سوق ومال



"الدليفرى" نبض الاقتصاد الرقمى‬

28-1-2026 | 01:14
سلوى سيد

- وزارة العمل المصرية دشنت مبادرة لرعاية العاملين به وتوفير مظلة التأمين الاجتماعى والصحى لهم
- د. محمد راشد: عمال التوصيل يمثلون ركيزة أساسية فى انتعاش مبيعات قطاعى المطاعم والتجزئة
- د. بلال شعيب: اهتمام متزايد بتلك الشريحة من العمال ضمن قانون العمل الجديد
 
لم يعد توصيل الطلبات «الدليفرى» مجرد خدمة كمالية، بل أصبح عصبًا رئيسيًا يغذى نمو قطاعات حيوية مثل التجارة الإلكترونية، وتجارة التجزئة، وقطاع المطاعم. فى ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز هذا القطاع كأحد أبرز محركات التنمية الاقتصادية فى مصر والدول العربية، مساهمًا فى خلق فرص عمل، وتحفيز الاستهلاك، ودفع عجلة الاقتصاد نحو آفاق جديدة‪.‬‫. شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذريًا فى سلوك المستهلكين، مدفوعًا بانتشار الهواتف الذكية وتطبيقات التجارة الإلكترونية. لم يعد المستهلك يفضل قضاء الوقت فى التسوق، بل يبحث عن الراحة والسرعة. هنا، يأتى دور قطاع توصيل الطلبات ليقدم الحل الأمثل، حيث يعمل جسرا يربط بين البائع والمشترى، مما يتيح للشركات الوصول إلى قاعدة عملاء أوسع دون الحاجة لتوسيع فروعها المادية‬‪.‬.
يعد قطاع توصيل الطلبات من أبرز القطاعات التى أسهمت فى توفير فرص عمل جديدة للشباب. وتشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف من الشباب فى مصر والدول العربية يعملون كسائقين للتوصيل، سواء بشكل مستقل أو عبر شركات متخصصة. هذه الوظائف تتميز بمرونتها، حيث تتيح للعاملين فيها حرية تحديد ساعات العمل والدخل‪.‬
وفى خطوة رائدة، أطلقت وزارة العمل المصرية مبادرة لرعاية العاملين فى هذا القطاع، وتوفير مظلة التأمين الاجتماعى والصحى لهم. 
تأتى هذه الخطوة لضمان حقوق العمالة، وتحويل هذا القطاع من كونه اقتصادًا غير رسمى إلى جزء مُنظّم من النسيج الاقتصادي. ومن المتوقع أن تحذو دول عربية أخرى حذو مصر، لتعزيز الحماية الاجتماعية لهذه الشريحة الكبيرة من العمال‪.‬
وزارة العمل دشنت حملة “سلامتك تهمنا”، لتقديم الحماية لعمالة توصيل الطلبات “الدليفرى”، وذلك تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، وبرنامج الحكومة بتقديم الحماية اللازمة للفئات الأكثر احتياجًا وتوفير بيئة عمل لائقة لها ووفقا لتصريحات محمد جبران، وزير العمل  فإن خطة التنفيذ تشمل حملات توعوية وتفتيشية لتطبيق القانون، وإعداد قاعدة بيانات لهم، والتنسيق مع شركات متخصصة فى توفير مهمات الوقاية. وعن نوع “مهمات الوقاية”، قال الوزير إنها تشمل أدوات الحماية الشخصية الأساسية مثل خوذة الرأس، والسترة العاكسة، والقفازات، والكمامات، وأدوات الإسعافات الأولية، وذلك بالتنسيق مع عدد من الشركاء، والداعمين من القطاع الخاص والمجتمع المدني‪.‬
ومن جهته يرى الدكتور محمد راشد، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنى سويف، أن عمال توصيل الطلبات للمنازل أصبحوا ركيزة أساسية فى تجارة التجزئة وقطاع المطاعم‪.‬‫ وأضاف أن الاعتماد عليهم ازداد بشكل ملحوظ منذ فترة وباء كورونا، ما أدى إلى تضخم هذا القطاع ونموه، ليصبح له دور بارز فى انتعاش مبيعات قطاعى المطاعم والتجزئة، وأوضح راشد أنه قد حان الوقت لتوفير مظلة تأمينية لرعاية العاملين فى هذا القطاع، مشيراً إلى أنهم يتعرضون لأخطار جسيمة مثل الإصابات، والوفاة، والأمراض، أو حتى الاستغناء عن خدماتهم‬‪.‬‫ وأكد على ضرورة توفير كل سبل الرعاية والأمان لهم ولأسرهم، مشدداً على أن ذلك يجب أن يتزامن مع وضع ضوابط لتنظيم عملهم وحمايتهم من تعسف أصحاب الأعمال‬‪.‬
كما شدد على أهمية ضمان سلامة المركبات التى يستخدمونها، خصوصاً الدراجات النارية، وضرورة التزامهم بارتداء الخوذة ووسائل الأمان. وفى المقابل، دعا العمال إلى الالتزام بالسرعات المقررة وتعليمات المرور حفاظاً على سلامتهم وسلامة الآخرين‪.‬
منطقة الخليج
تشهد منطقة الخليج العربى ازدهارا لقطاع توصيل الطلبات، والتوسع الذى يشهده مجال الخدمات اللوجستية وفى المملكة العربية السعودية سجل قطاع توصيل الطلبات نموًا لافتًا خلال الربع الثانى من عام 2025، إذ بلغ إجمالى الطلبات نحو أكثر من 101 مليون عملية طلب فى مختلف أنحاء مناطق المملكة، وفقا للبيانات الصادرة عن الهيئة العامة للنقل واحتلت منطقة الرياض صدارة الترتيب بإجمالى الطلبات، مسجلة أكثر من 45.68 مليون عملية طلب أى ما يعادل نسبة 45 %، تلتها منطقة مكة المكرمة بإجمالى 21.47 مليون عملية طلب، ثم المنطقة الشرقية بـ16.10 مليون عملية طلب‪.‬
‪ ‬‫ويعود هذا النمو اللافت للنظر فى قطاع توصيل الطلبات فى المملكة إلى تطوير الأنظمة والتشريعات التى ساعدت الشركات فى تقديم خدمات ذات جودة وكفاءة، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ودعم الابتكار فى قطاع الخدمات اللوجستية، مما أسهم فى تحسين سرعة الاستجابة لطلبات العملاء، ورفع مستوى التنافسية فى السوق، كما ساعد تغير سلوك المستهلك وزيادة الاعتماد على التجارة الإلكترونية فى تعزيز الطلب على خدمات التوصيل، إلى جانب الاستثمارات المستمرة فى تطوير حلول تقنية حديثة فى هذا القطاع الحيوي‬‪.‬
التطبيقات الرقمية
يشهد سوق توصيل الطعام فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموًا هائلاً، مدفوعًا بالزيادة فى استخدام التطبيقات الرقمية. هذا النمو لم يقتصر على الطعام فحسب، بل امتد ليشمل توصيل منتجات البقالة، والأدوية، والملابس، وغيرها من السلع، وكان لقطاع توصيل الطلبات تأثير بالغ الأهمية على قطاع المطاعم، خاصة مطاعم الوجبات السريعة. فبدلاً من الاعتماد على الزبائن الذين يزورون المطعم، أصبح بإمكان هذه المطاعم الآن زيادة مبيعاتها بشكل كبير من خلال الشراكة مع تطبيقات التوصيل، هذا النموذج الجديد أتاح للمطاعم الصغيرة والمتوسطة فرصة التنافس مع السلاسل الكبرى، حيث أصبح بإمكانها الوصول إلى جمهور أوسع بكثير دون الحاجة لاستثمارات ضخمة فى البنية التحتية‪.‬
وعلى صعيد تجارة التجزئة، ساهم التوصيل فى انتعاش التجارة الإلكترونية، حيث أصبح المستهلكون أكثر ثقة فى الشراء عبر الإنترنت مع ضمان وصول المنتجات إليهم فى وقت قياسي. هذا الأمر دفع بالعديد من المتاجر التقليدية إلى التحول الرقمى، وإطلاق منصات خاصة بها للتسوق عبر الإنترنت، والاستفادة من خدمات التوصيل لتعزيز مبيعاتها‪.‬
فرص واعدة
قال الخبير الاقتصادى الدكتور بلال شعيب:، إن عمال الدليفرى تزايدت أهميتها فى قطاع التجزئة الذى بات فى غاية الأهمية مع زيادة التحول الرقمى والتكنولوجيا المالية وارتفاع الاعتماد على التطبيقات المختلفة سواء طلب الطعام أو التسوق الإلكترونى، بالإضافة إلى زيادة الاعتماد عليهم مع اعتياد الناس الطلب عن بعد بعيداً عن أى تعاملات مباشرة بعد جائحة كورونا‪.‬
وأضاف شعيب، أن هناك اهتماما متزايد بتلك الشريحة من العمال، وذلك ضمن قانون العمل الجديد الذى يهتم بالعمالة غير المنتظمة وهو ما يتماشى مع التوجه العالمى نحو الاهتمام بالعمالة غير المنتظمة من خلال إعانات البطالة أو التأمين الطبى أو مزايا معنوية أخرى بعد التقاعد‪.‬‫ واليوم أصبح حجم الطلب أونلاين يتجاوز 60% من إجمالى المبيعات، ما يجعل دورهم فى غاية الأهمية بحيث أصبحوا حلقة الوصل بين المنتج والمستهلك، مطالباً بأن تكون هناك نقابة للعمالة غير المنتظمة توصل صوتهم للدولة وتجمع قاعدة بيانات كاملة عن العاملين فى هذا القطاع‬‪.‬
وتوقع أنه فى خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات سيكون أغلب قطاع التجزئة معتمداً على توصيل الطلبات بنسبة تقترب من 90% من التعاملات مقابل 10% فقط للشراء من المتجر أو المطعم نفسه‪.‬
نماذج جديدة
رغم الأهمية الكبرى لقطاع التوصيل، فإنه يواجه بعض التحديات، مثل الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين شركات التوصيل والعاملين، وتوفير بيئة عمل آمنة، بالإضافة إلى المنافسة الشرسة بين الشركات. ومع ذلك، تبقى فرص النمو هائلة، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا، وظهور نماذج عمل جديدة مثل توصيل الطلبات بالدرون أو السيارات الذاتية القيادة فى المستقبل‪.‬
إن الاهتمام الحكومى بتنظيم هذا القطاع وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين فيه، يعكس إدراكًا عميقًا لدوره الإستراتيجى فى تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، فبفضل هذا القطاع، أصبح الاقتصاد الرقمى أكثر شمولاً، وأصبحت الشركات أكثر قدرة على النمو، ووجد الشباب فرصًا جديدة لتحقيق الدخل، مما يؤكد أن توصيل الطلبات هو بالفعل شريان حيوى، يضخ الحياة فى شرايين الاقتصاد فى مصر والمنطقة العربية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام