رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
حياة الناس
صدمة الخروج من الكادر.. اقتصاد الشيخوخة استثمار المستقبل
11-2-2026
|
21:22
مصطفى عبادة
ترتبط قيمة الشخص بعمله أو مركزه فى الأسرة كـ «معيل»، وفورالتقاعد، يواجه «فراغاً وجودياً»
يُتوقع من المسن أن «يدخر» ما تبقى من ماله ليوصى به لأبنائه وأحفاده ولا يحق له بدء حياة جديدة بمدخراته
إدارة الثروات لهذه الفئة التى تمتلك غالباً مدخرات كبيرة، يمكن الاستفادة منها فى قطاع مثل السياحة والترفيه وهم أكثر الفئات إنفاقاً على «السياحة العلاجية» ورحلات الاستجمام، نظراً لتوافر الوقت والقدرة المالية لديهم
بحلول عام 2030 تشير التوقعات إلى نقص قدره 2.1 مليون وظيفة فى مجال العمالة الماهرة كان من المفترض أن يشغل معظمها عمال أكبر سناً وذوو خبرة
هل يُثير فيك التفكير فى العمل لمدة 60 أو 70 عامًا شعورًا بالرعب؟ أم أنك ترى إمكانية مستقبل أكثر إثارة بفضل هذا الوقت الإضافي؟ لقد تربى الكثير منا على المفهوم التقليدى لثلاث مراحل فى حياتنا العملية: التعليم، ثم العمل، ثم التقاعد، لكن هذا المسار الراسخ، بدأ بالتلاشى بالفعل - فمتوسط العمر المتوقع فى ازدياد، ومعاشات التقاعد ذات الراتب النهائى تتلاشى، ويتزايد عدد الأشخاص الذين يجمعون بين وظائف متعددة، سواء كنت فى الثامنة عشرة أم الخامسة والأربعين أم الستين من عمرك، ستحتاج إلى اتباع نهج مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة، وتعلم كيفية تنظيم حياتك بطرق جديدة كليًا، وإعادة التفكير فى أمورك المالية، وتعليمك، ومسارك المهني، وعلاقاتك، وكيفية بناء حياة مُرضية تمتد لمئة عام، وعليك أن تعرف كيف يمكنك رسم مسار مهنى وحياتى يُحدد هويتك وقيمك، ويُحقق توازناً متغيّراً بين العمل والترفيه؟ ما أكثر الطرق فاعلية لتعزيز صحتك البدنية والنفسية على مدى عمر أطول وأكثر حيوية؟ كيف يمكنك الاستفادة القصوى من مواردك غير الملموسة - كالعائلة والأصدقاء - أثناء بناء حياة مُنتجة وأطول؟ فى حياة متعددة المراحل، كيف يمكنك تعلم كيفية اجتياز التحولات الحاسمة، وتجربة أساليب جديدة فى العيش والعمل والتعلم؟
أنا أعلم وأنت تعلم، أننا تربينا على عكس كل هذا الكلام، تعلمنا أن المحال للتقاعد، ينبغى أن يجلس فى منزله معززا مكرما، وقد يكون ذلك صحيحا، فيما لو كانت القيم العائلية لم يتم تبديدها تحت وطأة العزلة التكنولوجية، وتحت الرغبة الملحة الآن من الأبناء فى السفر أو السكن فى الأماكن البعيدة، فى المدن الجديدة وغيرها، هذه القيم والأفكار وكل ما تعلمناه، يتم الآن نسفه، امتدت الحياة لتصل للسبعين والثمانين، والبعض يرشح أن العمر سيطول للعام المائة، مع التقدم الصحى وتطور أساليب الرعاية، فماذا نفعل فى هذه الفجوة، اسأل نفسك هل شاهدت مسلسلا أو فيلما، عن كبار السن فى بلدك؟ وما الصورة الذهنية الشائعة عنهم؟ وهل هناك كتب تتحدث عنهم، وعن همومهم وأحلامهم وأفكارهم؟ ما فكرتك أنت عن أبيك وجدك؟ إجابتك سوف تحدد نوع استجابتك لهذا التحدى، طبعا لن اسألك ما شعورك أنت الآن لو تخليت نفسك وقد وصلت للستين أو السبعين؟ العالم كله الآن يحول هؤلاء الناس الذين أفنوا أعمارهم فى خدمة أوطانهم إلى طاقة للأمل والحبور، ووقوداً لحفظ الذاكرة والروح الأصيلة أمام هجمة الرفيق الإلكترونى، والحديث مع الشاشات، يحولهم إلى اقتصاد مزدهر يعود عليهم بالفائدة، بدل أن يتركهم يعانون صدمة الخروج من الكادر.
للمرة الأولى فى التاريخ، بدأ عدد كبار السن فى العالم يتجاوز عدد الأطفال، مما يغير خريطة الطلب فى الأسواق، وهؤلاء يمتلكون حصة كبيرة من الثروات العالمية، وتوجهاتهم الاستهلاكية، أصبحت تقود قطاعات كاملة، من هنا نشأ ما يسمى باقتصاد الشيخوخة، والذى يُعرف عالمياً بـ الاقتصاد الفضى أو Silver Economy هو مصطلح يُطلق على مجموع الأنشطة الاقتصادية والمنتجات والخدمات، التى تهدف إلى تلبية احتياجات الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 50 عاماً، فبدلاً من النظر إلى الشيخوخة كعبء اجتماعى، يتعامل هذا المفهوم مع كبار السن كقوة شرائية ومحرك للنمو والابتكار.
لا يقتصر الأمر على علاج الأمراض، بل يمتد ليشمل تقنيات "إطالة العمر" (Longevity)، والمكملات الغذائية، وأجهزة المراقبة الصحية عن بُعد، والتكنولوجيا المساعدة (Gerontechnology)أى تطوير أدوات ذكية مثل "البيوت الذكية" التى تسهل حياة كبار السن، والروبوتات التى تساعد فى الخدمة المنزلية، وتطبيقات التواصل الاجتماعى المخصصة لهم، مع التركيز على خطط التقاعد المبتكرة، والتأمين الصحى المتخصص، وإدارة الثروات لهذه الفئة التى تمتلك غالباً مدخرات كبيرة، يمكن الاستفادة منها فى قطاع مثل السياحة والترفيه، وهم أكثر الفئات إنفاقاً على "السياحة العلاجية" ورحلات الاستجمام، نظراً لتوافر الوقت والقدرة المالية لديهم، حتى إن المطورين العقاريين انتبهوا إلى هذه الجزئية، وهناك الآن ما يعرف بالإسكان المتخصص لكبار السن، مثل تصميم مجمعات سكنية صديقة للمسنين، تدمج بين الرفاهية والخدمات الطبية المتاحة على مدار الساعة.
يخلق هذا الاقتصاد إذا تمت العناية به جيدا، ملايين الوظائف الجديدة فى مجالات التمريض، التصميم المعماري، وتطوير البرمجيات المتخصصة، أى نظام متكامل يهدف إلى "الشيخوخة النشطة"، بما يعنى بقاء الفرد منتجاً ومشاركاً فى المجتمع واستهلاكياً لفترة أطول، مما يقلل الضغط على صناديق التقاعد ويحول هذه الفئة من "مستهلكين للموارد" إلى "مساهمين فى النمو".
الأرقام والإحصاءات العالمية الآن، تدور حول أن حجم هذه السوق يتجاوز الـ 4 تريليونات دولار، ووفقاً للتقارير الاقتصادية لعام 2025، لم يعد هذا القطاع مجرد سوق ثانوية، بل أصبح ركيزة أساسية فى الاقتصاد العالمي، مع معدل نمو سنوى مركب يصل إلى 7.6 ٪ ويمثل كبار السن (فوق 60 عاماً) حالياً حوالى 1.2 مليار نسمة عالمياً، وينفقون ما مجموعه 17 تريليون دولار فى مختلف القطاعات، لكن 4.2 تريليون منها موجهة خصيصاً لمنتجات وخدمات "الشيخوخة".
يتوزع هذا الإنفاق على:
الصحة والرفاهية: 1.3 تريليون دولار (الطب الوقائي، عيادات طول العمر)
السكن والتنقل: 1.1 تريليون دولار (البيوت الذكية، معدات الحركة).
الخدمات المالية 1.0 تريليون دولار (خطط التقاعد والتأمين).
- الترفيه والتعليم 0.8 تريليون دولار (السياحة المخصصة والتعلم مدى الحياة).
تحدى الشيخوخة واستجابة الأمم
لقد برز تحدى شيخوخة السكان عالميًا بشكلٍ أوضح، مع الأزمة المالية لعام 2008، وعلى وجه الخصوص، لفت تزايد الدين الوطنى انتباه الحكومات إلى أولويتين تبدوان متعارضتين: الحاجة إلى استدامة الإنفاق العام على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، مقابل الحاجة إلى خفض عجز الموازنة، ونتيجةً لذلك، تعيد العديد من الدول النظر فى أحكامها المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، التى تُشكّل ما يصل إلى 40 ٪ من إجمالى الإنفاق الحكومى فى الاقتصادات المتقدمة، ومع ذلك، فإن شيخوخة السكان ظاهرة عالمية ستستمر فى التأثير على جميع مناطق العالم، وبحلول عام 2050، سيتساوى عدد كبار السن مع عدد الشباب فى العالم، حيث سيبلغ عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر مليارى شخص، ومليارى شخص آخرين، تقل أعمارهم عن 15 عامًا، وتمثل كل فئة 21 ٪ من سكان العالم.
وحسب اثنين من أهم محللى الاقتصاد والأسهم فى العالم؛ هما فيكرام مالهوترا وبريت لينزي: تشهد الأسواق حالة من التقلبات، فمن التهديدات بفرض تعريفات جمركية إلى إعلانات الذكاء الاصطناعى وتقلبات سوق الأسهم، يتسم المناخ الاقتصادى الحالى بالغموض والتقلب، ووسط هذه الضجة، يتشكل اتجاه أكثر استدامة، وله آثار طويلة الأمد، فبحلول عام 2030 مثلا، سيشكل الأمريكيون الذين تبلغ أعمارهم 75 عامًا فأكثر 10 ٪ من السكان، ارتفاعًا من 7.5 ٪ اليوم، وعند إضافة الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا، يرتفع هذا الرقم إلى نسبة هائلة تبلغ 21 ٪ ستكون لهذا التحول آثار عميقة على الاقتصاد، حيث من المتوقع أن يرتفع الإنفاق بين الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم على 75 عامًا بشكل كبير، ومن المتوقع أن ينمو الاستهلاك بأكثر من 80 ٪ - أى بزيادة قدرها 700 مليار دولار بحلول عام 2030، وأكثر من 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2035.
ويضيف الباحثان: يختلف إنفاق المستهلكين الأكبر سناً عن إنفاق الأسر المتوسطة، إذ يخصصون نسبة أكبر من دخلهم للرعاية الصحية والإيجار وصيانة المنازل، وينفقون أقل على بنود مثل الطعام والوقود ومصاريف السيارات، وبينما ستستفيد قطاعات معينة كالإسكان والرعاية الصحية، قد تواجه قطاعات أخرى، كقطاع السيارات وتجارة التجزئة التقليدية، تحديات، مع ذلك، لن تؤثر هذه التحولات على القطاعات النامية فحسب، بل على كيفية عملها أيضاً، فمع شيخوخة السكان وما يترتب عليها من تقلص القوى العاملة، وارتفاع ضغوط الأجور، وتحديات الحفاظ على مستويات الخدمة، ستضطر الشركات إلى اللجوء إلى الأتمتة والروبوتات، للحفاظ على الإنتاجية وتلبية متطلبات الاقتصاد المتغير.
ويحدد الباحثان القطاعات التى ستستفيد من شيخوخة المجتمع على الرغم من وجود العديد من المستفيدين، فليس سراً أن ارتفاع نسبة كبار السن يؤدى إلى زيادة تكاليف الرعاية الصحية، ومع اقترابنا من عام 2030، من المتوقع أن يشهد قطاع الرعاية الصحية مكاسب كبيرة فى مجالات رئيسية، بدءاً من التأمين الصحى، وصولاً إلى المستشفيات والصيدليات المتخصصة.
لنأخذ التكنولوجيا الطبية كمثال، مع انتشار أمراض مثل الجلوكوما، وتضييق الصمام الأبهري، وتآكل مفصل الركبة بشكل غير متناسب بين كبار السن، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الأجهزة التصحيحية بشكل كبير، تشير تحليلاتنا إلى أن إجمالى السوق المستهدف لدعامات الجلوكوما، وعمليات استبدال الصمام الأبهرى عبر القسطرة، وزراعة مفصل الركبة، قد ينمو من 1.8 مليار دولار أمريكى فى عام 2025 إلى 8.3 مليار دولار أمريكى بحلول عام 2035.
لن يؤدى التقدم فى السن إلى إعادة تشكيل الطلب على المساكن والرعاية الصحية فحسب، بل سيخلق ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، تدفع الشركات والحكومات إلى إيجاد حلول مبتكرة، فعلى سبيل المثال، مع تقاعد جيل طفرة المواليد - الجيل الأمريكى المولود بين عامى 1946 و1964 - سيتقلص حجم القوى العاملة فى الولايات المتحدة، مما سيؤدى إلى انخفاض الإيرادات الضريبية وربما تباطؤ النمو الاقتصادي، هذا التوجه، الذى اكتسب زخماً خلال العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، تسارع بشكل ملحوظ بعد جائحة كوفيد-19، ففى الأيام الأولى للجائحة، فقدت الولايات المتحدة حوالى 1.4 مليون وظيفة فى قطاع التصنيع، حيث شجع ضعف الطلب العديد من العمال الأكبر سناً على التقاعد المبكر، وبحلول عام 2030، تشير التوقعات إلى نقص قدره 2.1 مليون وظيفة فى مجال العمالة الماهرة، كان من المفترض أن يشغل معظمها عمال أكبر سناً وذوو خبرة.
هنا يأتى دور الأتمتة والذكاء الاصطناعى لسد الفجوة، على المدى القريب، تتجه الشركات نحو نشر حلول أتمتة أصغر حجماً وموجهة، بدلاً من إجراء تغييرات شاملة على مرافقها، وقد شهدت هذه المرحلة أيضاً اختيار الشركات لخطوط إنتاج أو خلايا إنتاجية محددة للأتمتة بشكل مؤقت، وتطبيق هذه الحلول تدريجياً فى جميع مرافقها.
إلى جانب العمل والإنفاق، تشير زيادة نسبة كبار السنّ إلى تحوّل مالى هائل، حيث يمتلك كبار السنّ حاليًا 40 ٪ من أسهم الشركات الأمريكية، وحصة كبيرة من العقارات السكنية، ومع توقّع انتقال ما يقارب 100 تريليون دولار من هذه الثروة من جيل طفرة المواليد إلى ورثتهم بحلول عام 2048، يبقى من غير المؤكد ما إذا كان الورثة سيحافظون على تفضيلات استثمارية مماثلة.
بالنسبة للمستثمرين، يُمثل هذا التحول الديموغرافى محرك نمو غالبًا ما يُغفل عنه، والذى يُمكن أن يُؤثر بشكل كبير على الإيرادات وهوامش الربح فى قطاعات متعددة، ومع تزايد أعداد كبار السن وما يترتب عليه من تحولات فى أنماط الاستهلاك والعمل، يُمكن للمستثمرين استهداف القطاعات المُؤهلة لاستيعاب الطلب الكبير، مثل رعاية المسنين، والتقنيات التى تُقلل من الاعتماد على العمالة، والرعاية الصحية، والإسكان، أولئك الذين يُمكنهم تجاوز تقلبات السوق قصيرة الأجل والتركيز على هذا الاتجاه الديموغرافى المُستدام سيُحققون فوائد جمة فى العقود المقبلة.
الأمر فى المنطقة العربية لا يختلف كثيرا عن الوضع العالمى، صحيح أن بعض الدول لديها نسبة عالية من الشباب، وكثرة المواليد، لكنها فى الوقت ذاته، مع التقدم الطبى، صارت لديها نسبة لا بأس بها من كبار السن، كما أن التقارير العالمية تقول بوضوح إنه على الرغم من أن المجتمعات العربية تُصنف كـ "مجتمعات شابة"، فإن وتيرة الشيخوخة فيها هى الأسرع عالمياً، مما يفتح فرصاً استثمارية ضخمة، ولنأخذ كل دولة على حدة
مصر، وصل عدد كبار السن (فوق 60 عاماً)، إلى نحو تسعة ملايين نسمة ) نحو 8.6 ٪ من السكان)، وبدأت البنوك المصرية فى طرح أوعية ادخارية مخصصة لهم مثل شهادات "رد الجميل".
دول الخليج، من المتوقع أن يتضاعف حجم قطاع الأدوية والرعاية الصحية المنزلية بحلول عام 2028، نتيجة زيادة الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة والتحول نحو "الطب الوقائى"، حيث بلغ حجم سوق خدمات الرعاية الصحية فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو 227 مليار دولار فى عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو بشكل كبير مع توجه دول مثل السعودية وقطر، لخصخصة قطاع الرعاية الصحية وزيادة متوسط العمر المتوقع (الذى تجاوز 78 عاماً فى أغلب دول الخليج).
***
هناك العديد من الاختراعات الحديثة، التى وضعت عينيها على هذه الفئة من المواطنين، حتى إن هناك مصطلحا تكنولوجيا جديدا، يختص بها هو: AGE.TECH هذا المصطلح يجمع بين (Ageing + Technology)، وهو القطاع الأسرع نمواً داخل اقتصاد الشيخوخة، ويشمل :الذكاء الاصطناعى للمراقبة، بوجود أنظمة تكتشف سقوط المسن، أو تغير نمط ضربات قلبه دون تدخل بشرى، والروبوتات الاجتماعية لتقليل الشعور بالوحدة وتقديم الدعم النفسى والذهنى، والتطبيب عن بُعد،الذى شهد قفزة كبيرة فى الأسواق الخليجية والمصرية، لتوفير الاستشارات الطبية دون الحاجة لمغادرة المنزل.
كل هذه المعطيات تقول، إن العالم ينتقل من مرحلة "كيف نعول كبار السن؟" إلى مرحلة "كيف نستثمر فى احتياجات كبار السن؟"، هذا التحول يخلق فرصاً ضخمة للشركات الناشئة فى منطقتنا لتطوير حلول محلية مثل منصات رعاية منزلية أو تطبيقات مالية للمتقاعدين.
هذه النظرة المتفائلة فى النظر إلى كبار السن، تواجه العديد من التحديات والمشكلات منها: صراع "الكرامة" مقابل "التبعية" (المشكلة الثقافية) ففى ثقافتنا العربية والشرقية، يُنظر إلى كبير السن كـ "بركة" المنزل الذى يجب أن يرتاح، وغالباً ما تُفهم خدمته، على أنها "كفّ يده عن أى نشاط"، على عكس اقتصاد الشيخوخة الذى يحاول تحويل المسن إلى "مستهلك نشط" وصاحب قرار، وهو ما قد يصطدم أحياناً بنظرة الأبناء الذين يفضلون "الرعاية التقليدية" (الجلوس فى البيت) على "الاستقلالية التقنية" (استخدام روبوت أو تطبيق).
هناك أيضا التمييز القائم على السن، وهو أحد أكبر العوائق الاجتماعية، ففى سوق العمل، يُنظر للموظف فوق الـ 55 على أنه "منتهى الصلاحية" تكنولوجياً، مما يحرم الاقتصاد من خبرات تراكمية ضخمة، وفى الثقافة العامة يتم تصوير الشيخوخة دائماً كمرض أو ضعف، بينما العلم الحديث والاقتصاد الجديد، يروجان لها كـ "مرحلة نضج واستهلاك ذكى".
ثقافياً أيضا، كان الجد والجدة يعيشان وسط الأحفاد، اليوم، مع ضغوط الحياة وانتقال الشباب للمدن أو السفر للخارج، ظهرت حاجة اجتماعية لـ "بدائل الأسرة" (دور المسنين المتطورة، نوادى المتقاعدين)، كما لا تزال فكرة "دار المسنين" أو "الممرض المنزلي" فى كثير من المجتمعات العربية تُقابل بالرفض أو الشعور بالذنب (العيب الاجتماعي)، برغم أنها قد تكون ضرورة تقنية وطبية للمسن.
هناك فى مجتمعاتنا الشرقية جانب آخر، يمكنك القول إنه مسكوت عنه فى مناقشة مشكلة كبار السن، فعندنا غالباً ما ترتبط قيمة الشخص بعمله أو بمركزه فى الأسرة كـ "معيل"، وفورالتقاعد، يواجه المحال للتقاعد "فراغاً وجودياً"، ومع أن نمط الاقتصاد الحالى يحاول سد هذا الفراغ بمنتجات ترفيهية أو تعليمية، لكن الثقافة الاجتماعية لا تزال تفتقر لـ "ثقافة التطوع" أو "ثقافة الهوايات المتأخرة".
المشكلة الاجتماعية لـ "اقتصاد الشيخوخة" تكمن، فى أن التكنولوجيا والخدمات تتقدم بسرعة، بينما العقليات الاجتماعية لا تزال ترى الشيخوخة كـ "نهاية للطريق" وليست كـ "بداية لمسار استهلاكى واجتماعى جديد"، لكن يظل الجانب الثقافى فى اقتصاد الشيخوخة هو الجزء الأكثر تعقيداً، لأنه يصطدم بموروثات عميقة حول "الاحترام"، "المكانة"، و"معنى الحياة"، المشكلة هنا ليست فى توافر الأموال، بل فى كيفية تعريفنا للشخص المسن ومكانته فى المجتمع.
وعلى المستوى الإعلامى يتم خلق صورة ذهنية، تخالف الواقع، فلغتنا وثقافتنا البصرية تربط الشيخوخة بالخريف، والذبول، والنهايات، ونادراً ما نرى فى الإعلانات أو المسلسلات العربية مسناً، يبدأ مشروعاً جديداً، أو يتعلم لغة، أو يمارس هواية مغامرة، هذا التنميط الثقافى يجعل المسن نفسه "يبرمج" عقله على أنه لم يعد له دور، وبالتالى لا يطلب خدمات أو منتجات جديدة، مما يعطل محركات اقتصاد الشيخوخة.
الأخطر من ذلك أنه يُتوقع من المسن أن "يدّخر" ما تبقى من ماله ليوصى به لأبنائه وأحفاده، وفكرة أن ينفق المسن مدخراته على "رحلة سياحية" أو "تقنية باهظة لتحسين نومه" قد تُرى ثقافياً كنوع من الأنانية أو "خرف كبر".
نحن مع الأسف نعيش فى مجتمعات "تمجد الشباب" (Youth-Centric Societies)، والثقافة الحالية، تعتبر أن كل ما هو "جديد ومبتكر" هو للشباب فقط، وأن المسن هو حارس للماضي، اقتصاد الشيخوخة يطلب منا ثقافياً أن نتقبل المسن كـ "إنسان للمستقبل" أيضاً، وليس مجرد ذكرى من الماضى، حتى إن الشعر العربى يعد ديواناً للمشاعر تجاه الكبر، حيث عبّر العرب قديماً عن الشيخوخة كضعف جسدي، كما فى قول عامر بن الظرب: "أصبحتُ شيخاً أرى الشخصين أربعةً.. والشخصَ شخصين لما مسنى الكبرُ"، الأمر نفسه انسحب على الشعر الحديث، فهذا شاعر مثل أحمد الصافى النجفى يتمرد على "الوصمة الثقافية" للسن، فيقول: "سِنّى بروحى لا بِعَدّ سنيني.. فلأسخرنّ غداً من التسعينِ"، هو هنا ينتقد "ثقافة الانهزام" التى يفرضها المجتمع على من تجاوز الستين، مؤكداً أن العزلة هى خيار ثقافى وليست حتمية بيولوجية.غاصت فى مشكلة "التقاعد" التى هى حجر الأساس فى اقتصاد الشيخوخة:
روائيا توقفت الرؤى طويلا أمام مشكلة الشيخوخة، فهاهى رواية "السمان والخريف" لنجيب محفوظ، تجسد ببراعة صدمة "الخروج من الكادر"، بطل الرواية (عيسى الدباغ) يمثل الجيل الذى انتهى دوره السياسى والاجتماعى فجأة، فيجد نفسه غريباً فى مجتمع يتغير بسرعة، وإرنست هيمنجواى فى "العجوز والبحر"؛ قدم أعظم مرافعة أدبية عن "الشيخوخة النشطة"، العجوز سانتياغو يرفض أن يكون عبئاً؛ يخرج للبحر، ليثبت أن "الإنسان يمكن تحطيمه ولكن لا يمكن هزيمته"، هذه الرواية هى الوقود الفلسفى لما نسميه اليوم "الشيخوخة الناجحة"،وجابرييل جارسيا ماركيز فى "الحب فى زمن الكوليرا"، كسر "التابو الثقافي" الذى يمنع المسنين من الحب أو الاستهلاك العاطفي، مؤكداً أن الرغبة والحياة لا تنتهى بظهور الشيب.
الأدب يقول لنا إن المشكلة الثقافية تكمن فى "التهميش"، فالمجتمع يتوقف عن "رؤية" المسن كإنسان ذى رغبات، ويراه فقط كـ "ملف طبي"، وهذا بالضبط ما ينادى به اقتصاد الشيخوخة إعادة المسن إلى قلب الحياة.
برواز الاستثمار فى الشيخوخة
فى شهر سبتمبر من العام الماضى 2025 نشر معهد ماكنزى الصحى دراسة بعنوان: الجدوى الاقتصادية للاستثمار فى الشيخوخة الصحية؛ دروس من الولايات المتحدة كتبها ديفيد نوزوم، كاثرين لينزر، وجاء فيها: إن استثمار دولار واحد سنوياً فى التدخلات المتعلقة بالشيخوخة الصحية، يمكن أن يحقق 3 دولارات من الفوائد الاقتصادية والرعاية الصحية فى الولايات المتحدة - وربما فى بلدان أخرى، حيث أظهرت أبحاث سابقة أجراها معهد ماكينزى للصحة، أن تحسين جودة حياة كبار السن وتحقيق النمو الاقتصادى ليسا متناقضين، بل على العكس، غالباً ما تُسفر المبادرات التى تُحسّن الشيخوخة الصحية عن فوائد اجتماعية واقتصادية، تؤكد هذه النتائج أهمية تعزيز الشيخوخة الصحية من خلال الوقاية من الأمراض، والاندماج الاجتماعى، ودعم نمط الحياة الصحي، حيث تعمل هذه الإستراتيجيات على تحسين نوعية حياة كبار السن وتوليد فوائد اقتصادية.
وأضافت الدراسة: حققت جميع التدخلات المُحللة فى مجال الشيخوخة الصحية ضمن الدراسة عائدًا إيجابيًا على الاستثمار وقيمة اقتصادية، مما يشير إلى جدوى الاستثمار فى هذه المجالات، وأظهر التحليل عائدًا على الاستثمار يتراوح بين 1.0 و24.0 ضعفًا للتدخلات الفردية، وبين 1.5 ضعفًا (فى مجال النقل) و9.6 ضعفًا (فى مجال السلامة العامة) لقنوات الاستثمار ، بمتوسط 3.0 أضعاف، مما يوحى بأن الاستثمار فى العديد من جوانب الشيخوخة الصحية المتنوعة، سيُحقق على الأرجح عوائد إيجابية من خلال زيادة النمو الاقتصادى، وخفض الإنفاق على الرعاية الصحية.
وبالنظر إلى أن واحداً من كل ستة أشخاص فى العالم، سيبلغ من العمر 60 عاماً أو أكثر بحلول عام 2030، فمن المرجح أن تقوم المزيد من البلدان بدراسة تأثير وجدوى هذه التدخلات ومواصلة تحسينها.
برواز
شيخوخة السكان
فى علم الاقتصاد، يشير مصطلح شيخوخة السكان إلى اتجاه ديموجرافى تتزايد فيه نسبة كبار السن فى مجتمع ما، مقارنةً بالفئات العمرية الأخرى، لا سيما السكان فى سن العمل (عادةً ما تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عامًا)، وتحدث هذه الظاهرة بشكل أساسى نتيجة عاملين:
زيادة متوسط العمر المتوقع، حيث تؤدى التطورات فى الرعاية الصحية، وتحسين مستويات المعيشة، والتكنولوجيا الطبية إلى زيادة متوسط عمر الناس، ثم انخفاض معدلات المواليد، وبالتالى ينخفض الحجم النسبى للسكان الأصغر سناً بمرور الوقت.
مع ازدياد نسبة كبار السن (عادةً من يبلغون من العمر 65 عامًا فأكثر)، يؤثر ذلك على اقتصاد الدولة بعدة طرق:
مع انخفاض عدد العاملين مقارنة بالمتقاعدين، حيث يتباطأ النمو الاقتصادى، ويقل عدد الأشخاص الذين يسهمون فى النتاتج القومي.
وتواجه الحكومات تكاليف أعلى فى توفير المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، وغيرها من الخدمات المتعلقة بكبار السن، وفى الوقت نفسه، مع انخفاض عدد السكان العاملين، قد تنخفض الإيرادات الضريبية اللازمة لتمويل هذه الخدمات، وبالتالى يؤدى تقلص القوى العاملة إلى نقص فى العمالة، مما يؤدى إلى ارتفاع الأجور، أو يدفع الشركات إلى الأتمتة أو البحث عن تقنيات موفرة للعمالة.
وتكون النتيجة النهائية قلة أنماط الادخار والاستثمار لأن كبار السن يميلون إلى الادخار بشكل أقل وإنفاق المزيد على الرعاية الصحية، مما قد يؤثر على معدلات الادخار الوطنية وأنماط الاستثمار.
تُعد دول مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا أمثلة على الدول التى تتعامل مع شيخوخة السكان، ومن المتوقع أن تواجه العديد من الدول الأخرى تحديات مماثلة فى العقود المقبلة.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
معادن وأساطير (2-4) رمز النقاء والأنوثة والحظ السعيد فى الحضارات القديمة..
ماذا لو كان ملاذك الطبى ثغرة تفضح أسرارك؟.. «أونلاين ثيرابى».. الجلسة علنية!
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام