نحن والعالم



بعد زيادة نفوذ اليمين المتطرف.. «ظل ترامب» ينعكس على أوروبا

21-2-2026 | 23:06
رشا عامر

الرئيس الأمريكى لم يغير أوروبا من الخارج فقط بل جعل الأوروبيين يعيدون تعريف علاقتهم بواشنطن 
 
ما يروجه البعض من أن أوروبا أصبحت «ترامبية» هى فكرة مبالغ فيها فالواقع أن الأغلبية ترفضه 
 
يعتبر تأثير دونالد ترامب على أوروبا وشعوبها، ليس مجرد تأثير سياسى خارجي، بل أصبح عاملا قويا يعيد تشكيل الرأى العام والسياسات داخل القارة، فمنذ عودته إلى الواجهة السياسية تصاعدت فجوة الثقة بين ضفتى الأطلنطي، وقد أظهرت استطلاعات حديثه أن نحو 51 ٪ من الأوروبيين يرون أن ترامب عدو لأوروبا، بينما 64 ٪ منهم يعتبرون السياسات الأمريكية نوعا من الافتراس أو إعادة الاستعمار على حد تعبيرهم.
 
يعكس هذا التغير تحولا عميقا فى تصور أوروبا لموقعها العالمي، ففى السابق كانت الولايات المتحدة تعتبر الضامن الأمنى والسياسى الرئيسى للقارة، لكن جاء خطاب ترامب القائم على شعار “أمريكا أولا”، ليعيد إحياء فكرة الاستقلال الأوروبي، وبالفعل أظهرت استطلاعات الرأى أن 70 ٪ من الأوروبيين يريدون أن تعتمد أوروبا على نفسها دفاعيا، بدل الاعتماد على واشنطن.
على الصعيد السياسى، يتم النظر إلى ترامب داخل أوروبا، باعتباره عامل ضغط إستراتيجيا لدرجة أن رئيس الوزراء الفرنسى، حذر من أن السياسات الأمريكية قد “تسحق” أوروبا إذا لم تتوحد، ويعكس هذا الخطاب شعورا أوروبيا متزايدا، بأن واشنطن فى عهد ترامب لم تعد شريكا متساويا بل منافس اقتصادى وجيوسياسى.
وجاءت أزمة جرينلاند الأخيرة لتسهم فى تدهور صورة الولايات المتحدة بشكل أكبر، ففى دول مثل الدنمارك انخفضت نسبة من يرون أمريكا حليفا لهم من 80 ٪ إلى أقل من 26 ٪، وهذا التحول لا يتعلق بشخص ترامب فقط بل بإعادة تقييم أوروبا للعلاقة مع واشنطن.
ويشير تحليل لمركز كارنيجى فى الولايات المتحدة، إلى أن الأحزاب اليمينية الراديكالية فى أوروبا، قد شعرت بالقوة والسيطرة بعد عودة ترامب إلى الحكم، لكنها لا تزال مقيدة بعوامل محلية. 
وهذا يعنى أن تأثيره ليس سيطرة مباشرة، بل هو تعزيز لمناخ سياسى يسمح بصعود اتجاهات كانت موجودة أصلا.
وفى المقابل تظهر الدراسات والتحليلات السياسية المختلفة، أن تأثير دونالد ترامب الانتخابى المباشر على أوروبا، هو تأثير محدود، إذ ظل متوسط دعم الأحزاب اليمينية فى أوروبا بين 24 - 25 ٪ دون تغير كبير بعد فوزه.
أى إن ترامب قد أثر فى المزاج العام والخطاب السياسى أكثر منه فى النتائج الانتخابية المباشرة، وهذا يعنى أن تأثير ترامب على أوروبا يظهر على ثلاثة أصعدة:
أولا: الصعيد الإستراتيجى المتمثل فى دفع أوروبا نحو التفكير فى الاستقلال الدفاعي. 
ثانيا: الصعيد النفسى والسياسى المتمثل فى تراجع الثقة الشعبية فى الولايات المتحدة.
ثالثا: الصعيد الحزبى المتمثل فى تقوية خطاب الأحزاب اليمينية والقوميين.
معنى ذلك أن ترامب لم يغير أوروبا من الخارج فقط، بل جعل الأوروبيين يعيدون تعريف علاقتهم بأمريكا وبأنفسهم. 
 
ظل ترامب
جاء صعود دونالد ترامب ليعطى دفعة رمزية للقومية الأوروبية، رغم أنها كانت موجودة قبله لكنه منحها دعما أيديولوجيا، فخطابه القائم على السيادة الوطنية ورفض العولمة، قدم نموذجا سياسيا استلهمته الحركات القومية فى أوروبا، ففى تقرير أوروبى - أمريكى مشترك تم اتهام إدارة ترامب بشن حرب ثقافية على أوروبا عبر دعم الحلفاء اليمينيين القوميين.
ويرى باحثون، أن إعادة انتخاب ترامب عزز وجود سياسة جديدة تدعم صعود القوميين فى أوروبا الوسطى بشكل خاص، ويرجع ذلك إلى أن بعض هذه الدول لديها يقين سياسى يميل للسيادة الوطنية ويشك فى المؤسسات الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي.
أما على المستوى الثقافي، فإن القومية الأوروبية الحديثة تحولت من صراع اقتصادى طبقى إلى صراع ثقافى يتعلق بالهوية، وقد أظهرت دراسة أكاديمية فى ألمانيا أن بروز اليمين الجديد خلق بعدا سياسيا جديدا قائما على قضايا العولمة والهوية، وهذا البعد هو الذى يستخدمه ترامب فى خطابه السياسي.
الشيء المؤكد أن العلاقة بين ترامب والقومية الأوروبية، ليست علاقة تقليد فقط بل علاقة شرعية، فوجود رئيس أمريكى يتبنى خطابا قوميا متشددا يعطى شرعية دولية للأحزاب القومية الأوروبية، ويجعل خطابها أقل هامشية.
ورغم أن القوميين يستلهمون خطاب ترامب، فإن غالبية الأوروبيين لا يرحبون به، ففى فرنسا مثلا نجد نسبة صغيرة من المحافظين تعتبره صديقا لأوروبا، بينما يراه أغلب الشعب عدوا، وهذا يعنى أن تأثير ترامب القومى هو تأثير مزدوج يبدو كما لو كان سلاحا ذا حدين، فهو من جانب يعزز الخطاب القومى عند النخب اليمينية لكنه من جانب آخر يدفع قطاعات واسعة من المجتمع للتمسك بالمشروع الأوروبى، ما يعنى أن ترامب لا يصنع القومية الأوروبية، لكنه يعمل على استقطابها. 
 
كراهية المهاجرين 
يعد أحد أكثر مجالات تأثير ترامب وضوحا هو ملف الهجرة، فخطابه الصارم تجاه المهاجرين أصبح مرجعا خطابيا لأحزاب اليمين الأوروبي، وتشير بعض التحليلات إلى أن إستراتيجياته تضمنت تلميحات عنصرية ضد المهاجرين والمسلمين، ويتزامن ذلك مع صعود اليمين المتطرف فى الانتخابات الأوروبية، ما أثار مخاوف من عودة الإسلاموفوبيا وعودة إجراءات التضييق على المؤسسات الإسلامية ومنع بناء المساجد.
لكن المسألة ليست بهذا الشكل المباشر، فالدراسات الأوروبية تؤكد أن دعم الأحزاب اليمينية فى أوروبا نابع أساسا من عوامل داخلية، مثل تباطؤ النمو الاقتصادى وزيادة عدم المساواة والتحولات الثقافية المرتبطة بالتنوع والهجرة وفقدان الثقة فى النظام السياسى، ما يعنى أن ترامب يعمل على تحفيز وتسريع هذه الاتجاهات، لكنه ليس السبب الرئيسى فيها. 
يلعب الإعلام أيضا دورا مهما، حيث أظهرت التحليلات الإعلامية خلال انتخابات 2024 أن اليمين الراديكالى حصل على تغطية إعلامية أكبر من حجمه الانتخابى، خصوصا فى الأسابيع الأخيرة من الحملات، وهذا يعنى أن تضخيم الخطاب الإعلامى قد يضخم أيضا تأثير خطاب ترامب الذى انعكس على هذا الملف شرعنة الخطاب المناهض للهجرة، وتوفير نموذج سياسى ناجح لليمين وتحفيز الاستقطاب الثقافى، لكن تبقى جذور الظاهرة أوروبية محلية.
 
مؤيدو ترامب 
فى معظم أوروبا نجد صورة ترامب سلبية جدا فى استطلاعات، حيث ترى نسبة ضئيلة منهم فقط أنه حليف، ففى فرنسا وإسبانيا يرى أكثر من نصف السكان أنه عدو.
على الرغم أنه فى أوروبا الشرقية والوسطى، نجد نسب التأييد أعلى حيث تصل إلى 30 ٪ فى رومانيا و29 ٪ فى المجر، وهذا الاختلاف يدل على أن الدعم لترامب ليس ظاهرة أوروبية عامة، بل ظاهرة إقليمية مرتبطة بالثقافة المحلية.
كما أن الدراسات تقسم الرأى العام الأوروبى إلى فئات، من بينها الترامبيون” الذين يشكلون نحو 5 ٪ فقط من السكان، وهى نسبة صغيرة لكنها ذات صوت إعلامى مرتفع.
وبالتالى فإن ما يروجه البعض من أن أوروبا أصبحت ترامبية، هى فكرة مبالغ فيها، فالواقع أن الأغلبية ترفضه بينما الأقلية فقط من المحافظين هم من يعجبون به، وهذا يعنى أن الرأى العام منقسم أيديولوجيا.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن لمؤيدى ترامب فى أوروبا تغيير نتائج الانتخابات الأوروبية المقبلة؟
الواقع يقول إن تأثيرهم محدود، لكنه غير معدوم، فالأدلة الانتخابية تشير إلى أن فوز ترامب لم يغير بشكل كبير أنماط التصويت الأوروبية، حيث ظل متوسط دعم الأحزاب اليمينية ثابتا تقريبا بعد فوزه، لكن هذا لا يعنى عدم وجود تأثير سياسي، فالدراسات تظهر أن الخطاب السياسى يصبح أكثر استقطابا عندما تظهر شخصيات مثيرة للانقسام مثل ترامب، الذى يتميز بأسلوب عدائى مقارنة بكل المرشحين الأمريكيين الآخرين.
وهذا النوع من الخطاب يزيد الاستقطاب الذى بدوره قد يغير نتائج الانتخابات فى أنظمة متعددة الأحزاب مثل أوروبا، كما أن الأحزاب اليمينية الأوروبية تحاول استثمار رمزيته، فعلى سبيل المثال نجد قادة يمينيين أوروبيين، يعبرون علنا عن إعجابهم به أو بتوجهاته، لكن العامل الحاسم يبقى داخليا، فالباحثون يؤكدون أن الناخب الأوروبى يصوت بناء على قضايا محلية لا أمريكية، وبالتالى فإن مؤيدى ترامب لن يحددوا نتائج الانتخابات وحدهم، لكنهم قد يؤثرون فى الخطاب السياسى والتحالفات وسوف يظهر تأثيرهم بشكل أكبر فى الدول التى تميل لليمين.
وفى النهاية، يمكن القول: إن ظل ترامب فى أوروبا ليس ظاهرة شعبية بقدر ما هو ظاهرة بنيوية، فهو يضعف الثقة بين أوروبا وأمريكا ويقوى الخطاب القومي، ويعمل على تسريع الاستقطاب، ويعطى دفعة رمزية لليمين، لكنه لا يملك وحده القدرة على تغيير نتائج الانتخابات أو إعادة تشكيل القارة، لأن المحرك الحقيقى للسياسة الأوروبية ما زال داخليا.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام