وجوه عبر الزمن



‫فريد عبد الكريم.. اختبار المعنى حين تدخل الفكرة المعترك (2-3)‬

28-1-2026 | 01:16
إلهامى المليجى

حين ندخل إلى تسعينيات القرن الماضى، لا ندخل إلى عقد زمنى فقط، بل إلى تحوّل فى معنى السياسة ذاته.
انتهت الحرب الباردة، تفكّك الاستقطاب العالمى، وصعد خطاب جديد يتحدّث عن “نهاية التاريخ”، وعن انتصار السوق، وعن تراجع الأيديولوجيا، وعن أن السياسة لم تعد ساحة قيم، بل ساحة إدارة.
فى هذا المناخ، لم تعد الأفكار تُقاس بقدرتها على الإلهام، بل بقدرتها على التكيّف
ولم يعد يُسأل السياسي: ماذا تريد أن تغيّر؟ بل: إلى أى حد تستطيع أن تتنازل؟
هنا تحديدًا دخلت الفكرة القومية - كما دخلت غيرها - أخطر امتحاناتها:
ليس امتحان القمع فقط، بل امتحان الإغواء.
ليس امتحان المنع، بل امتحان العرض.
وفى هذا السياق، لم يعد السؤال حول فريد عبد الكريم سؤالًا عن رجل نزيه، بل عن معنى النزاهة نفسها فى زمن صار فيه الفساد ذكيًا، والمساومة أنيقة، والتنازل يُقدَّم بوصفه “واقعية”.
فى هذا الزمن، يسهل أن تحتفظ بنقاء خطابك إذا بقيت خارج المعترك،
لكن الأصعب أن تدخل المعترك ولا تفقد نقاءك.
أن تقترب من السلطة دون أن تذوب فيها،
وأن تقترب من المال دون أن يتحوّل إلى معيار،
وأن تقترب من التنظيم دون أن يتحوّل إلى جهاز.
هنا يتمايز من يحمل الفكرة، ممن يحرسها.
من يستخدمها أداة، ممن يحميها قيمة.
وفريد عبد الكريم كان - فى هذا المعنى - لا يفاوض على الفكرة، بل يفاوض بها: يستخدمها ليختبر الواقع، لا ليبرّر له.
لهذا لا تبدو مواقفه فى التسعينيات مجرد تفاصيل تنظيمية، بل إجابات عملية عن أسئلة فلسفية كبرى:
هل يمكن للفكرة أن تنجو حين تدخل التنظيم؟
هل يمكن للتنظيم أن يبقى حرًّا حين يقترب من الدولة؟
هل يمكن للسياسة أن تظل أخلاقًا فى زمن صار فيه الأخلاق عبئًا؟
من هنا يبدأ هذا القسم: من لحظة صار فيها النقاء موقفًا، لا فقط صفة، وصار الاستقلال فعل مقاومة، لا مجرد ادعاء.
 
المشهد الثاني: حين يُختبَر المعنى
حين عدتُ من سوريا فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، كان أول ما قصدته تقريبًا هو مكتبه فى وسط القاهرة؛ ذلك الركن الذى كان يشبهه: هادئًا من الخارج، مزدحمًا بالمعنى من الداخل.
استقبلنى بترحاب دافئ، فيه من الودّ أكثر مما فيه من المجاملة، وجلسنا كما يجلس من يعرف أن الكلام ليس لملء الوقت، بل لكشفه.
تحدّثنا طويلًا فى شئون كثيرة: من بيروت إلى دمشق، من توازنات الإقليم إلى ارتداداتها على الداخل المصري.
أنصت لتحليلى للأوضاع فى سوريا ولبنان كما يُنصت من يبحث عن الخيط لا عن الضجيج، ثم انتقل - بلا افتعال - إلى مصر.
كان يرى البلاد مقبلة على مفترق دقيق، وأن الحاجة إلى إطار ناصرى جاد لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية.
وأخبرنى أنه وآخرين تقدّموا بأوراق تأسيس الحزب الاشتراكى الناصرى، لا ليضيفوا حزبًا إلى القائمة، بل ليحاولوا إنقاذ معنى كان يوشك أن يُستهلك.
كان يحلم - نعم، يحلم - أن يكون الحزب منبرًا جامعًا للناصريين؛ لا واجهة، ولا دكانًا، ولا منصة لتنازع الزعامات، بل مساحة نظيفة يمكن للفكرة أن تمشى فيها دون أن تتّسخ سريعًا.
ودّعنى بحرارة صادقة، وأكّد ضرورة استمرار التواصل، كما لو كان يشعر - على نحو غامض - أن الزمن القادم لن يتيح كثيرًا من اللقاءات الهادئة.
فى العام 1990، جاءت الانتخابات البرلمانية فى مناخ سياسى شديد السخونة، متأثرًا بغزو العراق للكويت، وبالارتباك الإقليمى العام. وكنتُ حينها مشرفًا على “المركز العالمى لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر” فى القاهرة.
وفى أحد اللقاءات، تحدّثت مع مدير عام المركز - الذى كان يشغل منصب رئيس قلم القائد، أى مدير مكتب الزعيم الليبى - عن أن الانتخابات قد تشهد أشكالًا مختلفة من الدعم لبعض المرشحين، من أطراف إقليمية ترى فى خطابهم السياسى تقاطعًا مع مصالحها.
واقترحتُ - بمنطق الموازنة لا بمنطق الطهر - أن يكون هناك دعم موازٍ للمرشحين الذين يحملون رؤى قومية ويسارية مستقلة، حتى لا تميل الكفّة كلها فى اتجاه واحد.
راقت له الفكرة، ونقلها، ثم عاد بالموافقة، والتقينا رؤساء أحزاب وشخصيات مستقلة من التيارات القومية واليسارية، وقد تلقّى معظمهم هذا الدعم بروح من الامتنان والارتياح، وبعضهم عاد يطلبه مرة أخرى.
إلّا فريد عبد الكريم.
توقّف عند الفكرة كما يتوقّف المرء عند حافة معنى لا يريد أن يسقط منه.
ورفض. رفضًا هادئًا، قاطعًا، بلا انفعال ولا مسرح.
قال: الحزب الذى نؤسّسه يجب أن يقوم على اشتراكات أعضائه، وعلى تبرّعات المصريين فقط، وخاصة الميسورين منهم، وإن قبول أى دعم من غير المصريين - مهما كان التوافق السياسى وحسن النوايا - يُربك الاستقلال الأخلاقى للفكرة قبل أن يُربك استقلالها التنظيمى، ويشوّش على حدودها بين ما هو مبدئى وما هو مصلحي.
كان موقفه هذا حاسمًا، بلا خطابة، وبلا تشهير بأحد، لكنه عمّق مكانته فى قلبى، وعزّز حضوره فى ذهني؛ لأننى رأيت فيه - فى تلك اللحظة - ترجمة حيّة لما كان يقوله دائمًا: أن الفكرة التى تُموَّل من خارجها، تُدار من خارجها، ولو بعد حين.
والمفارقة أن آخرين - من ناصريين ويساريين بارزين وغيرهم - حين عرفوا بوجود دعم، سارعوا بالاتصال وطلبه، كأن الأمر طبيعي.
وكان هو، وحده تقريبًا، يتصرّف كما لو أن السياسة لا تزال شأنًا أخلاقيًا قبل أن تكون شأنًا تقنيًا، وكأن المعنى - لا المصلحة - هو ما ينبغى أن يقود الفعل.
السؤال الذى لا يُغلق
لم يكن فريد عبد الكريم من الذين يخوضون السياسة بوصفها ساحة، بل بوصفها اختبارًا.
اختبارًا للقدرة على البقاء نقيًّا فى مجال يُكافئ عادةً العكس،
واختبارًا للفكرة حين تدخل المعترك: هل تبقى فكرة، أم تتحوّل إلى أداة؟
لم يكن الرجل كثير الظهور، ولا شديد الضجيج، ولا واسع النفوذ، لكنه كان - على نحو ما - حاضرًا فى كل ما يتعلّق بالمعنى.
كأن وجوده كان وظيفة أخلاقية أكثر منه وظيفة سياسية.
وحين كانت فلسطين تنزف، لم يكن صوته الأعلى، لكنه كان من الأصوات القليلة التى لا تُزايد، ولا تُقايض، ولا تُساوم على جوهر القضية.
كان يقف هناك حيث ينبغى أن يقف المعنى، لا حيث يقف الضوء.
لم يُنقذ حزبًا من التضييق، ولم يمنع هزائم، ولم يصنع معجزات.
لكنه أنقذ شيئًا أصعب: فكرة أن السياسة يمكن أن تُمارَس دون أن تُفسِد صاحبها.
وحين اقترب الرحيل، لم يترك وراءه ضجيجًا ولا وصايا طويلة، بل ترك أثرًا هادئًا يشبهه، وكأنه كان يكتب خاتمته بنفس النبرة التى عاش بها حياته: بلا ادّعاء، وبلا شكوى، وبلا طلب اعتراف.
الخاتمة
هذا، وحده، كافٍ ليجعل سيرة رجل ليست خبرًا فى تاريخ الأحزاب، بل سؤال فى تاريخ الضمير.
ومن هذا السؤال نواصل...
إلى فلسطين، وإلى الرحيل، وإلى تلك اللحظة النادرة التى يكتب فيها الإنسان نفسه كما عاش.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام