مقالات



‪ماذا ينتظر الصوماليون من مصر؟‬

11-2-2026 | 21:47
عبد الرحمن غوري

لا تُقاس الزيارات السياسية بعدد الصور، ولا بطول البيانات الختامية، بل بقدرتها على كشف ما تحت السطح، ووضع الحدث فى سياقه الأوسع، حيث تتداخل الجغرافيا بالتاريخ، وتُختبر ثوابت الدول فى لحظات الارتباك الإقليمى، من هذا المنظور، يمكن قراءة زيارة الرئيس الصومالى، حسن شيخ محمود، إلى القاهرة، ولقائه مع أخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، لا بوصفها محطة دبلوماسية عادية، بل باعتبارها مؤشرا على مرحلة ورسالة في توقيت بالغ الدلالة.
فالقرن الإفريقى ليس ساحة جديدة للتجاذبات، لكنه اليوم أكثر هشاشة، وأكثر عرضة لمحاولات إعادة الرسم السياسى تحت عناوين براقة تخفى فى جوهرها منطق فرض الأمر الواقع، ولم يكن الاعتراف الأحادي بإقليم أرض الصومال خطوة معزولة، بل حلقة ضمن سلسلة محاولات لاختبار صلابة الدولة الصومالية، وقدرتها على الدفاع عن مفهوم السيادة في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يملك أدوات الحضور السياسى والقانونى معا.
في هذا السياق، بدت القاهرة خيارا محسوبا بدقة. فمصر، بحكم موقعها وثقلها وتجربتها، لا تنظر إلى الصومال بوصفه قضية طارئة، بل باعتباره ركنا أساسيا في معادلة الأمن فى البحر الأحمر والعمقين العربى والإفريقى، ومن هنا، لم يكن الموقف المصري الداعم لوحدة الصومال مفاجئا، بل منسجم مع خط سياسى ثابت لا يتغير بتغير الحكومات ولا يتبدل مع تقلب المصالح.
واللافت للنظر فى الزيارة لم يكن فقط ما قيل، بل ما استُحضر من ذاكرة العلاقات، فالدعم المصري للصومال لم يبدأ بعد الاستقلال، بل سبقه منذ لحظة تشكل الوعى الوطنى الصومالى، حين اختارت القاهرة الوقوف إلى جانب حق شعب يسعى إلى دولته، ولم يكن اغتيال السفير المصرى كمال الدين صلاح في مقديشو حادثا عرضيا، بل دليل على أن الصراع آنذاك كان صراعا على فكرة الدولة نفسها، وأن من يدفع ثمن الموقف المبدئى غالبا ما يكون أول من يُدوَّن اسمه فى سجل التاريخ.
ومنذ ذلك الحين، ظل الخط المصرى ثابتا، سواء عبر الدعم السياسى فى المحافل الدولية، أو من خلال الاستثمار فى الإنسان الصومالى عبر التعليم وبناء الكوادر، أو بالمشاركة فى جهود حفظ السلام حين كان الصومال فى أمسّ الحاجة إلى من يمنع انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة، ولم يكن هذا الدور استعراضيا، بل أقرب إلى حضور هادئ يعمل أكثر مما يتكلم.
ودوما تعكس المباحثات بين الزعيمين توجها واضحا، لنقل العلاقة من مستوى الرمزية التاريخية إلى مستوى الشراكة المؤسسية، عبر تفعيل مسارات تعاون عملية تشمل التنمية وبناء القدرات والتعليم والصحة، بما يعيد تعريف الدعم بوصفه استثمارا فى استقرار الدولة، لا مجرد تضامن لفظي أو اصطفاف سياسى عابر.
 كما يحضر البعد الإقليمى بقوة من خلال الربط بين وحدة الصومال واستقرار القرن الإفريقى من جهة، وأمن الملاحة البحرية فى البحر الأحمر وخليج عدن من جهة أخرى، فهذه الممرات الحيوية لم تعد تحتمل فراغات سياسية أو حلولا مفروضة من خارج الجغرافيا، وهو ما يفسر التشديد على أن مسئولية تأمينها تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدول المشاطئة لها، فى رفض واضح لتحويلها إلى ساحات صراع بالوكالة أو تدويل قسري يتجاهل مصالح شعوب المنطقة.
واليوم يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: ماذا ينتظر الصوماليون من مصر؟ والإجابة لا تبحث عنها البيانات الرسمية بقدر ما تفرضها ضرورات الواقع، التى تتجاوز الدعم اللفظى إلى موقف عملى متماسك يساند الدولة الصومالية فى معركتها الطويلة لإعادة بناء مؤسساتها، ويحصن وحدتها فى مواجهة مشاريع التفكيك، ويعيد تثبيت قضيتها فى الوعى العربى والإفريقى، في وقت تؤكد فيه مصر، قولا وفعلا، دعمها الثابت لوحدة الصومال.
لقد جاءت زيارة القاهرة لتؤكد أن الصومال لا يزال يراهن على عمقه العربى، وأن مصر لا تزال ترى في وحدة الصومال جزءا من أمنها الإستراتيجى، وهي رسالة بالغة الأهمية فى لحظة يكثر فيها الخلط بين التكتيك والإستراتيجية، وبين الضجيج السياسى والعمل الهادئ طويل النفس.
 وكان الأستاذ محمد حسنين هيكل، يقول: إن السياسة فى جوهرها هى قراءة ما بين السطور، وما بين سطور هذه الزيارة، يمكن قراءة حقيقة بسيطة: أن الدول التي تحترم تاريخها لا تفرط في ثوابتها، وأن العلاقات التى تُبنى على الدم لا تهزها العواصف العابرة، مهما اشتدت الاضطرابات.
وختاما، لا يسع الصوماليين إلا أن يسجلوا شكرهم لمصر، قيادة وشعبا، على موقفها الثابت، ودعمها الصادق، ووقوفها الدائم إلى جانب الصومال فى لحظاته الفاصلة، وهو موقف سيبقى حاضرا فى الذاكرة ومحفوظا فى ميزان التاريخ.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام