نحن والعالم



كانت نقطة ارتكاز فى معادلة النفوذ.. قاعدة "التنف" ليست انسحابا من الصحراء بل إعادة رسم لخرائط النفوذ

21-2-2026 | 22:38
إلهامى المليجى

أى تغيير فى وضعها ينعكس بالضرورة على شكل التوازن بين القوى المنخرطة فى الملف السورى
 
إذا نجحت دمشق فى تحويل الموقع إلى عقدة تنسيق أمنى إقليمى فقد يكون ذلك خطوة أولى نحو تثبيت معادلة جديدة 
 
فى الصحراء لا يحدث شىء «صغير». كل نقطة عسكرية هناك هى جغرافيا مكثّفة، وكل فراغ أمنى هو دعوة مفتوحة للّاعبين الخفيين، لهذا فإن الحديث عن تسلّم قاعدة «التنف» لا يجوز أن يُقرأ كخبر عسكرى عابر، بل كإشارة سياسية ثقيلة الوزن: نحن أمام لحظة يُعاد فيها تعريف من يملك القدرة على إدارة الجنوب الشرقى السورى. 
 
«التنف» لم تكن مجرد قاعدة للتحالف الدولى، بل كانت نقطة قطع فى معادلة النفوذ داخل سوريا، وجودها لسنوات شكّل عازلًا إستراتيجيًا على مثلث سوريا - العراق - الأردن، ومراقبة متقدمة لطريق بغداد - دمشق، وأداة ضغط غير مباشرة فى لعبة التوازنات، لذلك فإن السؤال الحقيقى ليس من استلم الموقع، بل ماذا يعنى هذا التحول فى سياق إعادة تشكيل المشهد السورى كله.
السيادة.. من البيان إلى القدرة 
فى الخطاب السياسى، تبدو استعادة أى موقع عسكرى خطوة سيادية بامتياز، لكن السيادة فى الصحراء لا تُقاس بالعلم المرفوع، بل بالقدرة على ملء الفراغ، البادية السورية ليست أرضًا صلبة يمكن تثبيتها بحامية ثابتة؛ إنها مسرح مفتوح، يعتمد الأمن فيه على الحركة الدائمة، والرصد الجوى، والمعلومة الدقيقة، والتنسيق العابر للحدود. 
إن لم يتحول تسلّم «التنف» إلى منظومة انتشار مرنة وقدرة عملياتية عالية، فإن السيطرة ستبقى شكلية. الصحراء لا تعترف بالرموز، بل تختبر الوقائع يوميًا. ومن هنا يصبح ضبط الحدود سؤالًا عمليًا لا إنشائيًا. 
«داعش» لم يختفِ.. بل تغيّر 
التجربة خلال السنوات الماضية، أثبتت أن داعش لا يحتاج إلى مساحة سيطرة كى يعود إلى المشهد، التنظيم تحوّل من نموذج «الدولة» إلى نموذج «الشبكة»: كمائن، عبوات، ضربات خاطفة، واستثمار لكل فجوة رقابية. البادية السورية، بامتدادها نحو غرب العراق، كانت دائمًا البيئة المثالية لهذا النمط من العمل. 
لذلك، فإن السؤال عن منع تحرك الإرهابيين لا يُجاب عنه بالنيات، بل بالآليات، هل توجد آلية تنسيق فعلى بين دمشق وبغداد وعمّان؟ هل ستُبنى غرفة معلومات مشتركة؟ هل سيجرى تحويل «التنف» إلى عقدة ربط أمنى إقليمى؟ إن لم يحدث ذلك، فإن الصحراء ستبقى مساحة حركة، مهما تبدلت الرايات فوق القاعدة. 
إعادة تموضع أم إعادة توزيع؟ 
الأهم من البعد الأمنى هو البعد الجيوسياسى، التحول فى وضع «التنف» لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب الأولويات الدولية فى سوريا، واشنطن، التى خففت انخراطها المباشر فى عدة ساحات، تميل إلى تقليص الكلفة العسكرية مع الاحتفاظ بأدوات التأثير، من هذه الزاوية، قد لا يكون ما يجرى انسحابًا بقدر ما هو إعادة توزيع أدوار.
هذا التحول يتقاطع مع مشهد أوسع:
شرق الفرات، حيث تتقاطع الحسابات الأمريكية - التركية، الجنوب السورى، حيث تُختبر ترتيبات ما بعد سنوات الاشتباك؛ ومسار إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف داخل سوريا. 
«التنف» كانت نقطة ارتكاز فى معادلة النفوذ، أى تغيير فى وضعها ينعكس بالضرورة على شكل التوازن بين القوى المنخرطة فى الملف السورى، هل نحن أمام تقليص تدريجى للوجود العسكرى المباشر؟ أم أمام تمكين أطراف إقليمية لتحمل عبء الإدارة الأمنية؟ أم أمام تفاهمات غير معلنة تعيد رسم خطوط النفوذ بهدوء؟ 
الركبان.. العقدة التى تختبر الاستقرار 
قرب القاعدة يقبع مخيم الركبان، الذى ظل لسنوات منطقة رمادية بين الأمن والسياسة والإنسان، معالجة هذه العقدة، ستكون مؤشرًا مبكرًا على جدية المرحلة الجديدة. فالمناطق الهشة، إذا تُركت بلا تسوية اجتماعية واقتصادية، تتحول إلى بيئة خصبة لشبكات التهريب والعنف، الاستقرار لا يُبنى بالانتشار العسكرى وحده، بل بإزالة أسباب الهشاشة. 
بين مشروع استقرار ومخاطر فراغ 
هل يسهم تسلّم «التنف» فى ضبط الحدود ومنع تحرك الإرهابيين؟
الجواب الحاسم: نعم، إذا تحوّل إلى مشروع إدارة أمنية إقليمية متكاملة. ولا، إذا اقتصر على استلام رمزى دون إعادة بناء منظومة الرصد والانتشار، المعيار سيكون واضحًا: انخفاض العمليات فى البادية، أمان طريق بغداد - دمشق، وتراجع نشاط شبكات التهريب. الصحراء لا تجامل أحدًا، وهى تكشف سريعًا الفارق بين السيطرة المعلنة والسيطرة الفعلية. 
سوريا على عتبة إعادة تشكيل 
“التنف” ليست حدثًا منفصلًا، إنها جزء من لحظة إعادة تشكيل أوسع فى سوريا، الدولة التى خرجت من عقدٍ من الحرب، تُختبر اليوم فى قدرتها على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الاستقرار، والجنوب الشرقى، بكل حساسيته الحدودية، هو أحد أكثر مسارح هذا الاختبار صعوبة. 
إذا نجحت دمشق فى تحويل الموقع إلى عقدة تنسيق أمنى إقليمى، فقد يكون ذلك خطوة أولى نحو تثبيت معادلة جديدة، أما إذا بقى التحول فى إطار الرمز، فستظل الصحراء مساحة مفتوحة، لاحتمالات لا ترغب بها أى من العواصم المعنية. 
فى النهاية، لا يُختبر فى التنف موقع عسكرى، بل تُختبر قدرة الدولة على إدارة جغرافيتها بعد الحرب. فالفرق بين الرمز والقدرة هو الفرق بين استعادة أرض، واستعادة معنى، وهنا، فى هذا الفارق الدقيق، سيتحدد إن كانت سوريا تدخل طور تثبيت أمنى حقيقى، أم تبقى أسيرة خرائط مؤجلة، تُعاد صياغتها كلما تغيّرت الأولويات الدولية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام