نحن والعالم



ضحايا ودمار اقتصادى.. وأزمات مستمرة فى دول إفريقيا.. خسائر الاستعمار مسئولية تاريخية

5-2-2026 | 16:50
⢴ أعدت الملف: زينب هاشم

رابح زاوى: تجاهل المطالب بالتعويض نتيجة وجود تراكم على مستوى البنية القانونية الدولية التى صيغت تاريخيا لحماية الدول الاستعمارية
سمير حكيم: لا بد من تحرك الاتحاد الإفريقى للتفاوض على تعويض الدول المستعمرة
د. بهلولى أبو الفضل: قبل عام 1945 لم يكن الاستعمار جريمة.. والطريق الوحيد الاتجاه إلى محكمة العدل الدولية
 
دائما ما يتسبب الاستعمار فى وقوع خسائر فادحة، سواء خسائر بشرية لآلاف الأرواح ما بين قتلى، مصابين، أمراض بخلاف الدمار الاقتصادى الناتج عن نهب الموارد، فرض ضرائب، تدمير أسس الاقتصاد المحلى بخلاف التفكك الاجتماعى والثقافى من تغيير النظم التشريعية وطمس الهوية، وكل ما يمثله استنزاف الثروات والموارد لإدامة السيطرة والاستعمار، مما يخلق أزمات مستمرة حتى بعد زواله وبرغم الآثار الخطيرة التى يتسبب بها الاستعمار فإن هناك تجاهلا مستمرا لتعويض الدول المتضررة.
«الأهرام العربى» تتساءل مع بعض الخبراء، لماذا يتم تجاهل المطالب بتعويض دول إفريقيا عن الاستعمار؟ وهل لا يوجد فى القانون الدول ما يحتم تعويض الدول عن تلك الخسائر؟
 
فى البداية يتحدث د. زاوى رابح، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى بجامعة أكلى محند أولحاج البويرة بالجزائر، قائلا: يمكن تفسير تجاهل المطالب بتعويض إفريقيا عن الاستعمار بوصفه نتيجة وجود نوع من التراكم على مستوى البنية القانونية الدولية التى صيغت تاريخياً لحماية الدول الاستعمارية، مع دعمها بمصالح اقتصادية وسياسية هائلة، وسرديات أيديولوجية تبريرية تم غرسها على مدار عقود من الزمن.
ويشير رابح إلى أنه بكل تأكيد أن ذلك صاحبه ضعف القوة التفاوضية الإفريقية، أكثر مما هو نتيجة غياب حجة أخلاقية أو قانونية لصالح التعويض. ومن المهم الإشارة إلى أن الأدبيات القانونية والتاريخية المعاصرة، تكاد تجمع على أن الاسترقاق والاستعمار شكلا جرائم كبرى أدت إلى إفقار إفريقيا وإغناء أوروبا، وأن هناك أساسا تاريخيا وقانونيا متينا لمطلب التعويض، لكن البنية التى حولت تلك الجرائم إلى مصدر ثراء للقوى الاستعمارية هى نفسها التى تقف اليوم فى وجه أى مسعى جاد لجبر الضرر الناتج عن تلك المرحلة الاستعمارية التى تفاوتت مرحلتها من دولة إلى أخرى.
ويرى، أن النظام القانونى الدولى نفسه نشأ وتبلور، فى لحظة تاريخية، كانت القوى الاستعمارية فيها فى ذروة نفوذها، فصاغت قواعد القانون الدولى على نحو لا يعترف عمليا بالشعوب المستعمرة كذوات قانونية كاملة الحقوق، ولا يوفر آليات لمساءلة الاستعمار أو المطالبة بالتعويض عن أضراره.
 
ويضيف زاوي: فيما يتجه رأى آخر إلى أن الحديث حول إمكانية التعويض عن جرائم الاستعمار، يستند فى الأساس إلى أن مبدأ التعويض الكامل عن الفعل غير المشروع مستقر فى القانون الدولى، لكن العقبة الكبرى أمام تحقيقه تتمثل فى كيفية إثبات أن الأفعال الاستعمارية كانت، فى حينها، مخالفة لقواعد ملزِمة للدولة الاستعمارية، وهو ما يفتح عبره بابا واسعا لاستخدام المبدأ الزمنى للقانون للقول إن كثيراً من الأفعال لم تكن غير مشروعة وقت وقوعها، وبالتالى لا يقوم التزام قانونى بالتعويض. لكن لا يمكن بأى حال من الأحوال أن نغفل أن هذا التفسير التقنى إن صح التعبير يخفى هو الآخر فى جوهره إرادة سياسية للإفلات من المسئولية، وينتِج حالة مفارِقة يعترف أخلاقيا بأن الاستعمار جريمة، لكن ينفى أن يكون لذلك أى أثر قانونى ملزم فى الحاضر.
ويتابع: لقد أقر مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية المنعقد عام 2001 فى وثيقته الختامية، بأن الرق وتجارة الرقيق عبر الأطلسى تعتبر جريمة ضد الإنسانية، وكان ينبغى أن يعتبر كذلك دائماً، وأن الاستعمار سبب رئيسى فى إنتاج البنى الراسخة للعنصرية وعدم المساواة حتى اليوم، وهو ما اعتبر فى تلك السنة تحولا كبيرا فى مواقف الدول الأوروبية تجاه العديد من القضايا المرتبطة بالماضى الاستعمارى فى القارة الإفريقية وغيرها. ولكن مع ذلك، رفضت دول أوروبية أساسية - مثل بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا - توجيه اعتذار صريح عن الرق والاستعمار، واكتفت بتعبير الأسف العميق لتجنب أى صياغة قد يمكن فهمها باعتبارها إقرارا بمسئولية قانونية، تفتح باب المطالبة بتعويضات من طرف الدول المتضررة.
 
إن هذا الفصل المتعمد بين الأسف الأخلاقى والمسئولية القانونية أضحى نموذجا لخطاب الدول الاستعمارية؛ فهى تدين الماضى لفظيا، وتقر بأنه حقبة مظلمة، لكنها تحرص على ألا تترجم هذه الإدانة إلى التزام تعويضى، يمكن أن يحدد حجمه ويطالب بتنفيذه أمام منتديات دولى مستقبلا.
ويوضح قائلا: على الطرف الآخر، يمكن القول إن هناك مجموعة من الحجج القانونية المرتبطة بالتقادم والحصانة السيادية للدول، مع إرادة سياسية واضحة لعدم إيجاد سابقة، فى تجاهل مطالب إفريقيا بالتعويض، وهنا تتم صياغة حالات محدودة من الاعتراف بانتهاكات استعمارية وتعويض بعض الضحايا كاستثناءات إنسانية سياسية لا ترتب التزاما قانونيا عاما، كما حدث مثلا فى تعويض ضحايا تعذيب مقاتلى «ماو ماو» فى كينيا، حين قامت بريطانيا، بدفع مبالغ لآلاف الضحايا مع التأكيد رسميا على عدم الإقرار بأى مسئولية قانونية وعدم قابلية التسوية للقياس عليها، وكذلك فى حالة ناميبيا حين اعترفت ألمانيا بأن جرائمها ضد الهريرو والناما ترقى، وفق معايير اليوم، إلى إبادة جماعية وقدمت اعتذارا وتمويلا تنمويا طويل الأمد هذا من جانب، لكنها من جانب آخر تجنبت توظيف كلمة تعويضات ونفت وجود التزام قانونى، ما اعتبره المتضررون ومنظمات حقوقية التفافا على العدالة التعويضية.
ويشير رابح إلى أنه حتى وقت قريب، كانت المطالب الإفريقية بالتعويض تطلق فى الغالب من قبل مثقفين ومنظمات مجتمع مدنى وبعض الحكومات منفردة، من دون وجود موقف قارى موحد يحول الموضوع إلى أولوية تفاوضية جماعية وهو أمر بالغ الأهمية فى طريق المطالبة بالتعويض.
 
ويستكمل قائلا: لقد شكل «إعلان أبوجا» عام 1993 أولى المحاولات المبكرة لصياغة خطاب إفريقى موحد حول التعويض عن الرق والاستعمار، مطالبا بإلغاء الديون ونقل التكنولوجيا ودعم قطاعات التعليم والصحة بوصفها أشكالا من التعويض، إلا أن هذا الزخم انطفأ لاحقا بسبب أزمات اقتصادية وسياسية داخلية، وضعف الآليات المؤسسية لمتابعة الملف فيما بعد.
ويرى بأن الشيء اللافت للنظر خلال السنوات الأخيرة هو توجه الاتحاد الإفريقى نحو عملية مؤسسة أجندة التعويض، والبداية كانت اعتماده موضوع العدالة للأفارقة وأبناء الشتات عبر التعويضات شعارا لعام 2025، وتبنيه خارطة طريق تتضمن إنشاء لجنة خبراء لصياغة موقف قانونى إفريقى مشترك، والدعوة إلى صندوق عالمى للتعويضات مقره إفريقيا، وبناء تحالفات مع الكاريبى والشتات الإفريقى فى الأمريكتين.
ويؤكد أنه فى المحصلة، يفسر تجاهل المطالب الإفريقية بالتعويض عن الاستعمار بتشابك خمس دوائر رئيسية أولها، وجود بنية قانون دولى صيغت لحماية الدول الاستعمارية، وتفتقر عمدا إلى آليات لمساءلة الاستعمار، وثانيا، استخدام مبادئ عدم الرجعية والتقادم والحصانة السيادية لقطع الطريق على أى التزام قانونى وهو أمر بالغ الأهمية أما ثالثا، فيتمثل فى الكلفة المالية والسياسية الهائلة التى تجعل الحكومات الغربية حريصة على حصر الملف فى اعتذارات رمزية أو مشروعات تنموية اختيارية وفقط، أما رابعا، فهو يتعلق باستمرار هذه البنية الاقتصادية العالمية التى تعيد إنتاج عدم المساواة وتحول النقاش عن التعويض إلى تهديد لمصالح منظومة كاملة من الدول والشركات، وأخيرا وهو فى نظرنا أهم تلك الدوائر والمتمثلة فى ضعف القدرة التفاوضية الإفريقية التاريخية، وتشتت تعريف التعويض نفسه، رغم محاولات حديثة للاتحاد الإفريقى لتوحيد الموقف، وجعل التعويض جزءاً من مشروع التنمية القارية.
ويتفق مع الرأى السابق، د. سمير حكيم، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى بجامعة غرداية بالجزائر، قائلا: يتم التجاهل الغربى لمطالب الأفارقة بتعويضها لخسائرها المادية واللا مادية، بناء على اعتماد الدول الاستعمارية على نصوص القانون الدولى، كون هذا الأخير لم يشر لأى نص صريح يلزم الدول الاستعمارية بدفع تعويضات عن أفعال وقعت سابقا قبل تمكين معظم الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، هذا من الجانب القانونى، وخوفا من مطالب مادية ومبالغ خيالية خصوصا فى ظل تقهقر الاقتصاد الأوروبى مثلا، ولهذا نجد أغلب الدول الاستعمارية تسعى لربط علاقات متميزة مع النخب الحاكمة فى إفريقيا وتقديم امتيازات مريحة فى الخارج وضمانات سياسية فى البقاء بالحكم تجعلها تتغاضى عن هذه المطالب، وبالتالى يمكن القول بأن الدول الإفريقية لم تتوحد وتتفق على بنود مضبوطة ولوائح قانونية واضحة وضاغطة تجعلها ترافع لمصالح الدول والشعوب الإفريقية.
 
ويضيف: باعتقادى وجب على الدول الإفريقية اليوم أن تفكر فى الموضوع بجدية وصراحة من خلال مبادرات دولية فردية وبتقديم مطلب مقترح لدى أجهزة الاتحاد الإفريقى، من أجل رسم خارطة طريق فى هذا الملف، الذى يرد الاعتبار للأفارقة، بالتالى أول خطوة تتمثل فى قوة الطرح والمبادرة وبعدها ضرورة الاتحاد و التوافق ووضع ملف كامل لدى الأمم المتحدة قصد الدراسة والمرافعة من أجل تمكينها ليكون ضمن أهم محاور القانون الدولي.
يلتقط أطراف الحديث د. بهلولى أبو الفضل أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، قائلا: لابد أن نشير إلى أن الدول الغربية وبصفة عامة الدول المستعمرة تتجاهل مطالب إفريقيا بالتعويض، وذلك لأسباب متعلقة أولا بالقانون الدولى نفسه، لأنه لحد الساعة لا توجد قاعدة بالقانون الدولى المعروفة بالقواعد المتعلقة بالقانون الدولى إلا مرة تتضمن التعويض عن الاستعمار، ولذلك كان من المفترض على جميع الدول سواء المجموعة العربية او الإفريقية أو حتى الدول الكاريبى أن تسعى على مراحل وعلى مستويات تدوين القانون الدولى، والتركيز على إيجاد قاعدة سواء فى القانون الدولى العرفى وتحويلها إلى قاعدة مكتوبة تتحدث على أولا، الاستعمار ومن ثم المطالبة بالتعويضات، لذلك لجأت الكثير من الدول الأوروبية المستعمرة سابقا إلى تقنية أخرى، وهى الاتفاقيات الثنائية الدولية الملزمة، وبالتالى غياب قاعدة فى القانون الدولى تجعل انعدام المسئولية، وكذلك انعدام حتى ما يعرف بالتعويض بالنسبة إلى الدول المتضررة.
ثانيا، لابد إلى أن نشير الى أن السياق التاريخى، كان يعتبر الاستعمار أو الحرب هو استعمال القوة هى القاعدة العامة بينما السلم والأمان هما الاستثناء لذلك فإن الاستعمار والتوسع والعبودية جزء من القانون الدولى، وجزء من العلاقات الدولية آنذاك.
 
ويتابع: وبالتالى كان أمرا مقبولا لاسيما اتفاقية سايس - بيكو وهى الاتفاقية التى تم من خلالها تقسيم أراضى الدولة العثمانية، وبالتالى العلاقات الدولية فى تلك الفترة كانت تتسم بخصائص القوى والحروب وانعدام الأمن والثقة، لكون الحرب القاعدة وأن السلم هو الاستثناء.
ويستكمل: فى تصورى كان لابد على الدول الإفريقية، وكذلك المجموعة العربية المتضررة من الاستعمار أن تنصب جهودها فى إيجاد قاعدة امنة فى القانون الدولى هى التى تجرم الاستعمار وأن تكون مقبولة من قبل المجتمع الدولى، ولا ننسى أن المجتمع الدولى كان يرفض قبل تأسيس الأمم المتحدة وجود دول جديدة فى سياق الأمم المتحدة، وإدراج مصطلح حق تقرير المصير، وهو مؤشر على أن المجتمع الدولى له قابلية لا سيما الدول الكبرى صانعة القرار فى العالم فى استقبال دول جديدة فى المجتمع الدولي.
ويشير أبو الفضل إلى أنه قبل عام 1945، لا يمكن الحديث عن الاستعمار على أنه جريمة، ولم تكن هنالك وثائق دولية أو قواعد القانون الدولى هى التى تحرمها الاستعمار، لذلك يجب على المجموعتين الإفريقية والعربية وحتى دول الكاريبى أن توحد صفوف، وأن تكون لديها أجندة واضحة وهى الأجندة المتعلقة بالتعويض.
 
ويضيف قائلا: اليوم الطريق الوحيد أمام المجموعة المتعلقة بالاستعمار الاتجاه إلى محكمة العدل الدولية أن تقدم طلبا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن تحيله إلى محكمة العدل الدولية تطلب استشارة حول المعايير التى على أساسها يمكن تعويض الدول المتضررة من الاستعمار، وتصنف على أن الاستشارة ستكون لها قيمة كبيرة، وسوف تكون لها أهمية نرتكز عليها، لأنه وحتى الساعة لا توجد أى نقطة آمنة نرتكز عليها باستثناء بعض الإعلانات غير الملزمة فى العلاقات الدولية، لذلك هناك جهد كبير ينتظر الدول المتضررة من الاستعمار.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام