سوق ومال



‪بعد تدشين مدن متخصصة وتطوير منظومة السلامة وتقليل الفاقد‬.. التصنيع الغذائى رافعة الإنتاج وقاطرة الصادرات

28-1-2026 | 01:10
هاجر بركات

د. علاء عزوز: مصر تمتلك مقومات قوية لتكون مركزا إقليميا للتصنيع الغذائى
د. ناهد يوسف: الدولة تضع الصناعات الغذائية فى صدارة أولوياتها ضمن إستراتيجية متكاملة لدعم الصناعة الوطنية
د. خالد الشافعى: الأمن الغذائى فى مصر تخطى توفير السلع للمواطنين ليشمل الاستدامة واستقرار سلاسل الإمداد
 
فى وقت تتزايد فيه التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائى وسلاسل الإمداد، تبرز صناعة التصنيع الغذائى فى مصر، كأحد أعمدة النمو الاقتصادى ومحركات النمو التصديرى، لما تمثله من قيمة مضافة عالية وقدرة على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، ويتواكب ذلك مع اهتمام متزايد من الحكومة المصرية بصناعة الغذاء، باعتبارها قطاعا إستراتيجيا يمس الأمن القومى الغذائى، حيث تبنت الحكومة بتعليمات من الرئيس عبد الفتاح السيسى، سياسات داعمة لتوطين الصناعة، وتعميق المكون المحلى، ناهيك عن حزم حوافز استثمارية وضريبية، وتيسير إجراءات التراخيص، وتطوير منظومة سلامة الغذاء، إلى جانب تنفيذ مشروعات كبرى، تسهم فى تقليل الفاقد، ورفع جودة المنتج، وتعزيز تنافسيتها فى الأسواق العالمية.
 
تشير لغة الأرقام إلى أن عام 2025 شهد قفزة غير مسبوقة فى حجم صادرات الصناعات الغذائية المصرية، ففى الفترة من يناير إلى نهاية نوفمبر من عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات 6.339 مليار دولار، مقارنة بنحو 5.632 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2024، بنمو قدره 13%. وتعزز الأرقام السابقة من مكانة قطاع التصنيع الغذائى، كأحد الركائز الأساسية للاقتصاد المصرى. 
التصنيع الغذائى، سلسلة من العمليات الصناعية التى تحول المنتجات الغذائية الخام، سواء كانت نباتية كالقمح والخضروات، أم حيوانية كاللحوم ومنتجات الألبان، إلى منتجات صالحة وآمنة للاستهلاك البشرى، ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على مجرد معالجة الغذاء، بل يمتد دوره ليشمل تعزيز الأمن الغذائى العالمى عبر إدارة الفائض، وتوفير مصادر طعام مستقرة ومتاحة على مدار العام، مما يربط بين المزارع والمستهلك النهائى بكفاءة عالية.
أسس متكاملة
ويؤكد الدكتور علاء عزوز، رئيس قطاع الإرشاد الزراعى بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، أن التصنيع الغذائى يتصدر أولويات التنمية الصناعية فى مصر والدول العربية، باعتباره محركا رئيسيا للنمو الاقتصادى وربط الزراعة بالصناعة والأسواق. كما أن منظومة الغذاء فى مصر، تقوم على أسس متكاملة تشمل الأمن الغذائى وسلامة الغذاء والاستدامة، بالإضافة إلى تعظيم القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، كما أشار إلى أن الدولة تولى هذا الملف أهمية قصوى باعتباره أحد أعمدة الأمن القومى، وهو ما يتجسد فى تنفيذ مشروعات قومية للتوسع الزراعى، وزيادة الإنتاج، وتحسين جودة المحاصيل، إلى جانب دعم التصنيع الغذائى، وتطوير منظومة سلامة الغذاء وفق المعايير الدولية.
وأكد عزوز، ضرورة تعزيز التكامل بين الزراعة والصناعة ومراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق، مع التركيز على الأصناف التصديرية والتصنيعية وتكثيف الإرشاد الزراعى، وأشار إلى امتلاك مصر مقومات قوية، لتكون مركزا إقليميا للتصنيع الغذائى، مشددا على الدور المحورى للقطاع الخاص فى الاستثمار ونقل التكنولوجيا، والالتزام بمعايير الجودة، مع استمرار التعاون بين وزارة الزراعة وغرفة الصناعات الغذائية فى بناء القدرات والتدريب.
عملية شاملة
وتكمن القيمة المضافة لعمليات التصنيع الغذائى فى تحقيق مجموعة من الأهداف الحيوية، أولاً وقبل كل شيء، يضمن التصنيع السلامة الغذائية عبر تطبيق تقنيات متقدمة مثل البسترة والتعقيم، ما يجعل الغذاء آمناً تماماً، ثانياً، يلعب دوراً محورياً فى إطالة مدة صلاحية المنتجات ومنع تلفها السريع، بفضل تقنيات التجميد والتجفيف والتعليب، يمكن تخزين الأطعمة ونقلها لمسافات طويلة دون أن تفقد جودتها أو قيمتها الغذائية، مما يقلل بشكل كبير من الهدر الغذائى، علاوة على ذلك، يوفر التصنيع الغذائى تنوعاً كبيراً وراحة للمستهلك، وتحسين القيمة الغذائية للمنتج الأصلى عبر عمليات التدعيم بالفيتامينات والمعادن الأساسية، مما يجعل التصنيع الغذائى عملية شاملة ومفيدة على جميع الأصعدة الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
مدن متخصصة
 أصبحت المدن الصناعية المتخصصة فى الصناعات الغذائية، أحد الأعمدة الرئيسية فى إستراتيجية الدولة المصرية لتعزيز التصنيع، ورفع تنافسية المنتج المحلى، وجذب الاستثمارات، وخلق بيئة صناعية متكاملة تساعد على ربط الزراعة بالتصنيع واللوجستيات، هذه المدن تختلف عن المناطق الصناعية التقليدية بتركيزها على نشاط أو سلسلة نشاط محددة (مثل الغذاء)، وتوفير بنية تحتية متكاملة خصيصًا، لتلبية احتياجات هذا النشاط الصناعى.
وتأتى مدينة «سايلو فودز» للصناعات الغذائية، أحد أبرز المشاريع فى مجال التصنيع الغذائى فى مصر، وتقع فى مدينة السادات بمحافظة المنوفية، وتشمل عدة مصانع متخصصة فى منتجات غذائية متنوعة. وهناك مشاريع صناعية وتجارية قيد التطوير، تركز على مجالات مرتبطة بالغذاء، منها مشروع Sullex – مدينة للخدمات الغذائية المبردة، فى محافظة الجيزة، باستثمارات تزيد على 150 مليون دولار، لتكون مركزا إقليميا لصناعة وتداول المنتجات الغذائية المبردة والمجمدة. كما يأتى المجمع الغذائى المتكامل فى مدينة السادات، ضمن الخطط التطويرية فى مدن صناعية متخصصة، يظهر توجها نحو توسيع تلك المجمعات، لتشمل صناعات أخرى مرتبطة بالزراعة والأغذية، وهو ما يدفع إلى زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية.
عوائد اقتصادية
وترى د. ناهد يوسف، رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، أن الدولة تضع الصناعات الغذائية فى صدارة أولوياتها، ضمن إستراتيجية متكاملة لدعم الصناعة الوطنية. وأوضحت أن الهيئة تعمل على تحفيز الاستثمارات النوعية والمشروعات المبتكرة من خلال تسريع الإجراءات، ومنح حوافز خاصة للمشروعات التى تعتمد على تقنيات متقدمة أو تلتزم بالمعايير البيئية العالمية، أو تضيف قيمة مضافة للاقتصاد الوطنى. وأوضحت، أن الهدف الرئيسى، هو تعزيز تنافسية الصناعة المصرية ودعم مشروعات تسهم فى النمو المستدام، مشيرة إلى تطبيق مبدأ «جهة التعامل الواحدة» مع المستثمر، حيث تتولى الهيئة متابعة المشروع منذ مرحلة التخطيط، بما يشمل تحديد طبيعة النشاط الصناعى، واختيار التكنولوجيا الملائمة، وتقديم المشورة الفنية، كما يتم تقديم الدعم فى تحديد المساحات الصناعية المطلوبة، ومراجعة المواد الخام، بما يسهم فى تقليل المخاطر وتسريع التنفيذ.
سلاسل الإمداد
من جانبه شدد الدكتور خالد الشافعى، الخبير الزراعى والاقتصادى، على أن الأمن الغذائى فى مصر، لم يعد مقتصرًا على توفير السلع للمواطنين، بل أصبح يشمل الاستدامة، وضمان استقرار سلاسل الإمداد، والقدرة على مواجهة الأزمات المفاجئة. ويشير الشافعى إلى أن إدراج ملف الغذاء ضمن أولويات الدولة، يعكس رؤية إستراتيجية شاملة تربط بين الأمن الغذائى والنمو الاقتصادى، ما يضع مصر فى مقدمة الدول التى تولى اهتمامًا متزايدًا بهذا القطاع الحيوي.
تحقيق التنمية
ويرى الشافعى أن العلاقة بين الزراعة والتصنيع الغذائى، تمثل عنصرًا محوريًا لتحقيق التنمية الاقتصادية. وهذا التكامل يفتح فرصًا كبيرة للتشغيل، لا سيما فى المناطق الريفية، ويسهم فى تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعى. ويضيف أن مصر تتمتع بميزات نسبية فريدة، من بينها التنوع المناخى، وتعدد المواسم الزراعية، والموقع الجغرافى الإستراتيجى الذى يربط بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، ما يجعلها قادرة على توسيع رقعة صادراتها وتعزيز تنافسية منتجاتها دوليا. كما أن تطوير هذا القطاع، يفتح المجال أمام جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويحفز تبنى التكنولوجيا الحديثة فى الإنتاج، مما يقلل من الهدر ويزيد جودة المنتجات، ويرفع ثقة الأسواق المحلية والعالمية فى المنتجات المصرية، ويشير إلى الدور البارز للقطاع الخاص كشريك إستراتيجى فى تطوير التصنيع الغذائى، وتعزز كفاءة الإنتاج، وتفتح أسواقا جديدة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطنى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام