رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأحد 15 فبراير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
هديل كامل: صراخ هامس.. وانثيالات وشيكة
31-1-2026
|
23:50
جواد الحطاب - شاعر وكاتب عراقى
يمكن لى أن أصف كتاب الصديقة هديل كامل بأنه (انثيالات فنّية) أو (بوح إنسانى) يبعث على الدهشة والإعجاب، ولا يمكن تصنيفه تحت باب (القصة القصيرة) أو (الإقصوصة) أو (السيرة الذاتية) الموجزة، لأن فيه قد اجتمعت هذه الأشكال كلها، لذلك اختارت له المؤلفة عنوان (الحياة كجملة ناقصة) بذكاء وإمعان بالجمال، لأن فى النصوص التى تنتظر شروقها على ليل الكتابة، ما سيكمل (النقصان) فى وجودها الآنى أو القادم، ومن هنا يأتى تفرد الكتاب باعتقادى، فعوالمه بوح «إشكالوي» كما يقول الفائض عن النسيان خضير ميرى (الذى كتبت له هديل مرثية هنا).
ويمكن لى وصفه بأنه - الكتاب - أيقونة من «السهل الممتنع»، فعباراته غير مقعّرة، وبساطته مشوّقة تكمن فى الفكرة والوضوح، وتقودك إلى التفكير فى أبعادها وليس إلى استسهالها والعبور بعدها إلى الفراغ.
فى الصياغات إيحاء، وانزياحات سياقية، وتورية، واستعارات تنمّ عن ثقافة ووسع اطلاع، مثلما تنمّ عن شخصيّة كاتبتها، وتزاحم الأحداث فى حياتها، والتى حاولت التعبير عنها فى هذه النصوص القصيرة، بكثافة وحزن شفيف. فارتقت النصوص بمكنوناتها لمنازل الإبداع.
:
( ماعادت تغرينى البطولات..
ولا الفتوحات..
ولا الأمجاد..)
.
لأن هذه المسميات فى قناعات الكاتبة
:
(تتبدد بلحظة خرف جمعى يفقد فيه الكون الذاكرة
ويشتبك الماضى والحاضرعلى سطح - صقيل - خال من تعرجات العقل)
.
أى فجائعيات هذه، التى تدخل معها هديل فى مطاردات أشبه ما تكون باليومية، بحثا عن سلام داخلى ولو كان بشكل آنيّ ومؤجّل فى الوقت نفسه ؟!!
:
( أنا الآن.. فى أعلى مراتب الحریة..
أنا حزینة..
وأحترم حزنى الذى یرید أن یكبر بلا إعاقة).
...
وتضيف
:
(حاولت خلالها أن أصدق بالحب…
فخانتنى الحرب…
.
وهكذا…
تكون الحياة جملة ناقصة..
حتى الموت فيها..
لن يتعدى علامة الوقف التام..
ولن يكمل المعنى) !!
.....
فى كل النصوص هناك حدث، وهناك تداعيات تليق بالحدث: لغة فنيّة موجزة، مقتصدة وغير ثرثارة، وخيال يتطور مع الكلمات، والجُمل، وكأنّ المؤلفة أرادت أن تكون عوالمها هامسة وبلا ضجيج لغوي..
فثمة زمان يغيب لصالح المكان، وثمة مكان يعلو ويحتل واجهة المشهد فى تبادل (زمنكاني) مدهش، كل هذا و(الشخصيات) البطلة يغير أدوارها (المخرج – الكاتب) بحرفية دقيقة، ليُبقى المتلقى مشدودا إلى آخر (النص - المشهد) وهذا التكنيك يحتاج إلى براعة ودربة غير اعتيادية، أشهد أن (هديلا) قد تمكنت من الـ (تغريد) فيه.
:
كل ما فى ينمو.
لا شأن لك بهيئتى …
وقد عبثت باتساقها الطعنات ..
بل تطلعْ لهالتي..
وهى تحنو على كُلّى ..
وبفيئها يستظل المارّون..
الذين لم يسألونى يوماً ..
كيف كبرتِ؟
وماذا بعد ؟
قلب أعزل.
وبعض هواجس للغياب، وذكريات، ودموع مشروعة عن جدوى ما يدور فى اللا جدوى، والتداخل غير المنضبط للأحداث بوصفها سلوكا، نمارسه فى الحياة العامة تجنّبا للغوص فى آليات السرد، عند الكتابة أو النشيج، إنما محاولة لإعادة التفاصيل التى تكاد أن تهرب من ذاكراتنا، فنحاصرها بالأسئلة من دون أن نصفق للأجوبة.
وهكذا خططت “هديل كامل” ونفذت تخطيطها بدهشة طفل
:
أنحتُ وجهاً..
یصلح لحشود المتفرجین..
وجه كونكریتى مسلح
وابتسامة مصفحة.. مضادة للفرح
وأشدّ ما فى دمعي…
ضحكة تراوغ الوجع
وتضلّل النشیج... لحنجرة لیست لي
.
2 -
يمكننى أن أقول إن الكتاب ينقسم إلى قسمين.
- من خلال القراءة - وليس بتقسيم من المؤلفة، أو لأقل - يأخذ اتجاهين يتداخلان فى أحايين كثيرة، بين هاجس داخلى للكاتبة، ككاتبة وإنسانة لها خيالها، وجنونها الخاص، وبين ما تعيشه من واقع مؤلم بعد فقدان الحبيب – الزوج – السند، وفى كلا القسمين تسعى إلى إعلاء حسّها الإنسانى بالرغم من الكثير من المواقف التى تحيط بها محاولة تهشيم كبريائها، لكن قسمها الأول (قسمها الثانى مكرّس للغائب تقريبا) قسمها الأول، يدعوها إلى التسلّح والعلو على هشاشة الروح، واللوذ بما خلّفته الذكريات العصيّة، ومعجزتها المستدامة: الوطن - بغداد.
حين يصبح العمر مستحيلاً
وتذبل ورداتى أمام اجتياح الخريف
وحين تزدحم مرآتى بابتساماتى الباهتة
أنزوى هناك.
بعيداً فى ركن قلبى
أبحث عن دثارك
بغداد.
متى؟؟
.
أحتضن أبنائى بشدة.. فأشمُّ رائحة الوطن
.
أريد أحلاما تستوعب دهشتي.
أريد عراقاً يضمني.
أريد بغداديَ التى تركت فيها بيتي.. وورودي.
وأرجوحة حديقتى التى صدأت من الانتظار
وأحضانى لهفى لعناق نخلة.
.
تركيز مكثف، ونهايات مفتوحة، وكأنّ النص يكتب نفسه، يصوغ فكرته، بعيدا عن حسابات النقد أو التصنيف الشكلى، ومما يمكن تأشيرة أنها فى القسم الثانى – الافتراضى - تسعى الكاتبة إلى أن تحيل الحدث الذى تتناوله إلى «حوار» بينها وبين الآخر، كأنها أيضا تريد أن تفضح المخفى والمستتر من العلاقة الروحية بينها وبين من تحب ما دام كل شيء قد أصبح أسير أزمنة لا يمكن الركون إلى مصداقية تاريخها.
.
قُطّاع طرق.. ينهبون الجراحَ من بريدك الكونى
فتلقاها زهيدةً فى سوق الفضائح!
..
وَيلهُ ساعى البريد.. حين يعبث بشؤوننا
يمزق الآمال على ناصية الطريق
ويتركنا مزروعين على النوافذ..
نتقصّى الرسائل أينما تحطُّ…
.
كم نحن ضائعون ؟
.
أحيانا
تفاجئك هديل بـ (الميانة) مع اللغة باستخدام التعابير العاطفية والكشف عن المشاعر بطريقة مبتكرة، مريحة ومن دون أن تجهد نفسها بالبحث عن السجع أو الطباق والجناس.
:
من يحترف الفضيحة
يتعرق من معطف الستر.. فى زمهرير الساعات
تلك التى تباع فى مزاد سري
مع كومة من
اِبتهال أمهات.
وأطفال.
عبروا طفولتهم بقارب مثقوب
لموت يتشهَّى ورود وجناتهم
رجالٌ يعبدّون النهر
بمجاديف الورطة.
.
3 -
لمن تواصلوا معى عبر الأسطر القرائية لمنجز الصديقة «أم فاطمة» أريد أن أقدم لهم هدية هى هذا النص الفاتن، وأطالبهم بالحصول على نسخة من كتابها (الحياة كجملة ناقصة)، ليقينى أن متعتهم ستكتمل باكتمال الاطلاع على مكنوناته، لاسيما وأنه كتابها الأول ودهشتها الأولى، وهى تروّض الكلمات وتطلقها فى مراعى الشجن والتعب النبيل.. ومشهد لا أروع منه.
:
( دكان صغیر برفوف خشبیة رفیعة
ومصباح برتقالى یكاد أن یضيء البقعة التى یحتلها.
تماماً كما هى ذاكرتنا التى توشك على الانطفاء.
تتشبث بالعطر كاحتضان طفل یرید أن یكبر.
أو كمدینة أغلقت بواباتها فى وضح النهار.
دكان صغیر.. أكدس فیه كل التوابل والبهارات
ومعه حفنة من قواریر عطر فارغة إلا من أحضانك.
ومن إطارات لصور شاغرة.
دكان صغیر.
أستودع فیه عمرى الذى مضى متعجلاً حین وجدتك
وضيّع الدرب سریعاً من بعدك.
كبصیر یتخذ من العطر متكئاً.
..
دكان صغیر).
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
كرم الدكتور سليمان العسكرى فى دورته الـ31.. مهرجان «القرين الثقافى» إرث كويتى يتجدد
أيام الشارقة التراثية.. ثقافات العالم تحت مظلة واحدة
صدمة الخروج من الكادر اقتصاد الشيخوخة .. استثمار المستقبل
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام