مقالات



‪حصان طروادة (2)‬

11-2-2026 | 21:24
د. إيمان طاهر

هذا التفكيك الأخلاقى لم يتم هكذا بين ليلة وضحاها بل استغرق سنوات وسنوات، فعندما اعتمد الغرب تطبيق تلك النظم بدأ بالتعليم، وعادة يستغرق التفكيك المجتمعى ما بين 15 إلى 20 عاما، لذا بدأوا بتعليم أجيال منذ الطفولة، ليبدأ تجريف عقولهم تدريجيا وزرع الأفكار البديلة، وبدء السخرية من الأديان والتشكيك بتفاصيلها وشرائعها لتدميرها واستبدالها بطوائف، ليتم تفكيك الأديان والسلطة الأبوية والأسرية.
وفى المقابل يتم استدعاء حائط الصد، الذى تم أيضا إعداده مسبقا، ليعوق عمل هذا العقل من التفكير أو الإدراك، عبر وسائل التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى المحمل بمعلومات مضللة زائفة، لإتمام المهمة الأساسية، وهى وقف عملية الإدراك العقلى، والاعتماد على كل ما سيقدمه هذا الذكاء الاصطناعى من أفكار أو سلوكيات فى عملية برمجة عقلية غاية فى الدقة والخطورة، وعندما يعتمد العقل على هذا النوع من النشاط يصاب بما يسمى «البلادة الفكرية»، فيلجأ طواعية لعقل المخطط المستتر خلف الشاشات ليفكر ويقرر بدلا منه، ومن ثم يفتح تدريجيا المجال للتعاطف أو القبول، فما كان مرفوضا أو غير مقبول دينيا أو أخلاقيا، صار مقبولا ولو حتى بالصمت عنه. على سبيل المثال انظر إلى أفلام ومسلسلات هذا العصر لابد أن يزج بشخصيات لها ميول جنسية شاذة عن الفطرة الإنسانية أو أبناء يتخلون عن آبائهم ويثورون عليهم.
كل هذا تم التمهيد له عن طريق التآكل البطىء للأديان، فأصبحت العقول مهيأة لأى انحراف سيأتى، ولأن الإنسان بفطرته يميل للاعتقاد بوجود إله، فقد تم تدمير هذا الميل، بإحلال أفكار وآمال مادية، وصرف انتباهه عن هدف وجوده الحقيقى ووعيهم لمعانى الإيمان الحقيقى والوجود الإلهى، وفى المقابل مازال المخطط التعليمى الموجه يتبع خطاه ببطء فى عملية إلهاء دقيقة، لصرف انتباه الأجيال الجديدة عن التعليم الفعلى الذى يفيدهم فى الإدراك والوعى، أو حتى استكشاف ملكاتهم الخاصة والعمل عليها، ليزرع بعقولهم تاريخاً مزيفاً لدول مزيفة تعتبر نفسها عظمى وصراعات جديدة، مثل الأطعمة النباتية والمكملات الغذائية وإشغالهم بالهوية الجنسية أو أى شىء يشتت انتباههم، ويشغلهم عن التفكير أو التحليل الذاتى.
هنا أصبحت تلك الأجيال الجديدة، التى يوما ما ستأتى لنا بأجيال أخرى جديدة بلا صحة، لأنه اعتمد مسبقا على الغذاء السريع الذى سوقه له الغرب لإضعافه جسديا، وبلا تعليم أو هوية وبلا حصن نفسى، وهبطت مع كل ما سبق ثقته الذاتية، ليكتمل المخطط النهائى فى التفكيك ويكون البشر بأى مكان تحت سيطرتهم الكاملة، أغلبية البشر الآن فقراء، محبطون يعيشون حالة من القلق والخوف، لذا فإن اتباع الأوامر، هو أكثر فعل أو رد فعل قد يتخذه البشر لأنه أكثر أمانًا.
من هنا تحولت الإنسانية إلى بشر واهنين، يحاولون بكل ما لديهم من قوة أن يصارعوا يومياتهم وكل من حولهم لمصلحتهم فقط حتى لا يتخلفون عن اللهث السائد حول الثروات والمناصب أو الشهرة، كأنهم فى مسابقة جرى على الجليد، فانخفاض السرعة يمثل لهم تهديدا بالغرق، وهكذا يتسابق الجميع على قمة قيم البقاء فقط!
تلك السرعة فى حياتنا الآن تنزع من الإنسان أعظم هبة منحها الله تعالى له، وهى التفكير أو مراجعة الذات والضمير، فشلت العقل والضمير، ولم تمنحه الوقت الكافى ليراجع خطواته ويتدبر المكان أو المكانة التى وصل إليها، الحكمة والغاية والعلاقات الأهم بالنسبة له، كل هذا الفقد للإنسانية الحقة تطلب ثمنا سيكولوجيا غاليا دفعه ويدفعه الإنسان ومازال لم ينتبه.
وكما تقول القاعدة: إن تشخيص المرض لا يعنى علاجه، فهذه القاعدة العامة تنطبق أيضا على المجتمعات بذات القدر والمصداقية، وعلى الرغم من الإمكانيات المتاحة والدراسات والأبحاث والواقع ذاته، الذى فسر لنا وعزز الفهم على نحو يفوق أى وقت مضى، ستجدنا نعود لأسطورة حصان طروادة والأوديسا مرة أخرى، حين تحول البشر لكائنات غير بشرية، وعلى الرغم من إدراكهم لهذا العرض والمرض رفضوا العودة لإنسانيتهم أو تلقى العلاج!
وهذا ما نجح فيه الغرب عندما حالوا بين الإنسان ووعيه واستقلاله الذاتى، وغرسوا فيه أوهام التبعية، مازال الأمل كبيرا فى البدء من جديد، فى الشك فى الواقع الحالى، لقطع أولى الخطوات نحو العلاج.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام