وجوه عبر الزمن



‪فريد عبد الكريم.. حين يصير الإنسان سؤالًا (3 من 3)‬

5-2-2026 | 21:07
إلهامى المليجى

عند نهايات الكبار، 
لا نقف أمام حياة انتهت، بل أمام معنى يُمتحن.
لا نسأل ماذا فعلوا، بل ماذا أصبحوا - وماذا صرنا نحن وهم يمضون.
فريد عبد الكريم لا يُستعاد هنا بوصفه فاعلًا سياسيًا فقط، بل بوصفه حالة نادرة: إنسان عاش داخل فكرة دون أن يختبئ فيها، وحمل معنى دون أن يتاجر به، وسكن السياسة دون أن يسمح لها أن تسكنه.
 فى زمنٍ تغيّرت فيه السياسة من ساحة للصراع على العدالة إلى ساحة لإدارة المصالح، ومن لغة للقيم إلى لغة للتوازنات، بدا هذا الرجل خارج السياق لا لأنه ينتمى إلى الماضى، بل لأنه ينتمى إلى معيار آخر.
هو لا يُقرأ بوصفه رجلًا نزيهًا فحسب، بل بوصفه اختبارًا حيًّا لفكرة:
هل يمكن للسياسة أن تكون أخلاقًا دون أن تصبح وعظًا؟
وهل يمكن للموقف أن يكون صلبًا دون أن يتحوّل إلى جمود؟
وهل يمكن للإنسان أن يسكن الفكرة دون أن تتحوّل إلى قناع؟
لذلك لا نقترب من رحيله بوصفه غيابًا، بل بوصفه سؤالًا حيًّا:
ماذا يبقى حين يختفى من يذكّرنا بمعاييرنا؟
وهل نحتاج إلى الأبطال… أم إلى أولئك الذين يذكّروننا فقط بما ينبغى أن نكونه؟
من هنا نبدأ: من لحظة الوداع، لا بوصفها نهاية، بل بوصفها كشفًا.
 
المشهد الثالث: حين يكتب الإنسان خاتمته بيده
تباعدت لقاءاتنا، لا بفعل فتور، بل لأن الحياة كانت تمضى بنا فى اتجاهات متباعدة.
كنتُ قد غصتُ فى إدارة دار النديم للصحافة والنشر والتوزيع، والإشراف على المركز العالمى لدرسات وأبحاث الكتاب الأخضر، وتولّى أمانتى الإعلام والشئون المالية فى حزب مصر الفتاة، ثم مسئولية إدارة جريدة «مصر الفتاة».
وكان هو، فى المقابل، قد دخل بكل طاقته فى معركة تأسيس الحزب الاشتراكى الناصري.
استطاع أن يجذب مئات الآلاف من المنضمّين - مشهدٌ كان كافيًا وحده لإثارة القلق فى دوائر السلطة.
وحين تقدّم بأوراق التأسيس، جاء الرفض من لجنة شئون الأحزاب، لا لخلل قانونى، بل - كما بدا - خوفًا من ثوريته، ومن رمزيته، ومن قدرته على تحويل الفكرة إلى قوة حيّة.
لم يتوقّف.
عاد، بهدوئه نفسه، ليؤسّس حزبًا جديدًا: الحزب العربى الديمقراطى الناصري.
وتقدّم به مرة أخرى إلى لجنة شئون الأحزاب، فتم قبوله عام 1992.
لكن المفارقة لم تكن فى القبول، بل فى ما تلاه.
اختار فريد عبد الكريم أن يبتعد عن زعامة الحزب، لا تواضعًا فقط، بل تحوّط سياسى؛ إدراكًا منه أن اسمه، ومبدئيته، وشعبيته، قد تكون سببًا فى خنق الحزب قبل أن يتنفّس.
ترك الرئاسة لضياء الدين داود، لما يملكه من قدر من البراجماتية يسمح له بإدارة العلاقة مع السلطة بما يجنّب الحزب الإغلاق أو التضييق، بينما ظلّ فريد حاضرًا فى الخلف، لا بوصفه ظلًا، بل بوصفه ميزانًا.
فى يناير 2001، وكانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى ذروتها، انعقد مؤتمر لدعم الشعب الفلسطينى فى أحد فنادق وسط القاهرة، شاركت فى تنظيمه اللجنة المصرية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.
كنتُ قد طبعتُ حينها كتاب “تطبيع وتمويل” للباحثة المتميزة سناء المصرى، الذى كشف تلقى بعض النخب اليسارية والقومية تمويلات من جهات غربية مشبوهة، وأوقفتُ ريعه لصالح اللجنة.
وفى المؤتمر التقيت فريد عبد الكريم، وأعطيته نسخة من الكتاب.
قرأ عنوانه كمن يقرأ اتهامًا أخلاقيًا لا كتابًا.
أشاد بمضمونه، وطلب نسخًا إضافية، ونبّه بعض الحضور إلى أهميته.
ثم صعد إلى المنصّة.
كانت كلمته قصيرة، لكنها كانت مشحونة بما يكفى لإشعال القاعة.
وحين بدأ يتحدّث عمّا يتعرّض له أهلنا فى فلسطين من عنفٍ وقمعٍ يومى، خانَه صوته.
ترقرقت دموعه، وترقرقت معها دموع كثيرين فى القاعة - وكنتُ منهم.
بعد المؤتمر، التقيت به على الهامش.
كان فى حالة تأثّر شديد، وقال لى بصوت مكسور:
أشعر بالعجز… لأننى لا أستطيع أن أفعل لفلسطين ما يكفي.
بعدها بقليل، أصابه المرض، واشتدّ عليه سريعًا.
وغادر عالمنا بعد هذه الواقعة بأشهر قليلة.
وعلمتُ - بعد رحيله - أنه كتب نعيه بيده، ونُشر فى جريدة «الأهرام».
قال فيه: 
مات ثابتًا على الحق.
تُوفى إلى رحمة الله تعالى فريد عبد الكريم المحامي.
فمن كانت له عنده حاجة فليطلبها من ابنته إيمان، ومن كان له عنده حق فقد سامحه فيه.
كأنه، حتى فى وداعه، لم يُرد أن يترك وراءه إلا طمأنينة.
المعيار الذى لا يشيخ… والسؤال الذى لا يُغلق
لم يكن فريد عبد الكريم واحدًا من الذين يتركون وراءهم مؤسسات، ولا من الذين يخلّفون مدارس، ولا من الذين يورّثون أتباعًا.
كان من أولئك الذين يتركون أثرًا أخلاقيًا يصعب أن يتحوّل إلى برنامج، لكنه يستحيل أن يُنسى.
لم يكن رجل حلول جاهزة، بل رجل أسئلة صعبة.
ولم يكن صاحب إجابات نهائية، بل صاحب معيار.
وفى زمنٍ صارت فيه السياسة حرفة، والموقف سلعة، والفكرة غطاء، بدا هذا الرجل كأنه ينتمى إلى سلالة نادرة: أولئك الذين يعيشون الفكرة بدل أن يستخدموها.
لم يكن ينتصر كثيرًا، لكنه لم ينتصر مرة واحدة بثمن لا يستطيع أن يدفعه.
ولم يكن يربح كثيرًا، لكنه لم يربح يومًا على حساب المعنى.
وحين كتب نعيه بيده، لم يكتب سيرة، ولا مجدًا، ولا بطولة، بل كتب خاتمة أخلاقية قصيرة: أن يترك العالم كما دخل إليه - بلا خصومات مفتوحة، وبلا حسابات معلّقة، وبلا ظلال ثقيلة.
لهذا لا يبدو غيابه فراغًا سياسيًا، بل فراغ معنوى.
ليس لأن أحدًا لا يُعوَّض، بل لأن ما مثّله صار نادرًا: 
سياسى لا يكذب، ومناضل لا يتاجر، وقومى لا يُزايد، وإنسان لا يستخدم الفكرة ليعفو عن نفسه.
فريد عبد الكريم لم يترك لنا حزبًا نحتمى به، ولا برنامجًا نطبّقه، ولا وصفة للخلاص.
ترك لنا شيئًا أصعب: 
معيارًا نسأل به أنفسنا.
أن نسأل، كلما وقفنا عند مفترق:
هل هذا الطريق يُرضى ضميرنا قبل أن يُرضى مصلحتنا؟
وهل هذا الخيار يُنقذ الفكرة، أم يُنقذنا نحن منها؟
ذلك هو إرثه الحقيقي.
الخاتمة
ذلك وحده ما يجعل اسمه لا يُغلق مع صفحته، بل يبقى مفتوحًا كسؤال… فى زمنٍ يحتاج إلى الأسئلة أكثر مما يحتاج إلى الأجوبة.ش
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام