رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
جليل حيدر.. الإنسان قبل القصيدة .. ما تبقّى فى الذاكرة ( 1 من 3 )
11-2-2026
|
21:19
إلهامى المليجى
فى تاريخ الثقافة العراقية، لا تُقاس القامات دائمًا بما أحدثته من ضجيج، ولا تُحفظ الأسماء بالضرورة بقدر ما نشرت من دواوين أو ما حصدت من أضواء. ثمة أسماء مشت بهدوء على حواف الزمن القاسى، لا لأنها أقل موهبة، بل لأنها اختارت أن تدفع ثمن الموقف كاملًا، بلا مساومة ولا ادعاء بطولة.
جليل حيدر واحد من هؤلاء، حضور إنسانى وثقافى تشكّل فى زمن لم يكن فيه الحياد ترفًا ممكنًا، ولا السلامة خيارًا متاحًا.
جاء جليل من سياق عراقى مضطرب، حيث كانت السياسة تلاحق القصيدة، وكانت المواقف تُحاسَب كما تُحاسَب الجرائم، غير أن هذه الحلقة من «وجوه عبر الزمن» لا تنشغل بالشعر بقدر انشغالها بصاحبه، ولا بالنص بقدر ما تقترب من الإنسان الذى وقف خلفه، بكل ما فى حياته من بساطة وصدق وتعب.
لن أتوقف هنا عند تجربته الشعرية، ولا عند موقعه فى خرائط النقد، بل عند تجربتى الشخصية معه: زميلًا فى الصحافة، إنسانًا نبيلًا بالفطرة لا بالادعاء، وصديقًا لا يخيّب ظنك حين تختبره الأيام.
هكذا اعتدنا فى «وجوه عبر الزمن»؛ أن نكتب عن البشر كما عرفناهم عن قرب، فى لحظاتهم العادية، فى صمتهم، وفى تفاصيلهم الصغيرة التى لا تلتقطها السير ولا تحفظها الكتب، لكنها وحدها القادرة على كشف الجوهر. من هنا نبدأ؛ من الذاكرة الإنسانية قبل أن تتحول إلى سيرة، ومن العلاقة قبل أن تصبح عنوانًا… ومن مشهدٍ أول، بسيط فى ظاهره، عميق فى دلالته.
المشهد الأول: صوت هادئ فى مهنة صاخبة
عرفتُ جليل حيدر فى بيروت، ضمن نخبة من المثقفين والأدباء العراقيين اليساريين، الذين لجأوا إليها هربًا من ملاحقات النظام العراقي. كان حضوره لافتًا للنظر منذ اللحظة الأولى، أناقته، وسامته، وطريقته فى الدخول إلى المكان، تجعلك تستدعى نجوم سينما الستينيات، أولئك الذين كانوا يملأون الكادر دون جهد. حتى تحيته لم تكن عابرة؛ كان يقول: «هالو… ورده» بنبرة لها موسيقاها الخاصة، وما زال صداها عالقًا فى الذاكرة، برغم عقود طويلة فرّقت بيننا الطرق.
بعد انتقالى إلى دمشق، التقيته مجددًا هناك، لا كصديق فقط، بل كزميل عمل. عملنا معًا فى مجلة نضال الشعب، الصادرة عن جبهة النضال الشعبى الفلسطيني. كان يرأس تحريرها الراحل الجميل محمد عادل (أبو عادل)، ويتولى دائرة الإعلام المناضل العروبى الصادق خالد عبد المجيد. وربما يفسر هذا الخليط العربى أن يكون مدير التحرير جزائريًا، وسكرتير التحرير عراقيًا، ومخرجها الفنى مصريًا؛ فسيفساء نادرة، كان جليل أحد أكثر عناصرها انسجامًا.
فى المجلة، كان جليل سكرتيرًا للتحرير ومسئولًا عن القسم الثقافى، وكان – كما عرفته دائمًا – أنيقًا فى حضوره، رقيقًا فى تعامله، لا يفرّق بين عامل وصحفى أو مسئول. ينقل ملاحظاته وخبراته المهنية بسلاسة وهدوء، بصوت خفيض يجعلك تتقبل النقد دون حرج، وتسبق كلماته ابتسامة صافية. كان متفائلًا على نحوٍ معدٍ، ينشر حوله أجواء من الخفة والطمأنينة، على النقيض تمامًا من زميلنا الجزائرى مدير التحرير محمد بوخروبة الجاد، المتجهم، عالى الصوت، بينما كان صوت جليل هادئًا، إنسانيًا، أقرب إلى همس صديق لا إلى توجيه إداري.
حين كان يصل إلى المكتب، كان المكان يتغير فعلًا؛ طاقة إيجابية، مرح خفيف، إحساس بأن اليوم سيكون أيسر. ومع ذلك، لم يكن هذا المرح على حساب العمل؛ كان يؤدى مهمته بدقة والتزام، جامعًا بين المهنية الصارمة والروح الإنسانية، ما جعله نموذجًا متفردًا، لا يُنسى بسهولة، ولا يُعوّض بيسر.
تمهيد لوجهٍ آخر من الحكاية
هكذا بقى جليل حيدر فى الذاكرة: إنسانًا يسبق الموقف، وهدوءًا لا ينفصل عن الالتزام، وابتسامة لم تكن زينة شكلية بقدر ما كانت أسلوب حياة. لم يكن إداريًا تقليديًا، ولا سكرتير تحرير يقيس النجاح بالصوت العالى أو التوتر الدائم، بل كان يعرف كيف يستخرج أفضل ما لدى من يعملون معه، بالكلمة الطيبة، وبالثقة، وبالإحساس العميق بالمسئولية المشتركة.
فى الجزء الثانى، سنقترب أكثر من طرائفه الصغيرة، التى كانت تخفف وطأة العمل، ومن تفرده المهنى الذى جمع بين الصرامة والوداعة، وبين الانضباط والإنسانية. سنتوقف عند قدرته على السمو فوق الإثنيات والعرقيات، وكيف كان يتنقل بين المفردة المصرية واللبنانية والسورية والفلسطينية بسلاسة محببة، كأنه يعيد تركيب لغة عربية واحدة من لهجاتها المتعددة… لغة تشبهه، وتشبه إيمانه العميق بأن الإنسان يسبق الانتماء، وأن الكلمة الطيبة أحيانًا تفعل ما لا تفعله اللوائح والتعليمات.
جليل حيدر شاعر عراقى يسارى من جيل الستينيات، ارتبط اسمه بالالتزام السياسى والفكرى أكثر من السعى إلى الأضواء. كتب قصيدته بوصفها موقفًا أخلاقيًا، منحازًا للفقراء والمقموعين، بلغة بسيطة مشحونة، متقشفة فى زخرفتها، أقرب إلى «بلاغة الضرورة» منها إلى الاستعراض.
الخاتمة
لم يكن من نجوم المشهد الشعرى، لكنه ظل حاضرًا فى سياق شعراء اليسار العراقى، وأصوات المنفى الداخلى، الذين دفعوا ثمن مواقفهم بالتهميش، ويُستعاد اسمه فى الدراسات التى تناولت علاقة الشعر بالسياسة وأثر القمع على الثقافة العراقية.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
جليل حيدر.. المنفى الذى لم ينتصر على دفئه (3 من3)
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام