها ضمان الأمن العملياتى لحلف الناتو والولايات المتحدة وثالثها إيجاد توافق دولى يقلل من الاحتكاك مع القوى الإقليمية الأخرى، وأى مقترح يفشل فى تلبية أحد هذه الشروط، سيواجه رفضا عمليا وسياسيا.
 
سيناريوهات الحل الممكنة
أما سيناريوهات الحلول التى يمكن الاعتماد عليها، فتتركز على عدة مقترحات:
أولا: تحديث اتفاقية دفاع ثنائية مع حلف الناتو، فبدلا من شراء أو نقل سيادة، يتم تحديث الاتفاقية الدفاعية بين الدانمارك والولايات المتحدة (واتفاقية 1951 الأصلية)، لتمنح الولايات المتحدة وصولا دائما وامتيازات تشغيلية موسعة فى قواعد محددة مع ضمانات دستورية وبرلمانية دانماركية وربما مشاركة أكبر مع حلف الناتو، ويمتاز هذا السيناريو بأنه يحترم سيادة الدانمارك، ويقلل ردة فعل السكان المحليين، خصوصا إذا تزامن ذلك مع تقديم مزايا اقتصادية وأمنية لجرينلاند، كما أنه يعد حلا عمليا وعسكريا ويوفر إطارا دوليا مقبولا قانونيا، لكن قد يواجه هذا السيناريو اعتراضا شعبيا فى جرينلاند، ويتطلب تفاهما مع البرلمانات الدانماركية والجرينلاندية، كما أنه قد يثير قلق بعض أطراف الناتو، أو يثير مخاوف من استبعاد بعض الحلفاء.
السيناريو الثاني: يتمثل فى عمل ترتيبات سيادية جزئية مشابة لقبرص، بمعنى إنشاء مناطق محددة داخل جرينلاند، حيث تكون الولايات المتحدة مسئولة عن الأمن داخلها، لكن السيادة الرسمية تبقى للدانمارك، ويتيح هذا السيناريو تحكما عمليا لمتطلبات الأمن الأمريكى دون بيع شامل للجزيرة، ولعل نموذج بريطانيا فى قبرص يظهر قابلية التطبيق، ولكن المشكلة هنا أنه سيعد تدخلا فى سيادة البلد وقد يتم رفضه محليا، حيث إنه يحتاج إلى تفصيلات دقيقة حول الحقوق والالتزامات والمدة، كما أنه قد يظل مصدر قلق سياسى بين الدانمارك وجرينلاند.
السيناريو الثالث: يدور حول اتفاق أمنى متعدد الأطراف يقوده الناتو، ويعمل على تحويل جزء من الترتيبات إلى آلية يتولاها حلف الناتو نفسه، حيث تتقاسم عدة دول من أعضاء الحلف حاليا مسئولية الدفاع عن الجزيرة مقابل دعمها اقتصاديا وتنمويا، وقد يخفف هذا السيناريو من مظهر الاستحواذ الأمريكى ويشرك أوروبا فى العبء الأمنى، ولكنه سيتطلب موافقات أعضاء الحلف، كما سيتطلب أيضا تنسيقا لوجيستيا وسياسيا، وقد يعتبر هذا باعثا لتوطين مزيد من القوات الأجنبية داخل هذه المناطق.
السيناريو الرابع هو تقديم حزمة اقتصادية واستثمارات كبرى لجرينلاند، متمثلة فى بنية تحتية وفرص عمل وتنمية قطاع التعدين والطاقة، مقابل حقوق تشغيلية محددة وطويلة الأمد للولايات المتحدة.
وقد يحسن هذا سبل العيش ويخفف المقاومة السياسية، حيث سيقنع هذا العديد من السكان بالميل نحو التعاون، ولكنه ربما يثير اتهامات باستغلال الموارد وشراء الولاء، وقد تكون شروط العقد مثيرة للجدل قانونيا وسياسيا، ما قد يتسبب فى رفضه، خصوصا إذا لم يضمن الحماية البيئية وحقوق السكان الأصليين.
 
عوامل اختيار السيناريو المناسب
نستنتج من كل ذلك، أن هناك عوامل قد تحسم الجدل فى معرفة السيناريو الذى سينتصر، وهو أولا موقف جرينلاند المحلى، فأى حل يفتقر إلى مشاركة حقيقية للسلطات المحلية وسكان الجزيرة سيقابل بالرفض، ثانيا لابد للدانمارك أن تملك الكلمة الدستورية، لذا فنجاح أى حل لابد أن يمر عبر برلمانها وقيادتها السياسية، ثالثا لابد أن يكون هناك قبول بين أوروبا وحلف الناتو، لعمل ترتيبات أمنية موسعة لتقليل الاحتكاك، ومنح الحل طابعا مقبولا سواء سياسيا أم قانونيا.
من هنا، فإن  فتح مسار تفاوض ثلاثى رسمى بين الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة جرينلاند، بدعوة بوساطة حلف الناتو وأوروبا سيضمن الشفافية، كما يمكن  تحديث اتفاقية دفاعية واضحة زمنيا وقانونيا، لتحديد حقوق الوجود والوصول والالتزامات البيئية والاجتماعية مع آليات رقابة مشتركة، كذلك إجراء حزمة تنموية تضمن استثمارا فى البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم لضمان قبول السكان المحليين، مع وضع إشراف دولى يتضمن ممثلين من الناتو ومجلس حقوق الإنسان وجهات أخرى مستقلة لضمان احترام الاتفاقات وحقوق السكان والتعهد بعدم تغيير السيادة، كقاعدة مبدئية مع إمكانية إعادة النظر بشروط واضحة متفق عليها لاحقا، فى حال رغبت جرينلاند أو الدانمارك بذلك عبر استفتاء وموافقة دولية.
إذن فالسيناريو الأكثر احتمالية عمليا، هو تحديث اتفاقية دفاعية تمنح الولايات المتحدة وأحيانا حلفاء الناتو حقوق وصول وتشغيل طويلة الأمد مصحوبة بحوافز اقتصادية لجرينلاند وضمانات دستورية دانماركية، أما بيع السيادة الكامل فشبه مستحيل بينما حلول المناطق السيادية فهو ممكن، لكن يتطلب عناية كبيرة فى صياغة الحقوق، لكى يتضمن مشاركة السكان المحليين، فالنجاح يعتمد على توازن دقيق بين الأمن والشرعية والاقتصاد والبيئة، وإذا جرت المفاوضات بشفافية وبمشاركة فعلية للجرينلانديين ومع إشراك دبلوماسى أوروبى ووجود حلف الناتو كضامن، فهناك فرصة لحل عملى ومستقر، وإلا فسيشهد العالم توترات دبلوماسية محلية وإقليمية مستمرة.
 
حلول أوروبية
قدمت أوروبا بالفعل اتفاقا إطاريا، يتضمن نشر صواريخ أمريكية وحقوق تعدين مصممة لاستبعاد المصالح الصينية، وتعزيز وجود حلف الناتو، وهذا الحل الذى يحفظ ماء وجه جميع الأطراف فى نهاية المطاف، سيتألف وفقا لمصادر موثوقة من عقد إيجار غير محدد المدة للقواعد الأمريكية، ويقول ميشيل دوكلوس، خبير شئون الشرق الأوسط فى معهد مونتين، ومؤلف كتاب الدبلوماسية الفرنسية، إن هذا الحل سيؤدى فعليا إلى تنازل الدانمارك عن سيادتها ولكن على مساحة صغيرة، وإذا كانت هذه هى النتيجة فلن تكون كارثة، أما فرانسوا هايسبورج مستشار مؤسسة البحوث الإستراتيجية والمعهد الدولى للدراسات الإستراتيجية، فيرى أن حلا على غرار الحل القبرصى سينهى فى نهاية المطاف وبشكل مقبول أزمة، ستلحق ضررا بالغا بالعلاقة عبر الناتو، تلك العلاقة القائمة على الثقة والتى ما كان لها أن ترتبك، لو أن ترامب انتبه إلى جميع التدابير الأمنية التى تمتلكها الولايات المتحدة بالفعل، بموجب اتفاقية كوبنهاجن للدفاع لعام 1951.
ومع ذلك، أعلن مصدر فى حلف الناتو، أنه سيتم إعادة التفاوض على هذه الاتفاقية خشية تصاعد التوترات، وتمنح هذه الاتفاقية بالفعل صلاحيات مطلقة تقريبا للقوات المسلحة الأمريكية فى جرينلاند، على الرغم من وجوب إخطار السلطات مسبقا، وهو إجراء شكلى للحفاظ على السيادة الاسمية.
وفى النهاية، يثير التراجع المفاجئ من جانب دونالد ترامب فى رغبته الاستيلاء على جرينلاند الاستغراب، لا سيما مع حدة تصريحاته تجاه الدول الثمانى التى عارضته فى هذه القضية، ولكن الواقع يقول إن من بين العوامل التى تهم ترامب هى استطلاعات الرأى وول ستريت، وبالتالى فإنهما كانتا ضد هذه الخطة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى التراجع، خصوصا أن الجيش الأمريكى كان عليه أن يوصل رسالة مفادها، أن الغضب من هذه القطعة الجليدية مع الأوروبيين، الذين يقفون فى الخطوط الأمامية لاحتواء موسكو أمر غير حكيم.
كما أن أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية، ارتفعت بشكل حاد فى الأيام الأخيرة، بينما انخفض سوق الأسهم، وهو مزيج نادر ومقلق بالنسبة للبيت الأبيض، ومع ذلك فهو قلق بشأن ما سيحدث لاحقا نظرا لظروف هذه السلسلة الغريبة من الأحداث، التى دفعت الدول الأوروبية إلى نشر قوات لردع نظرائها الأمريكيين عن غزو أراضى دولة عضو فى الاتحاد الأوروبى، وهو ما يعد حلقة أخرى من حلقات غطرسة البيت الأبيض.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام