رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
يجيد العزف على أوتار التأزم وصناعة العراقيل .. مصر تتصدى لمخططات نتنياهو
5-2-2026
|
21:50
⢴ العزب الطيب الطاهر
- حكومته اشترطت أن تكون أعداد الخارجين عبر معبر رفح أكبر من الداخلين لكن القاهرة أصرت على التوازن بينهما ورفضت وجود ممثلى الاحتلال الأمنيين داخله
- الأنياب المصرية تجهض مشروع تهجير فلسطينيى غزة إلى سيناء سواء عبر خطة تل أبيب أم خطة ترامب
- مصر واجهت - ولا تزال- محاولات التهجير القسرى وتصفية القضية الفلسطينية عبر إستراتيجية متعددة الأبعاد
- القاهرة أحبطت رواية حكومة الاحتلال وكشفت هشاشتها بفتح معبر رفح
- إفشال مخطط «المنطقة الطاردة» من خلال السعى لإبقاء قطاع غزة منطقة قابلة للحياة
فضلا عن ممارسته أشد أشكال العدوانية، وعشق الارتواء بالدماء، فإنه يجيد العزف على أوتار التأزم وصناعة العراقيل ونشر الأكاذيب والافتئات على الحقوق.. هكذا هو ديدن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ليس على صعيد التعاطى مع حرب الإبادة فى غزة على مدى يزيد على العامين فحسب، وإنما فى أدائه العام وعلاقاته مع الأطراف الأخرى، خصوصا مع مصر التى يدرك قيمتها وقامتها فى الإقليم ورصيدها الحضارى، وفاعلية دورها وقدرتها على التأثير الذى من شأنه أن يغير من مسار الأحداث والمؤامرات.
ومع ذلك سعى إلى الالتفاف على هذا الدور ومحاولة الخصم من رصيده لصالح تمدد كيانه المحتل والهيمنة على الإقليم عسكريا وإستراتيجيا وأمنيا، غير أنها – أى المحروسة بقيادتها ومؤسساتها المعنية بكل مستوياتها- نجحت فى إجهاض هذا المسعى وتلك المحاولات، سواء على صعيد ما يمس أمنها القومى، أم على صعيد تفاعلات وتداعيات حرب غزة غير المسبوقة فى عنفها المفرط، ونهجها الانتقامى المؤسس على الرغبة فى محو الآخر الفلسطينى والعربى، بل والمسلم، وشطب وجوده الجغرافى والديموغرافى والإنسانى.
وتجلى ذلك بوضوح فى محاولة حكومة نتنياهو اليمينية، التى تضم غلاة المتطرفين قوميا ودينيا، فرض شروطها بخصوص فتح معبر من الجانب الفلسطينى، الذى أغلقته عقب خضوعه لاحتلال جيشها فى الثامن عشر من مايو 2024، وهى العملية التى بدأت وفق خطة تشغيل تجريبى يوم الأحد الماضى، بينما انطلقت رسميا فى اليوم التالى – أى الإثنين - وذلك فى ضوء ما جرى التوافق عليه ضمن محددات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الخاصة بإنهاء الحرب.
وكان فى صدارة هذه الشروط أن يقتصر العبور على حركة الأفراد، وأن يكون للاحتلال سيطرته الأمنية الكاملة على المعبر من خلال أنظمة مراقبة عن بُعد، وذلك بعد أن رفضت القاهرة وجود ممثليه الأمنيين داخل المعبر وهو الأمر الذى كان يصر عليه نتنياهو، وبالإضافة إلى الموافقة المسبقة على أسماء المسافرين ووثائق هويتهم، ونصب نقطة تفتيش قبل الجهة الفلسطينية من المعبر، بحيث يمر الداخلون إلى قطاع غزة والخارجون منه عبرها.
والأهم أن يكون عدد المغادرين أكبر من عدد الداخلين، على نحو يسمح بخروج عدد يتراوح بين 150 و200 شخص يوميًا مقابل دخول 50 فقط، الأمر الذى أثار حفيظة الجانب المصرى، اقتناعا منه بأن هذا الطرح ينطوى على محاولة لـتشجيع هجرة بطيئة ومستمرة من غزة على المدى الطويل، فضلا عن أنه ينطوى على ترتيب لا يُفهم منه سوى دفع سكان القطاع إلى مغادرته بشكل تدريجي، وهو ما تعده القاهرة خطًا أحمر، ومن ثم حظى برفض قاطع، لاسيما فى ظل حساسية ملف النزوح وأبعاده السياسية والأمنية، ومن ثم أصرت على اعتماد مبدأ التوازن، بحيث يكون عدد الداخلين مساويًا لعدد الخارجين يوميًا عبر معبر رفح.
وإشكالية، أو بالأحرى مؤامرة تهجير فلسطينى غزة، برزت فى الأيام الأولى التى أعقبت شن حرب الإبادة فى السابع من اكتوبر 2023، تحديدا فى الثالث عشر من الشهر نفسه، بحسبانها أفضل البدائل للتعامل معهم - وفق تقديرات جهاز مخابرات القوة القائمة بالاحتلال - من خلال وضع مخطط، يقضى بنقل 2.3 مليون مدنى من القطاع إلى "مدن خيام" فى شمال سيناء، ثم بناء مدن دائمة وممر إنساني، بيد أن الأنياب المصرية تصدت لهذا المخطط وسارعت بإجهاضه، عبر تكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع العواصم المؤثرة فى المعمورة، والتى كان بعضها يميل فى البداية للقبول بهذا الخيار، كان ذلك على الصعيد العلنى.
أما على الصعيد السرى، فقد تم إبلاغ كل من تل أبيب وواشنطن بأن أى محاولة فى هذا الاتجاه ستدفع القاهرة للتخلى عن معاهدة كامب ديفيد واتفاقية السلام مع الكيان الإسرائيلى واللتين تم التوقيع عليهما فى عامى 1978 و1979 على التوالى، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمى، ما أدى إلى تلاشى هذا المخطط مبكرا، والذى كان سيتزامن معه تهجير فلسطينى الضفة إلى الأردن، بوضوح أظهرت مصر لكل الأطراف المعنية صلابة فى رفضها المخطط والتى رأت فيه سبيلا لتصفية القضية الفلسطينية، ومارست الفاعلية الفلسطينية عبر التمسك بالأرض ورفض الانخراط فى أى محاولات للتهجير قسرياً أم طوعياً، على الرغم من المغريات التى هدفت إلى تحقيق ما يسمى بـ "التهجير الهادئ"، إلى جانب فاعلية اللاعبين الإقليميين والدوليين، وفى مقدمتهم جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامى، بالإضافة إلى دول كبرى مؤثرة دوراً مركزياً فى إفشاله.
لكن الخيار ظل يراوح مكانه، ولم يتم بلورته فى خطوات على الأرض، وإن كان اشتداد أعمال القتل والتدمير المنهجى، شكل عناصر ضغط على سكان القطاع لإجبارهم على طلب المغادرة، غير أنهم انحازوا إلى النزوح من منطقة إلى أخرى داخل القطاع، تحت وقع غارات مقاتلات الاحتلال والقصف المدفعى المتواصل ورصاص القناصة، فى متوالية كانت تجرى بصورة يومية.. وعلى الرغم من كل المكابدات الناجمة عن ذلك، فإنهم لم يرفعوا الراية البيضاء، وإنما كانوا يقبضون بأجسادهم وقلوبهم على كل بقعة يقيمون فيها ما دامت فى أرض غزة، الأمر الذى كان يثير شهية نتنياهو ونخبته السياسية والعسكرية إلى رفع منسوب القتل والتدمير والإطاحة بكل مقومات الحياة فى القطاع.
سقوط مؤامرة ترامب
واستمرت هذه الوضعية على هذا النحو حتى تبنى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الأيام الأولى لعودته إلى البيت الأبيض فى العشرين من يناير 2025، ما أسماه بضرورة نقل فلسطينى غزة إلى سيناء، متماهيا بذلك مع طروحات ومخطط نتنياهو، عارضا تحويل غزة إلى ريفيرا شرق أوسطية مقابل الريفيرا الفرنسية لخدمة أثرياء العالم، فبادرت مصر بالإعلان عن رفضها لهذه التصورات بقوة وبلغة اعتمدت على مفردات دبلوماسية لكنها محددة وقاطعة وواضحة الملامح وبمنأى عن الطابع البروتوكولى، والأهم أنها تقدمت بتصورات مناهضة تجلت فى خطة لإعادة إعمار غزة بدون تهجير أو ترحيل سكانها، اتكأت على رؤية شاملة ومنهجية عملية -إن صح التعبير – مبنية على مراحل وآليات محددة، فضلا عن كيفية توفير التمويل، من خلال عقد مؤتمر دولى للمانحين لتدبير الأموال المطلوبة والتى تتراوح طبقا لآخر التقديرات بين 60 إلى 80 مليار دولار، ودعت القيادة المصرية ممثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى، إلى عقد قمة عربية طارئة فى الرابع من مارس من العام الفائت بالعاصمة الجديدة، لاعتماد الخطة عربيا، وأعقبها اعتمادها من قبل وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي.
الأمر الذى أفضى فيما بعد إلى تخلى ترامب عن تصوراته وخططه التى بدت متناقضة مع المنطق السياسى والمنظور الأخلاقى، وغير متسقة مع القانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى، وإن كانت رؤيته لتحويل القطاع إلى منتجع سياحى عالمى لم تغادر ذهنه، وهو ما ينسجم مع خروجه من رحم العقار والاستثمار، إلى مجال السياسة والولوج إلى الموقع الأول فى البيت الأبيض مرتين -2016 و2025 - بدون المرور بالمراحل التى يمر عبرها رؤساء الولايات المتحدة بداية بعضوية المؤسسة التشريعية سواء مجلس نواب أم مجلس شيوخ، أو تولى منصب الحاكم لإحدى الولايات أو المؤسسة العسكرية، ما دفعه – وما زال- إلى إحداث تغييرات دراماتيكية فى أسلوب التفاعل مع أزمات وقضايا العالم، وفى القلب منها ما تتعرض له المنطقة العربية والشرق الأوسط، والتى تقوم على أولوية مصالح بلاده، وهو أمر مشروع ولكن دون أن يعرض مصالح الآخرين للخطر.
واللافت أنه يتحرك باتجاه ما يسميه "أمريكا أولا" متجاهلا أو بالأحرى متسببا فى إغراق هؤلاء الآخرين فى دوامة الصراعات والنزاعات بل والدماء.. وفى هذا السياق جاءت خطته لإنهاء حرب غزة والتى تضمنت 20 بندا معظمها يتسم بالغموض والسيولة، وإن تجلت ميزتها النسبية فى وقف الحرب الشاملة على القطاع، على الرغم من أن نتنياهو يبدى إصرارا على مواصلة مسارات الدم، والتى بلغت ذروتها يوم السبت الماضى بارتكاب جيشه الاحتلالى مجازر شملت معظم محافظاته وأسفرت عن استشهاد 32 مدنيا وإصابة المئات خلال بضع ساعات من الفجر وحتى منتصف النهار، دون أن يتحرك قلب أو عقل أو دبلوماسية ترامب لوقفها، وممارسة ضغوط حقيقية على رئيس حكومة القوة بالاحتلال، ليتجاوب مع خطته التى أطلق البيت الأبيض مرحلتها الثانية منذ ثلاثة أسابيع، مصرا - أى نتنياهو- على وضع الألغام فى طريقها، مثلما فعل فى المرحلة الأولى، على الرغم من أنه حصل على كل ما حدده منها، متمثلا فى استعادة أسرى الكيان الإسرائيلى: أحياء ورفات.
أكذوبة الاتفاق مع مصر
اتساقا مع هذه المعطيات، فإن مواقف حكومة نتنياهو فيما يتعلق بمعبر رفح، لم تقتصر على التشدد فى إغلاقه منذ 2024 فحسب، وإنما أخذت تسرب عبر وسائطها الإعلامية خلال الأشهر الأخيرة عن مضمون اتفاق مع مصر لفتحه حصريا لخروج الفلسطينيين وهى واحدة من الأكاذيب المتعددة، التى ظلت تروج لها على مدى العامين المنصرمين سعيا لإحداث ارتباك فى موقفها الثابت من مخطط التهجير المرفوض جملة وتفصيلا، بيد أن القاهرة بأذرعها السياسية والدبلوماسية والإعلامية، أفشلت هذه الرواية سريعا وأعادت الأمور إلى إطارها الحقيقى بمنتهى الحسم والوضوح.
ويعكس ذلك أن تل أبيب تلجأ فى كل محطة سياسية أو ميدانية إلى اختلاق تسريبات ومعلومات مضللة، فى محاولة لتخفيف الضغط الدولى المتزايد عليها بعد ثبوت هشاشة سردياتها، ليس فقط على صعيد إغلاق المعبر من الجانب الفلسطينى، وإنما من مجمل وقائع الحرب على غزة، وفى هذا السياق جاء بيان هيئة الاستعلامات الذى نفى تماماً مزاعم القوة القائمة بالاحتلال، مؤكدا الموقف السيادى الراسخ تلتزم به الدولة المصرية منذ اللحظة الأولى للحرب والمتمثل فى أنه لا قبول بأى شكل من أشكال التهجير، ولا خروج بلا عودة، ولا عبور أحادى الاتجاه يمكن أن يستغله الاحتلال لفرض أمر واقع جديد على الأرض، مؤكدا أن ربط مصر لأى خطوة مستقبلية بخطة الرئيس الأميركى دونالد ترامب للسلام، يثبت أن القاهرة تتحرك وفق إطار سياسى متكامل لا يسمح بمناورات لحكومة نتنياهو.
ومن ثم فإن أى فتح أو تنظيم للمعبر يتعين أن يكون فى إطار اتفاق شامل، لا تحتكره ولا تفرض شروطه من طرف واحد، وهو ما تم بلورته بشكل قاطع فى الاتفاق الأخير الذى سمح بحرية الانتقال بين اتجاهى المعبر دون الاستجابة لكل شروط تل أبيب ما دفع زعيم حزب الديمقراطيين داخل الكيان الإسرائيلى يائير جولان إلى اعتبار فتح معبر رفح تذكيرا مؤلما لفشل إستراتيجى مستمر لحكومة نتنياهو، تسبب فى أن تُصاغ أهم الترتيبات الأمنية فى غزة دون مشاركتها.
ولا شك أن هذه الحكومة ظلت تتبنى المواقف السلبية من قبيل منعها دخول المساعدات الانسانية إلى القطاع على النحو المتفق عليه فى اتفاق وقف إطلاق النار (600 شاحنة يوميا) فما كان مسموحا بدخوله عدد يتراوح بين 150 إلى 200 شاحنة ما أسهم فى إطالة الأبعاد الكارثية فيه وفاقم من معاناة السكان بالإضافة إلى عرقلة خروج المرضى، والذين تبلغ أعدادهم أكثر من عشرين ألف مريض مصابين بحالات تستدعى المعالجة السريعة، ساعية من وراء ذلك إلى استغلال الجانب الفلسطينى من معبر رفح كورقة ضغط سياسية لا علاقة لها بالإنسانية، ما يؤشر إلى عمق حالة الإفلاس السياسى الذى تعيشه حكومة نتنياهو، ومحاولاتها المستمرة لتصدير أزماتها الداخلية، وإلقاء تبعات فشلها على الأطراف الإقليمية.
إستراتيجية المواجهة
ويمكن القول، اعتمادا على رؤى خبراء ومراكز أبحاث، إن مصر واجهت – وما زالت -محاولات التهجير القسرى وتصفية القضية الفلسطينية عبر إستراتيجية متعددة الأبعاد، تمحورت حول اعتبار هذا المخطط "خطاً أحمر" يمس الأمن القومى المصرى والحقوق الفلسطينية التاريخية، تجلت منذ بداية الأحداث على النحو التالى:
أولا - الموقف السياسى والدبلوماسى الحاسم
الرفض القاطع للتهجير: وهو ما عبر عنه أكد السيسى مراراً سواء فى القمم، التى يعقدها مع نظرائه من قادة الإقليم والعالم بالقاهرة وفى عواصم الدول الأخرى، وكان آخرها لقاؤه بالقاهرة يوم الأحد الماضى العاهل الأردنى الملك عبد الله الثانى بالقاهرة يوم الأحد الماضى رفض مصر القاطع، محذراً من أن ذلك يعنى "تصفية القضية" وتحويل سيناء إلى قاعدة لعمليات عسكرية تهدد السلام.
ثانيا - التصدى للمقترحات البديلة: اقترحت مصر بوضوح أنه إذا كانت هناك نية للتهجير المؤقت، فليكن إلى "صحراء النقب" داخل الكيان الإسرائيلى وليس إلى سيناء، لقطع الطريق على مخططات التوطين الدائم خارج الأراضى الفلسطينية ما شكل ضربة قاضية لمخطط تل أبيب.
ثالثا - حشد الدعم الدولي: نجحت الدبلوماسية المصرية فى كشف مخططات التهجير أمام المجتمع الدولي، مما ساهم فى تغيير مواقف العديد من الدول التى أصبحت ترفض التهجير القسرى علناً، وظهر ذلك مبكرا باستضافة القاهرة لقمة السلام بعد أسبوعين من اندلاع حرب الإبادة، وكذلك فى قمة شرم الشيخ فى أكتوبر الماضى.
ثالثا - إفشال مخطط "المنطقة الطاردة": سعت مصر لإبقاء قطاع غزة منطقة قابلة للحياة عبر الإصرار على إدخال المساعدات الإنسانية والوقود من خلال معبر رفح، متجسدا ذلك فى تنظيم قوافل "زاد العزة.. من مصر إلى غزة التى يشرف عليها الهلال الأحمر المصرى ونجحت فى إدخال مئات الألوف من أطنان مواد الإغاثة التى أسهمت فى تلبية الحد الأدنى من متطلبات المواطن الفلسطينى فى القطاع، وذلك فى سياق مواجهة سياسة القوة القائمة بالاحتلال فى جعل القطاع بيئة طاردة للسكان.
رابعا- قيادة مفاوضات الهدنة: اضطلعت مصر بدور محورى كـ "رمانة ميزان" فى صياغة اتفاقيات وقف إطلاق النار بدأت باتفاق نوفمبر2023 والذى تم بمقتضاه تبادل محدود للأسرى الفلسطينيين والمحتجزين من الكيان الإسرائيلى مرورا باتفاق يناير 2025، والذى تضمن بنوداً لانسحاب قوات الاحتلال وإعادة الإعمار، مما يثبت الفلسطينيين فى أرضهم، غير أن حكومة نتنياهو عرقلت مرحلته الثانية، ما أفضى إلى إجهاضه وصولا إلى اتفاق العاشر من أكتوبر الماضى فى ضوء خطة الرئيس ترامب والتى أسهمت مصر فى توفير البيئة السياسية الإقليمية لإنجاح مرحلتها الأولى، وإن لم يكن بصورة كاملة بفعل دموية نتنياهو، ثم الانخراط بفعالية فى المرحلة الثانية التى تدفع باتجاه تمكينها لإحداث اختراق حقيقى فى استقرار قطاع غزة.
خامسا - دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا": تمسكت مصر باستمرار عملها على باعتبارها الشاهد القانونى على حق العودة، وأحبطت مع الشركاء الإقليميين والدوليين محاولات الاحتلال لإنهاء تفويضها كخطوة لتصفية قضية اللاجئين، وإن كانت هذه المحاولات ما زالت تستهدف الوكالة عبر إغلاق مكاتبها فى القدس المحتلة وتقليص أنشطتها فى الضفة والقطاع تطبيقا لقرار الكنيست بحظر عملها فى الأراضى المحتلة منذ بضعة أشهر.
سادسا - المسار القانونى والأمني: شاركت مصر فى تقديم مرافعات قانونية أمام محكمة العدل الدولية لكشف أكاذيب الاحتلال وإثبات ممارساته المنهجية التى تهدف للتهجير القسري.
سابعا - تأمين الحدود: من خلال تعزيز مصر لوجودها الأمنى فى المنطقة الحدودية، لضمان سيادتها الكاملة ومنع أى محاولات لفرض واقع جغرافى جديد تحت ضغط العمليات العسكرية، ومع ذلك فإن نتنياهو وأركان حكمه اليمينى حاولوا توظيف هذه المسألة فى اتجاه خاطئ، بحسبان أن هذا التعزيز ينطوى على انتهاك جوهرية لاتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين - حسب تعبير نتنياهو - فى اللقاء الذى جمعه مع وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو خلال العام الماضى والتى تضطلع بلاده بدور الضامن لها طالبا من الرئيس ترامب التدخل مع مصر لإنهاء انتشار قواتها فى سيناء، وفقا لموقع "أكسيوس" الإخبارى الأمريكي، وبالطبع تصدت القاهرة لهذه الادعاءات مفندة عبر بيانات رسمية ورسائل لواشنطن وتل أبيب أن تعزيز قواتها فى سيناء لايحمل أى نوايا هجومية لكنه يأتى فى سياق حماية الأمن القومى ومواجهة أى طارئ، وأى اعتداء على السيادة الوطنية.
واللافت للنظر فى هذا الشأن أن القيادة المصرية استخدمت مصطلح "العدو" لوصف الكيان الإسرائيلى لأول مرة منذ العام 1979، خلال خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسى أمام القمة العربية الإسلامية الاستثنائية التى التأمت بالدوحة التى منتصف سبتمبر المنصرم للتصدى لتداعيات عدوانه على مقر قادة حماس بالعاصمة القطرية، ما بعث برسالة واضحة المعالم للقوة القائمة بالاحتلال لرفض مشروع هيمنتها على الإقليم وفرض معادلاتها الأمنية والتوسعية عليه، والتى وصلت مضامينها إلى قادتها ومسئوليها.
وكل تلك المحاور تتسق مع إصرار مصر على أن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، يتمثل فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وأن بقاء الفلسطينيين على أرضهم هو الركيزة الأساسية لذلك، وفى إطار السعى إلى هذا الهدف شاركت فى سلسلة من التحركات لوأد محاولات الكيان الإسرائيلى لتصفية القضية ووأد حل الدولتين، تنوعت بين جهود ثنائية وأخرى متعددة الأطراف.
وفى هذا السياق كانت شريكا رئيسيا فى أعمال المؤتمر الدولى رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذى عقد بمدينة نيويورك بمقر الأمم المتحدة برئاسة مشتركة بين المملكة العربية السعودية وفرنسا فى الثامن والعشرين من مايو الماضى واستمر ثلاثة أيام، وأكد أمامه وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى ثوابت الموقف المصرى من القضية الفلسطينية، والتى ترتكز على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وموحدة الأراضى على حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى تأكيد الرفض القاطع لأى محاولات لتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، سواء فى غزة أو الضفة الغربية، مشددا على أن حل الدولتين هو المسار الوحيد والعملى القابل للتطبيق لتحقيق السلام والأمن لجميع شعوب المنطقة، فضلا عن التركيز على حشد الدعم الدولى للاعتراف بدولة فلسطين، والتأكيد على أن هذا الاعتراف لا يمثل خطوة رمزية فحسب، بل هو تحرك فعال لمواجهة سياسات القوة القائمة بالاحتلال الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.. والمواقف ذاتها تكررت فى اجتماعات الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضى.
والشاهد أنه منذ بدء استعار حرب الإبادة على غزة سعت القوة القائمة بالاحتلال إلى تضليل المجتمع الدولى عبر سلسلة من الادعاءات والأكاذيب الكاذبة للتهرب من مسئوليتها القانونية والأخلاقية لهذه الحرب ولم تكن الدولة المصرية فى منأى من تلك الادعاءات، حيث كانت، بحكم موقعها وتأثيرها، هدفا لمزاعمها التى حاولت إبعاد الاتهامات عنها بالكذب، وعلى رأسها ما صدر من طاقم الدفاع أمام محكمة العدل الدولية فى لاهاي، حين زعم أن حكومة الاحتلال ليست مسئولة عن إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأن عبورها مسئولية مصر الجارة التى تدخل من خلالها المساعدات الإغاثي، وهو ما نفته القاهرة جملة وتفصيلا عبر ما فنده رئيس الهيئة العامة للاستعلامات فى مصر، ضياء رشوان، آنذاك أن نتنياهو ووزيرى الدفاع والطاقة فى حكومته، أعلنوا أكثر من مرة أنهم لن يسمحوا بدخول المساعدات إلى قطاع غزة، وخاصة الوقود، مع تأكيدهم أن هذا يعد جزءا من الحرب على القطاع، لافتا إلى أن كبار مسئولى العالم الذين زاروا معبر رفح، تأكدوا من إغلاقه من جانب جيش الاحتلال، وعلى رأس هؤلاء الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش.
هذا أولا، أما ثانيا - ترويج مزاعم بمساعدة مصر حركة حماس والمقاومة وهو ما جاء على لسان وزير المالية الإسرائيلي، اليمينى المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، عندما أدلى بتصريحات حملت هجوما صريحا ومباشرا ضد مصر، زعم فيها أنها مسئولة بشكل كبير عن عملية طوفان الأقصى فى إشارة إلى أن حماس تسلحت عن طريق التهريب عبر الأنفاق المرتبطة بسيناء، وذلك فى سياق انتقاده لموقف القاهرة المعارض لشن عملية عسكرية واسعة النطاق فى رفح جنوب قطاع غزة، وكان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، جاهزا للرد عليه فى تصريحات تلفزيونية آنذاك شدد فيها أن استمرار تحرش أعضاء حكومة اليمين فى تصريحاتهم بمصر يأتى ضمن مسلسل الهروب إلى الأمام الذى لم يتوقف منذ 7 أكتوبر الماضى عبر توجيه اتهامات غير صحيحة لمصر، وأن تصريحات سموتريتش جاءت فى إطار محاولة تبرير احتلال معبر فيلادلفيا قرب الحدود المصرية. وكانت مواقع يمينية متطرفة فى الكيان الإسرائيلى قد روّجت على مدار الأشهر الماضية، أن حركة حماس حصلت على أسلحة عبر الحدود مع مصر، وذلك فى الوقت الذى أعلنت فيه القاهرة قبل سنوات تدمير الأنفاق التى كانت موجودة قرب الحدود مع قطاع غزة.
ثالثا - ومن ضمن الأكاذيب أيضا أن مصر ستوافق على اجتياح رفح خلال العام2024، فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية على لسان مراسلها للشئون العربية روعى كايس إن نقل الفلسطينيين النازحين من رفح إلى مأوى آمن فى شمال غزة قد يطمئن مصر لجهة عدم نزوح مئات الآلاف من رفح إلى داخل الأراضى المصرية، فيما زعمت إذاعة القوة القائمة بالاحتلال أنها تراهن على أن تقديم الضمانات لمصر وإخلاء رفح من المدنيين من شأنه أن يحد من وطأة الانتقادات والضغوط الدولية عليها لمنعها من دخول رفح المتكدسة باللاجئين بينما زعمت إذاعة جيش الاحتلال أن مسئولين مصريين أبلغوا تل أبيب عدم معارضة القاهرة التوغل العسكرى فى رفح بشرط تجنيب سقوط ضحايا من المدنيين الفلسطينيين.
وردا على ذلك شددت مصر على رفضها الكامل للتصريحات الصادرة عن مسئولين رفيعى المستوى بحكومة الاحتلال بشأن اعتزام قوات الاحتلال شن عملية عسكرية فى مدينة رفح، محذرة من العواقب الوخيمة لمثل هذا الإجراء، فى ظل ما يكتنفه من مخاطر تفاقم الكارثة الإنسانية فى القطاع، وطالبت وزارة الخارجية المصرية، فى بيان، بضرورة تكاتف جميع الجهود الدولية والإقليمية للحيلولة دون استهداف مدينة رفح الفلسطينية، التى باتت تؤوى ما يقرب من 1.4 مليون فلسطينى نزحوا إليها لكونها آخر المناطق الآمنة بالقطاع، وبلغ الموقف المصرى الرافض ذروته بتأكيد الرئيس السيسى الخطورة البالغة لتصعيد العمليات فى رفح، مشددا على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمنع اتساع دائرة الصراع وذلك وفق منظور يقوم على أن استهداف رفح، واستمرار انتهاج الاحتلال لسياسة عرقلة نفاذ المساعدات الإنسانية، يعد إسهاما فعليا فى تنفيذ سياسة تهجير الشعب الفلسطينى وتصفية قضيته.. وهو ما ترفضه القاهرة منذ بدء حرب الإبادة على غزة.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
تماهيا مع نتنياهو وزمرته اليمينية المتطرفة.. تصريحات «هاكابى» تتجاوز الخطوط
بعد الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.. المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة
فى حفل إفطار القوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصار العاشر من رمضان.. الرئيس
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام