ثقافة



ناقشتها ندوة بمعرض القاهرة الدولى للكتاب.. التحولات الراهنة فى النظام العالمى وتأثيراته

28-1-2026 | 01:20
حسناء الجريسى

فى توقيت مهم.. الخرائط تتغير، الأقطار تتحول، الصراعات الإقليمية والعالمية تتصاعد وسط حالة من العبث، تؤجج المشهد الدولى بمزيد من التعقيد وإعادة رسم مستقبل خرائط القوة في العالم، ذلك ما ناقشته ندوة بعنوان «قضايا معاصرة ارتدادات واسعة، التحولات الراهنة فى النظام العالمى وتأثيراته»، التي أدارها الكاتب الصحفى جمال الكشكى - رئيس تحرير الأهرام العربى - بمشاركة كل من الدكتور على الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية، والدكتور محمد كمال أستاذ العلوم السياسية، ونظمها مركز المستقبل للدراسات المتقدمة خلال فاعليات البرنامج الثقافي المصاحب لفاعليات الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
قال الكاتب الصحفى جمال الكشكى، إن الدكتور على الدين هلال يمثل حالة فكرية فريدة، امتدت جذورها منذ تأسيس الأمم المتحدة، دون أن يتوقف يومًا عن الإبداع والعطاء العلمى والمعرفي، موضحا أن هلال حصل على الثانوية العامة فى العام نفسه، الذى شهد افتتاح كلية السياسة والاقتصاد، وكأن القدر كان يمهّد له طريقه الأكاديمى منذ البدايات.
وأضاف: «فى الوسط الصحفي، كثيرا ما أقابل باحثين وتلاميذ، يؤكد كل منهم أنه من أبناء مدرسة على الدين هلال، فهو بحق شجرة ضاربة فى جذور عميقة، ومهما تحدثنا عنه فلن نوفيه حقه، لقد أسهم بدور كبير فى نقل العلوم السياسية والاقتصادية الحديثة إلى مصر، بعد عودته من البعثة، وأسهم فى ترسيخ مناهج الدراسات الإستراتيجية والواقعية، وكان مثالا للرزانة الفكرية والهدوء الإنساني.
وأكد الكشكى أن من يتابع مقالات هلال، يلاحظ أن كثيرا من تنبؤاته تتحقق اليوم على أرض الواقع، مشيرا إلى أن هذا ليس مجاملة، بل شهادة تستند إلى قراءة موضوعية لمسيرته الفكرية، كما لفت النظر إلى علاقاته البحثية الواسعة فى الغرب، كونه أستاذًا زائرا فى عدد من الجامعات، ما ترك بصمة واضحة فى دوائر البحث الدولية.
وتساءل جمال الكشكي: إلى أين تتجه خرائط العالم اليوم؟ فى حين استعرض الدكتور على الدين هلال مؤشرات الاضطراب فى النظام العالمي، من تحركات عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط، وارتفاع غير مسبوق فى أسعار الذهب والفضة، بما يعكس تصاعد القلق وعدم اليقين، إلى التحركات الدبلوماسية والتجارية اللافتة للنظر بين كندا والصين، وبريطانيا والصين، وتجديد اتفاقيات التجارة الحرة، فى ظل هجوم سياسى حاد، تشهده الساحة الدولية مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة.
وأشار على الدين هلال إلى أن النظام الدولى الذى نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ظل قائما على قواعد مستقرة نسبيا، رغم الحرب الباردة، حتى انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، حين تحدث الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب عن نظام عالمى جديد، قائم على العولمة، وتدفق البضائع.
وانفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم قرابة عقدين، قبل أن يبدأ صعود الصين الاقتصادى والتكنولوجي، وتصاعد الدور الروسي، بما أدى إلى تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة، وظهور واقع دولى أكثر تعقيدا.
وأكد هلال أن الصين أصبحت الشريك التجارى الأول لمعظم الدول العربية، ووسعت حضورها الاستثمارى بشكل كبير، دون انخراط سياسى مباشر، بينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بالتفوق العسكرى العالمى وانتشار قواعدها وقواتها فى مختلف الأقاليم، خصوصاً فى أوروبا.
ويرى أن النظام الدولى الحالى يتسم بالغموض، ما يدفع واشنطن إلى اتباع سياسات هجومية تقوم على المفاجأة وخلق الخوف لفرض رؤيتها على العالم، فى حين تتجنب الصين وروسيا الدخول فى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويفضلان إدارة التنافس بحسابات دقيقة.
وأشار إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، ومن عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية، معتبرا أن هذه السياسات قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنها تضع أسسا محفوفة بالمخاطر على المدى الطويل، فى ظل قيادة أمريكية تتسم بالتقلب الاقتصادى والسياسي.
أستاذ الجيل
وأوضح الدكتور محمد كمال، أن تحولات النظام الدولى أكبر من أن تختزل فى شخصية الرئيس ترامب، إذ إن النظام الدولى الراهن نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، على أساس توازن المنتصر والمهزوم، وقواعد لم تكن عالمية بقدر ما كانت تعكس مصالح الولايات المتحدة.
وأضاف أن واشنطن اكتشفت أن هذا النظام لم يعد يخدم مصالحها، فبدأت فى الانسحاب منه، والسعى إلى إعادة تشكيله، وفق رؤيتها كرجل أعمال، يرى أن المشروع خاسر، ولا بد من إعادة التفاوض حول قواعده.
وأكد أن ترامب، رغم انتمائه للحزب الجمهوري، لديه استعداد لتدخل الدولة فى الاقتصاد وتنظيمه وتمويله، وهو ما يعكس مراجعة كبرى للسياسات الاقتصادية والمؤسسات الدولية، خصوصاً فى ظل قناعة أمريكية بأن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر فى تمويل المنظمات الدولية دون مقابل ملموس.
وأشار كمال إلى أن التحول الأمريكى نحو الانعزال لم يبدأ مع ترامب فقط، بل تراكم تدريجيا نتيجة تحولات داخلية، منها الأزمات الاقتصادية، وجائحة كورونا، وتزايد الضغوط على المواطن الأمريكي، ما عزز الميل إلى التركيز على الداخل والدفاع عن الحدود، على حساب الانخراط الخارجي.
وأوضح أن ترامب يتعامل مع السياسة بمنطق الصفقات، ويرى أن كل أزمة يجب أن تنتهى باتفاق لا يكون فيه خاسر مطلقا، ولذلك يرفض الحلول التقليدية التى يعتبرها فاشلة، مثل حل الدولتين فى القضية الفلسطينية، ويفضل البحث عن حلول جديدة تنطلق من الواقع القائم، مع استعداد لتقديم صفقات مقرونة بعقوبات أو استخدام محدود للقوة العسكرية، وهو نمط مستمر فى السياسة الأمريكية منذ عهد أوباما.
وأشار كمال إلى أن الصين لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تنتهج سياسة النفس الطويل، مركزة على مشروعها الداخلي، وعلى التقدم التكنولوجي، والاستثمار فى الصناعات الحديثة، خصوصاً السيارات الكهربائية، وسلاسل الإنتاج العالمية، ما يجعلها منافسا اقتصاديا رئيسيا دون الدخول فى صدام عسكري.
وأكد أن النظام الدولى الراهن لا يتجه قريبا إلى نظام متعدد الأقطاب، بل هو أقرب إلى نظام غير قطبي، حيث  لا توجد دولة قادرة وحدها على تحمل أعباء القطبية الكاملة.
الفراغ النسبى
وفى رده على سؤال حول دور بقية الأمم فى التحولات الجارية، قال الدكتور على الدين هلال، إن الفراغ النسبى فى القوة الأمريكية، يفتح المجال أمام الدول المتوسطة، خصوصا فى الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية وتركيا وإيران، مؤكدا أن السعودية تمتلك الموارد المالية، بينما تمتلك دول أخرى عمقا تاريخيا وسياسيا وقدرات زراعية وبشرية.
ورفض فكرة الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على الشرق الأوسط، معتبرا أن هذا الطرح يحمل قدرا من التمنيات أكثر من التحليل العلمى الرصين، مشددا على أن اللحظة الراهنة هى الأنسب لتعزيز التضامن العربى وبناء موقف عربى موحد.
وأوضح أن العلاقات القوية مع الدول الآسيوية الصاعدة، مثل الهند وفيتنام، إلى جانب التركيز على البناء الداخلى ووضع الأسس الاقتصادية، هى التى تمكن الدول من لعب أدوار إقليمية فاعلة.
وأكد أن مصر تسير فى الطريق الصحيح، وأن مصلحتها الأساسية تكمن فى دعم السلام والاستقرار فى المنطقة، والتعامل مع الدول وليس مع الحركات أو الوكلاء، مع دعم الجيوش الوطنية والحفاظ على الدولة المدنية.
وأشار إلى سلسلة من التحركات الدولية اللافتة للنظر، من بينها توقيع كندا والصين اتفاقية تجارة حرة، وزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء البريطانى إلى بكين، وأحاديث عن تجديد اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة، فى مقابل تصاعد الخطاب الهجومى الأمريكى منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة فى يناير 2025.
 وأضاف أن هذا الغموض فى النظام الدولى دفع الولايات المتحدة إلى تبنى سياسات هجومية تقوم على المفاجأة وفرض الأمر الواقع، بينما تفضل الصين وروسيا عدم الدخول فى مواجهة مباشرة مع واشنطن فى الوقت الراهن.
وقال هلال: إن المرحلة الراهنة هى الأنسب لتعزيز التضامن العربي، والعمل على بلورة موقف عربى موحد يخدم مصالح الشعوب العربية فى ظل التحولات الدولية.
واختتم جمال الكشكى الندوة بقوله: إن خرائط العالم تشهد «وستفاليا جديدة»، فى إشارة إلى إعادة صياغة قواعد النظام الدولي، وسط إيقاع زمنى سريع وأحداث متلاحقة، تفرض على الدول إعادة التفكير فى سياساتها الجديدة.
من جانب آخر، أكد حسام إبراهيم المدير التنفيذى لمركز المستقبل للدراسات المتقدمة، أهمية الندوة سيما أنها تأتى فى توقيت بالغ الأهمية على الصعيد الإقليمى والدولى، وأن مناقشة هذا الملف مع اثنين من كبار المفكرين المصريين، رسالة تعكس الاهتمام الكامل بتقدير موقف لما تمر به خرائط الإقليم.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام