ثقافة



‪د. أسامة السعيد يتناول إستراتيجيات الإعلام فى زمن الصراعات‬ غرف الأخبار والشاشات.. تعيد رسم خارطة العالم

11-2-2026 | 21:13
⢴ عزمى عبد الوهاب

كل ما يحيط بنا يلعب فيه الإعلام دورا من الترويج للمنتجات إلى تكوين صورتنا الذهنية عن أنفسنا وعن الأفكار والأوطان والثقافات
الشاشات باتت جزءا من صناعة السياسة وأداة من أدوات الحرب تنتحر فيها الشعوب بأيديها وتسقط الأوطان دون طلقة رصاص واحدة
المسألة أبعد مما تراه، فالأمر لا يقتصر على أنك تجلس إلى شاشة، مهمة العاملين بها نقل الأخبار، أو حتى إشاعة وجهة نظر ما، بناء على ما يرصده الخبراء من تحليلات، أنت أمام صناعة، تدر أرباحا بالمليارات لصالح حفنة من رجال المال والسياسة، وتشكل وعى قطاع عريض من الجماهير فى العالم، حتى لو كان وعيا زائفا.
جرت فى نهر الإعلام مياه كثيرة، وبات من يتصدى للحديث فى هذا الشأن، فى حاجة لأن يمتلك خبرة ومعرفة تؤهله، لكشف ما يدور خلف الشاشات من خبايا، ولا ينبئك مثل خبير، فهذا الكتاب وعنوانه «حروب الشاشات.. إستراتيجيات الإعلام الدولى فى زمن الصراعات» أصدره الدكتور أسامة السعيد، رئيس تحرير الأخبار، وهو يعى تماما أن الإعلام فى العالم، قد وصل إلى مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا مع غيره من عناصر التأثير، وفى العديد من الأحيان يكون أداة لتحقيق أهداف، أكبر مما تبدو ظاهريا.
كل ما يحيط بنا يلعب فيه الإعلام دورا، من الترويج للمنتجات إلى تكوين صورتنا الذهنية عن أنفسنا وعن الأفكار، والأوطان والثقافات، التى ربما لم يقدر لنا أن نتعرف إليها، إلا من خلال الشاشات، وكلما ضاقت مساحة الشاشة زادت مساحة التأثير، فنحن أسرى لما تقدمه الشاشات، نقرأ عليها الصحف، ونشاهد من خلالها البرامج، ونتفاعل عبرها مع طوفان منصات التواصل الاجتماعي، على الشاشات نتعلم، نقرأ، نكتب، نتفاعل – طبقا لوجهة نظر الدكتور أسامة السعيد - وفى الوقت ذاته ننخدع، ونضلل، ونوجه، ونستخدم (الأفعال الثلاثة الأخيرة مبنية للمجهول).
هو يرى أن الشاشات باتت جزءا من صناعة السياسة، وأداة من أدوات الحرب، تنتحر فيها الشعوب بأيديها، وتسقط الأوطان دون طلقة رصاص واحدة، وتصنع من خلالها روايات تنتشر وتشيع، وتوجه سلوك الملايين، وربما المليارات حول العالم، إنها مرحلة ما بعد الحداثة التى ينهض فيها المتلاعبون بالعقول، الذين يعرفون جيدا كيف يستخدمون تلك الشاشات، لخدمة أهداف موضوعة بعناية.
يدرك الدكتور أسامة السعيد، أن الحروب لم تعد تحسم فى خنادق القتال، بل عبر شاشات هواتفنا، أصبحت الشاشة ميدان المعركة الأول، ولذا يغوص كتابه “حروب الشاشات” فى كواليس صراعات الإعلام، بكل أدواته التقليدية والرقمية، إنه لا يتحدث عن التكنولوجيا، بل عن صناعة الهزيمة والانتصار، فى عصر السيولة المعلوماتية، كيف تدار العقول؟ وكيف تسقط دول بضغطة زر؟ وكيف يعاد رسم خارطة العالم، فى غرف الأخبار، وخلف الشاشات المظلمة؟
يعرف الكاتب أن الإعلام استخدم منذ عقود بعيدة، بوصفه أداة سياسة، وسلاحا مؤثرا فى الصراعات، ووسيلة للحرب النفسية، لكن فى عالم تبدو الحدود الفاصلة بين أقاليمه أضعف ما تكون، تدفع القوى الكبرى فيه إلى عولمة شاملة، لا تقتصر على فتح الحدود أمام السلع، وإنما الأهم تحطيم أى قيود أمام تدفق المعلومات والأفكار.
 قد يكون هذا مطلبا، يريده الجميع، لصناعة إعلام قوى، ينافس فى عصر السماوات المفتوحة، لكن المعضلة أن هذا يحدث وسط سيطرة غربية شبه كاملة على منصات إطلاق تلك المعلومات والأفكار، واحتكار شبه كامل لوسائل الإعلام القادرة على اجتياز الحدود.
يرى الدكتور أسامة السعيد، أن تبسيط الحديث فيما يخص أدوار الإعلام الدولي، يدفع باتجاه خلل لافت للنظر فى تقييم الأدوار، التى باتت وسائل الإعلام، سواء التقليدية أم الرقمية تقوم بها، ليس فى تغطية الصراعات، لكن فى صناعة وتوجيه تلك الصراعات، بل بات من الشائع اليوم، أن تنطلق الشرارة الأولى للكثير من الأحداث الكبرى فى العالم على شاشات الإعلام، سواء بشقه القديم  أم منصات التواصل الاجتماعي، التى باتت تلعب دورا محوريا فى صناعة أحداث، سرعان ما تنقلب إلى صراعات.
هنا ينبه الدكتور أسامة السعيد، إلى خطورة ما يعرف باسم “إعلام المواطن” ذلك الإعلام الذى يقوم المواطن العادى بتقديمه، دون التقيد بإجراءات وقواعد الإعلام الاحترافى التقليدي، فقد تلاشت المساحة الفاصلة بين أدوار المنصات الإعلامية، بوصفها صانعة للحدث، أو قائمة بتغطيته، وباتت منصات التواصل الاجتماعى مصدرا بالغ الأهمية، ويحظى بأولوية قصوى للمعلومات، سواء لمن يشاركون فى صناعة تلك الأحداث، أم لمن يتابعونها.
وقد مثلت منصات التواصل الاجتماعى واحدة من الأدوات المهمة، التى أثبتت حضورا فاعلا فى الحرب الأخيرة على غزة، حيث استخدمت على نطاق واسع فى تقديم سردية بديلة، لتلك التى تقدمها وسائل الإعلام التقليدية، فهى حسب البعض أقل التزاما بالمحددات، وعناصر السيطرة التى تحكم السياسات التحريرية فى المؤسسات الإعلامية التقليدية، ومن ثم فهى توفر فرصة أفضل لتوثيق الحرب، وتقديم «المسكوت عنه» فى المؤسسات المتأثرة بضغوط السياسة الرسمية، ونفوذ جماعات الضغط.
فى المقابل يرى متخصصون، أن الشركات المهيمنة على منصات التواصل الاجتماعي، وهى أمريكية فى معظمها، لم تكن بذلك الحياد المتصور، فلم تعد تلك المنصات تقوم بوظيفتها الأساسية، وهى عرض الأخبار، وفقا للمعلومات المتوافرة، بل تعدى دورها ليصبح توجيه المستخدم، بوصفه جزءا مكونا للرأى العام لنتائج وأخبار مضللة، لتعزز الصور النمطية السلبية تجاه قضايا معينة.
يصل الدكتور أسامة السعيد إلى السؤال: من يملك الإعلام؟ وهذا السؤال ليس بسيطا، فالمالكون الفعليون لوسائل الإعلام ذات الصبغة الدولية، غالبا ما تكون لديهم امتدادات وشبكة من العلاقات والمصالح، مع جهات رسمية وجماعات ضغط غير رسمية، وقوى سياسية وكيانات اقتصادية، والكل من هذه الأطراف لديه أجندة مصالح، يحاول أن يحققها، أو يدافع عنها من خلال المحتوى المقدم عبر الوسائل والمنصات الإعلامية.
يتوقف الكاتب أمام نمط ملكية وسائل الإعلام الدولية، فيرى أن مجموعة واحدة تمتلك عشرات الوسائل الإعلامية، من مختلف الوسائط، سواء شركات إنتاج الأفلام السينمائية أم القنوات الإخبارية والصحف ومواقع الإنترنت والأفلام الوثائقية، حتى أفلام الكارتون، وهذا التركز فى الملكية يتخذ عدة صور، أولها أن عددا محدودا من الشركات يمتلك أكثر القنوات والمنصات الإعلامية والرقمية، بينما يتخذ الشكل الثانى هيمنة شركة واحدة على أكثر من وسيلة ومنصة فاعلة، فعلى سبيل المثال يهيمن على وسائل الإعلام الرئيسية فى الولايات المتحدة، عدد قليل من الشركات الإعلامية العملاقة، والأفراد الأثرياء.
هذا النمط الواضح للملكية يطرح العديد من الأسئلة عن حجم التأثير، الذى يمكن أن تلعبه الانحيازات السياسية والفكرية لمالكى تلك المنصات، فى المعالجة الإعلامية لقضايا بعينها، وكذلك حجم التأثير الذى يمكن أن تلعبه تلك الوسائل على الشخصيات الرسمية، والتدخل فى توجيه القرارات الحكومية، وترويج المرشحين والشخصيات النافذة فى مؤسسات صناعة القرار السياسي، فى تلك البلدان، وينسحب تركز ملكية وسائل الإعلام الدولية كذلك على الدول، التى تنطلق منها تلك الوسائل.
كثيرون يتحدثون عن “اقتصاد المعرفة وصناعة المعلومات” دون أن يدعموا وجهة نظرهم بالأرقام والبيانات، لكن الكاتب يمتلك ذهنية تتعامل مع الأرقام، على أنها عصب الفكرة، فيصف الإعلام بأنه “نفط الحاضر” والثروة التى يعتمد عليها الأقوياء، لتعزيز مكانتهم، الأمر الذى يجعل من الإعلام صناعة أكثر تعقيدا من مجرد اعتبارها مهنة أو أداة لنقل المعلومات، فقد أضيفت إليها أبعاد اقتصادية تجعلها صناعة عالمية بكل المقاييس، وهو ما يزيد من حدة الضغوط التى تعانيها، وتجعل العوامل المؤثرة على عملها أكثر عمقا وتشابكا.
تبعا لما يقوله الدكتور أسامة السعيد، فإن حجم إيرادات صناعة الإعلام والترفيه العالمية يقدر بنحو 2.9 تريليون دولار فى عام 2024، ومن المتوقع أن يستمر هذا القطاع فى النمو، ليصل إلى نحو 3.5 تريليون دولار بحلول عام 2029، ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل - على حد تعبير الدكتور أسامة السعيد – تصور أن تترك صناعة بهذه الضخامة، لكى تحدد مساراتها مجموعة من المهنيين، أو أن تكون المعايير المهنية والأخلاقية هى المتحكم الأول فى توجيه ما تنتجه تلك الشاشات، أو ما يتم تداوله عليها، فطبيعة المصالح الاقتصادية، ومن ورائها المصالح السياسية والأيديولوجية، تبدو مؤثرة للغاية، فى توجيه تلك المنصات الإعلامية على اختلاف صورها، فضلا عما تفرضه طبيعة الاحتكارات الكبرى، فى مجال صناعة الإعلام من ضغوط على المحتوى المقدم.
يتوقف الكاتب أمام صرعة الذكاء الاصطناعى، ويرى أن تقنياته ستمثل فرصة كبيرة لتطوير مهنة وصناعة الإعلام بكل تنوعاتها، لكنها ككل فرصة تحمل بداخلها الكثير من التحديات، فصحافة الذكاء الاصطناعى سوف تخلق ثورة جديدة فى صناعة الإعلام، حيث لا حدود جغرافية ولا قانونية ولا قيود، تضعها الحكومات على حرية نقل الخبر، أو الوصول إلى المعلومات، المنافسة قوية للغاية، والرابح فى السباق من يقتنص تلك الفرص، ويستحوذ على أحدث التقنيات الحديثة، ويقوم بدمجها فى صناعة الإعلام.
يوضح أن دخول الذكاء الاصطناعى إلى عالم الإعلام، من شأنه أن يفرض واقعا جديدا، تتغير فيه كل الإستراتيجيات المستقبلية، وتفتح أفقا مختلفا لتوظيف الإعلام فى الصراعات، وفق أطر وأنماط غير مألوفة، وكما يتسع استخدام الروبوتات فى العمليات العسكرية، فإنه من غير المستبعد، أن نجد تلك الروبوتات تقتحم عالم الإعلام، لتشن حروب الشاشات الموجهة والمسيرة، تماما كما تستخدم فى توجيه الطائرات المسيرة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام