حياة الناس



طبيعة خلابة وطقس شتوى بديع وكنوز أثرية.. أسوان وجهة مصر الدافئة

28-1-2026 | 01:07
هبة عادل

مصدر جذب للاستثمارات وإقامة مشروعات اقتصادية متنوعة لا سيما فى مجال الطاقة المتجددة
رمالها الدافئة ومياهها الكبريتية تفيد فى علاج أمراض الروماتيزم والتهابات المفاصل
د. عبد المنعم سعيد: النقلة النوعية التى تشهدها أسوان بدأت مع اختيارها عاصمة للثقافة والاقتصاد وإقامة مؤتمر الشباب
د. مجدى شاكر: تشهد عددا من المشروعات السياحية المهمة 
فى طليعتها مشروع أسوان -كوم أمبو الأثرى 
 
كان يطلق عليها فى زمن الفراعنة اسم «سونو» ومعناها السوق، ثم حرفت لتصبح بالاسم الحالى «أسوان», وفى الوقت الراهن باتت تعرف بـ»أيقونة السحر والجمال» فى جنوب مصر، حيث تجمع بين الطبيعة النيلية الخلابة، والتاريخ العريق، فهناك العديد من الكنوز الأثرية التى تروى قصص الحضارات المتعاقبة.
وبشكل عام تعد أسوان متحفا تاريخيا مفتوحا يعرض حضارات مصر المتعاقبة, والممتدة لأكثر من 7 آلاف سنة، فضلا عن امتلاكها مقومات السياحة العلاجية، حيث تستغل رمالها ومياهها الكبريتية، فى علاج أمراض الروماتيزم والتهابات المفاصل، ناهيك عما تتميز به من ثقافة نوبية أصيلة يتوارثها سكانها جيلا بعد جيل، مما يجعلها واحدة من أفضل الوجهات السياحية عالميًا.
هبة عادل
محافظة أسوان لا تتوقف أهميتها عند عشاق السياحة فحسب، بعدما أصبحت مصدر جذب لاستثمارات من مختلف أنحاء العالم، لإقامة مشروعات اقتصادية متنوعة لا سيما فى مجال الطاقة المتجددة بفضل النقلة النوعية فى بنيتها التحية والتى قامت بها الحكومة المصرية على مدار السنوات العشر الماضية.
 ضمن الخطة الإستراتيجية للدولة المصرية لتحقيق التنمية الشاملة وتحسين حياة المواطنين، كان لمحافظة أسوان إقامة مشروعات متعددة، منها فى مجال الطاقة المتجددة ومعها باتت أسوان "عاصمة الطاقة الشمسية" فى إفريقيا والشرق الأوسط، بفضل مشروع "محطة بنبان" للطاقة الشمسية، وهى واحدة من أكبر المحطات فى العالم، وتهدف لتقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة. كذلك اهتمت الدولة بإقامة مناطق صناعية جديدة نظرا لما تمتلكه هذه المحافظة من ثروات طبيعية، لا سيما فى المنطقة الصناعية بالعلاقى والمنطقة الفوسفاتية بوادى هلال.
كما شهدت المحافظة تنفيذ مشروعات طرق ومحاور جديدة، مثل محور كلابشة فوق النيل، وتوسعة وتطوير كورنيش النيل، وإنشاء مطار أسوان الجديد، وتدشين مشروعات للإسكان الاجتماعى والمتميز، وتطوير شامل للقرى المدرجة ضمن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، وإنشاء مجمعات صناعية وحرفية جديدة. 
كما سعت الحكومة لاستثمار ما تتمتع به أسوان من مقومات سياحية وثقافية وعلاجية فريدة، فعملت على تحسين ورفع كفاءة المواقع الأثرية والفنادق التاريخية، والتركيز على مراكز الاستشفاء الطبيعى، باستخدام الرمال والمياه الكبريتية فى مناطق مثل جزيرة إلفنتين وجزيرة هيسا لعلاج الروماتيزم. فضلا عن إنشاء ممشى سياحى فى مدينة أسوان الجديدة، يضم بازارات ومحلات تجارية وكافيهات ومناطق خضراء ومراسى سياحية. 
من جهته يرى الدكتور عبد المنعم سعيد، مدير آثار أسوان وكومبو السابق، أن النقلة النوعية التى تشهدها أسوان بدأت مع اختيارها عاصمة للثقافة والاقتصاد ولاقامة مؤتمر الشباب الثانى، وأضاف: على مدار السنوات العشر الماضية تم تطوير منظومة التحول الرقمى بالكامل فى معبد فيلة، وأصبحت هناك زيارات سياحية خاصة فقط لمعبد فيلة وأبو سمبل، ومعه شهدت أسوان طفرة سياحية كبيرة نتيجة تضافر جميع الجهود، وهناك لزيادة أعداد السياحين تم تشغيل الطيران الشارتر لأسوان خاص بمنطقتى أبو سمبل ومعبد فيلة.
وتابع قائلا: أسوان تعتبر مدخلا لقارة إفريقيا وهناك اهتمام كبير من المؤسسات الدولية بها أبرزها قيام الأتحاد الأوروبى بعمل مشروع تطوير مشروع منطقة غرب أسوان، التى تضم مقابر النبلاء الشمالية والجنوبية ومنطقة الأغاخان ودير سمعان. وهذا المشروع سيحدث طفرة كبيرة لهذا الجزء من المنطقة، ويساعد فى زيادة عدد الليالى السياحية.
وتطرق للسياحية البيئية، التى تتمتع بها أسوان والتى أصبحت مقصدًا سنويا لعشاق متابعة الطيور المهاجرة، وقال: من خلال عملى كمرشد سياحى فى الأعوام السابقة، دائما ما يقوم السائح بمد أيام الزيارة، ونحن لدينا السياحة النيلية والسياحة العلاجى والسياحة والدينية الممثلة فى الديانة المصرية القديمة والمعابد والإسلامية الممثلة بمنطقة الأغاخان، والمسيحية فى دير الأنباء سمعان، كما يتم تأهيل وعمل مسار زيارة خاصة بمنطقة الأغاخان، وسيتم فتحها للزيارة.
وتحتاج أسوان حاليا إلى المزيد من مشروعات كثيرة فى مجال الفندقة والضيافة لاستيعاب أعداد السياح القادمين إليها والذى يزداد عاما تلو الأخر، لافتا النظر إلى أن هناك بيوتا نوبية فى غرب سهيل وقرية هيصة، يقيم فيها السياح وعددا من المنازل تستغل عدم وجود فنادق بشكل يتحمل زيادة الأعداد فى الفترات السابقة ويستفيدون من ذلك. كما تم تطوير الإضاءة من منطقة إدفو إلى منطقة أبو سمبل وتمهيد الطرق المؤدية للمعابد واللوحات الإرشادية والرؤية البصرية، وتهذيب الأشجار القريبة من النيل، والتى كانت تحد من رؤية المعابد.
من جهته, أكد الدكتور مجدى شاكر، كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار، أن أسوان كانت تعرف باسم "سونو" أو "سون" فى عصر المصريين القدماء، ومعناها السوق أو المركز التجارى لأنها كانت المركز التجارى بين شمال الوادى (مصر) وجنوب الوادى (السودان) وهى تقع ضمن حدود الإقليم الأول من أقاليم مصر العليا وهو إقليم أرض حملة الأقواس النوبة السفلى.
و قال: تتميز أسوان بكثرة الأماكن السياحية التى حصلت على شهرة واسعة، خصوصا التى تقع على ضفاف النيل مثل: جزيرة النباتات وجزيرة إلفنتين، وغيرها من المعابد كمعبد فيلة ومعبد كوم امبو. وفى السنوات الأخيرة كانت هناك مجموعة من الاكتشافات الأثرية المهمة فى محافظة أسوان، ومن أهم الاكتشافات فى السنوات الأخيرة، العثور على 330 مقبرة تعود لفترات مختلفة تشمل العصر المتأخر والفترة اليونانية والرومانية، بالقرب من ضريح الأغاخان غرب أسوان، وتضم هذه المقابر آلاف الدفنات من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية بين القرن السادس قبل الميلاد والثالث الميلادى. وكذلك العثور على 33 مقبرة إضافية، تحتوى على مومياوات وأدوات جنائزية، بما فى ذلك مومياء امرأة وطفل، والكشف عن مقبرة رقم 38 بداخلها تابوت حجرى ضخم مغطى بنقوش هيروغليفية دقيقة، تشمل اسم صاحب المقبرة "كا-ميسيو" وبعض أفراد عائلته.
وتابع الدكتور مجدى شاكر: تشهد أسوان عددا من المشروعات السياحية المهمة فى طليعتها مشروع أسوان - كوم أمبو الأثرى، ويهدف فى المقام الأول إلى فهم ودراسة الظروف الصحية للمصريين القدماء، خصوصا أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الأقل من المتوسطة من المجتمع، والذين كانوا يعيشون على أطراف الدولة المصرية القديمة، كما هى الحال فى أقصى الجنوب. والمشروع قائم منذ عام 2005 بمنطقة آثار أسوان والنوبة ويعمل على المسح الأثرى والتوثيق لمناطق عصور ما قبل التاريخ، ونجح المشروع فى عام 2016، فى الكشف عن أول حالة لنقص فيتامين سى فى الهيكل العظمى لطفل صغير، تم العثور عليه فى قرية يعود تاريخها إلى فترة ما قبل الأسرات (3500-3800) قبل الميلاد.
 
متحف النوبة
بينما يقول العالم الآثارى فهمى محمود الأمين، مدير آثار أسوان والنوبة: إن أسوان تعتبر من أهم المدن فى جنوب مصر وبوابتها الجنوبية عبر التاريخ، حيث كانت الرابط بين مصر وإفريقيا كمحطة ضرورية، تتوقف عندها جميع القوافل التجارية القادمة من النوبة عبر النيل، وتركز المرحلة المقبلة بشكل خاص على دراسة المومياوات الكبيرة التى تم العثور عليها أخيرا، باستخدام تقنيات التصوير بالأشعة المقطعية. كما يوجد متحف النوبة، ودير القديس الأنبا سمعان القبطى. وإذا تحركت لمسافة قصيرة شمالاً ستجد معابد إدفو وكوم أمبو، أما إذا غيرت وجهتك جنوباً مستقلاً قاربا فسيأخذك إلى معابد فيلة فى جزيرة إجيليكا. وهناك العديد من المعالم الرائعة لجزيرة كلابشة الجديدة، والتى تأخذك عبر رحلة بطول 300 كيلومتر جنوباً إلى المعابد الأسطورية فى أبو سمبل. ونعمل حاليا على متابعة مشروع التطوير والترميم الخاص بكل منطقة، وفى الآونة الأخيرة كانت هناك اكتشافات حديثة فى منطقة مقابر "قبة أبو الهوا"، وأُطلق عليه اسم "قبة الهوا" نسبة إلى ضريح أحد الأولياء المسلمين، وهو ضريح الشيخ على أبو الهواء، والموجود أعلى قمة الجبل فوق المقابر. 
وهناك "مقابر الأشراف" التى تقع على البر الغربى لنهر النيل بأسوان، وتُعرف بهذا الاسم نسبة إلى ضريح الشيخ على أبو الهواء الموجود أعلى التل، وقد حفرت هذه المقابر فى صخور التلال الواقعة شمال جزيرة إلفنتين، وتخص مجموعة من كبار الموظفين أثناء عصر الدولتين القديمة والوس طى، ولعل أشهر هذه المقابر تلك التى تخص حكام أسوان، الذين أوكلت إليهم مهمة القيام برحلات تجارية واستكشافية نحو الجنوب، ومن أهمها مقبرة كلاً من، حرخوف وسابنى ومخو من عصر الدولة القديمة، وسارنبوت من عصر الدولة الوسطى، وتبرز النقوش التى سُجلت على جدران هذه المقابر، الدور المهم الذى لعبه كبار الموظفين والنبلاء فى تلك الفترة من حملات استكشافية وتجارية وأخرى عسكرية.
وأشار إلى أهمية منطقة الأغاخان حيث مقبرة "الأغا خان" وهو السلطان محمد شاه الحسينى، وتقع على ربوة عالية وأوصى بالدفن فيها، وذلك بعد قضائه عدة سنوات فى المدينة، حيث تم علاجه فى رمالها، وقد صممت المقبرة على التراث المعمارى الإسلامى الفاطمى، وتحولت إلى مزار سياحى فى السنوات الأخيرة.
وتتميز أسوان بوجود العديد من المزارات السياحية الرائعة، فى طليعتها معبد أبو سمبل ويضم مجموعة من أروع الآثار فى العالم، والمعبد البطلمى الرائع فى مكان مهيب على أرض مرتفعة بجانب النيل تحيط به حقول القصب ولأن المعبد مشترك بين كل من حاروايريس الطبيب الصالح وسوبيك إله التماسيح، فهو مشهور بمدخليه المزدوجين والبهوين و"قدس الأقداس". ومن النقوش البارزة على الجدران رسم يبين معدات جراحية قديمة ومناشير عظام وأدوات لعلاج الأسنان، ويوجد بالقرب من ذلك المكان ثلاثة تماسيح محنطة وهى الآن فى مقصورة "حتحور".
وتقع على بعد 8 كم جنوب مدينة أسوان، "معابد فيلة" على "جزيرة إجيليكا" وهو مكان جميل أعد ليكون مماثلا للموقع الأصلى، وقد خصص لعبادة "الإلهة إيزيس" وتضم أجزاؤه المتعددة "معبد حتحور" وبيتا للولادة وصرحين، وكلها تمجد الآلهة الواردة فى أسطورة "إيزيس وأوزوريس".
إذا تجولت عبر القرى النوبية حتى المتحف الصغير الواقع داخل الحدائق، ستجد "مقياس للنيل" الذى يرجع تاريخه إلى العصر الرومانى. كما يوجد بالجزيرة أطلال الكثير من المعابد التى أقيمت بها، منها معبد "خنوم" الذى شيد فى عصر الدولة القديمة، وجبانة رومانية إغريقية، ومعبد ساتت الذى شيدته الملكة حتشبسوت.
وتعتبر جزيرة كلابشة متحفاً مفتوحاً يعرض حضارات مصر فى العديد من عصورها التاريخية، من المخربشات الصخرية التى تعود إلى فترة ما قبل التاريخ إلى معابد تعود لعصور تاريخية مختلفة، وهم أربعة معابد "كلابشة، بيت الوالى، جرف حسين قرطاسى".
أما جزير سهيل التى على بُعد أربعة كيلو مترات جنوب غرب مدينة أسوان، فقد اتخذها المصرى القديم مستقرًا لرحلة طويلة تأتى إليه من الشمال أو الجنوب، وكان المسافرون إلى بلاد النوبة، أو العائدون من رحلات الصيد أو الاستكشاف من الجنوب، يلجأون إليها للقيام بفريضة الحج باعتبارها جزيرة مقدسة، ليسجلوا على صخورها المنتشرة على أرضها مناشداتهم وصلواتهم، كما يسجلون الأحداث والرحلات التى قاموا بها إلى بلاد الجنوب. ويتواجد على صخور الجزيرة أكثر من 500 نقش آثرى أهمها نقش لوحة المجاعة.
بينما يقع معبد إيزيس على الضفة الشرقية لمحافظة أسوان، بجوار السياج الشرقى للمدينة، تم تشييد المعبد جزئيًا فى عهدى الملك بطلميوس الثالث والملك بطلميوس الرابع، وتم تحويله فيما بعد إلى كنيسة على الأرجح للقديسة مريم. ويعد المعبد من أهم الاكتشافات الآثرية المحفوظة بحالة جيدة حتى الآن منذ العثور عليه فى عام 1871، حيث ما زال يقف المعبد شامخًا بجدرانه الأربعة وسقفه ذو الألواح الجرانيتية المميزة.
وتتميز أسوان بوجود المحميات الطبيعية، وفى طليعتها محمية جزر سالوجا وغزال: (جزر الشلال الأول): تقع المحمية على بعد 3كم شمال خزان أسوان وترجع أهميتها إلى وجود أنواع من شجر السنط ترجع إلى العصر المصرى القديم. وهناك أيضا محمية وادى العلاقى يقع على بعد 180كم جنوب أسوان من الجهة الشرقية من بحيرة ناصر وينتشر بها العديد من النباتات البرية دائمة الخضر نادرة الوجود بجانب أنواع مختلفة من الطيور .
كانت النوبة فى وقت من الأوقات مملكة قوش القديمة، وهى الأرض الممتدة بجوار النيل من أسوان إلى الخرطوم فى الجنوب. وتوجد صور للنوبيين فى كثير من النقوش البارزة والرسوم الخاصة بالمقابر تصورهم عادة كأجير أو تجار، ومازال للنوبيين عاداتهم وتقاليدهم المميزة وهندستهم المعمارية ولغتهم، وإن كانوا قد هاجروا إلى أسوان وكوم امبو أو جنوب السودان، بعد أن غمرت بحيرة ناصر جزءًا كبيرًا من موطنهم الأصلى، وتضم النوبة العشرات من المواقع ذات الأهمية الأثرية، وهناك 24 معبد، بالإضافة إلى بعض الحصون والمقابر، من بينها دندور والليسيه وعمدا ووادى السبوع، وقد تم نقل معظمها من أماكنها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام